أحب بغداد وأخلص للقاهرة واستظل بيروت ومات في دمشق..غالب هلسا: الروائي الذي كره الأماكن الضيقة

أحب بغداد وأخلص للقاهرة واستظل بيروت ومات في دمشق..غالب هلسا: الروائي الذي كره الأماكن الضيقة

فيصل دراج
غالب هلسا، ذلك الروائي الغريب الذي رحل قبل عشر سنوات، ليس كاتباً كالآخرين. فهو الاردني الذي يتحدث بلهجة مصرية، والاديب الذي تؤنسه لغة السياسة، والماركسي الذي يتطير من الواقعية الاشتراكية. وهو الكهل الذي ما تخلى عن طفولته يوماً… ومع ان غالب هلسا كان عازفاً عن الشهرة ولا يحسن لغة المجاملات المصقولة، فقد وجد،

بعد عشر سنوات من الغياب، من يلقي على قبره باكثر من وردة، سواء جاءت الوردة من "كتاب في جريدة"، او من عمان حيث تنظّم ندوة تكريميّة له، او من أقلام كثيرة تمخّضت عن مقالات قصيرة دافئة في تحيّة من ودعته قبل سنين. والراحل، الذي مات في غير بلده، جدير باكليل الورد والكلمة العطرة. ليس فقط لأنه شارك المدافعين عن بيروت مرارة خبزهم العاري، بل لأنه كان يشارك المثقف النزيه خصاله كلها، بدءاً بكلمة لا تعرف القناع، وصولاً الى عقل يفصل بين "الجهل والحضارة".

وقد يدخل بعض القرّاء الى عالم هلسا من بوابة الرواية، هو الذي خاض في غمارها عشرين عاماً واكثر. وقد يعطف بعضهم الآخر القصة القصيرة على الرواية، وغالب له مجموعتان، وربما يتوقّف آخرون عند تجربته السياسية التي قادته إلى السجن، وإلى أكثر من منفى… غير ان ذلك الانسان، البسيط في هندامه والاليف في حركاته، كان يحمل في ذاته وجوهاً لطيفة متعددة. فقد كان المثقف الذي يرى قضية الانسان قبل ان يلتفت الى رنين الكلمات، والعقل المتمرد الذي يرفض الاجابات الجاهزة، والقلم الذي لا يرضى بالصمت ولا يرى الصمت فيه ولداً نجيباً.
ولعل منازعة الصمت وانصاره أملت عليه أن يضع كتاباً في مجال غريب عنه وعنوانه: "العالم مادة وحركة"... وحرّضته على كتابة "الجهل في معركة الحضارة". ثم وجد نفسه كاتب مقالة لاهثة تسائل مصير الفكر العربي، قبل أن تتوقف متلعثمة أمام بوابات فلسطين. وربما يكون فضول المعرفة، كما منازعة الصمت ومخاصمته، هما اللذان دفعا الروائي وكاتب القصة القصيرة وصاحب المقال السياسي المباشر إلى أبواب الترجمة، ليضع ترجمة مجتهدة لكتاب باشلار: "جمالية المكان" وليقدم ترجمة مشرقة لرواية سالنجر "الحارس في حقل الشوفان" التي تضيء مناطق عدّة من عوالم غالب هلسا الروائية.
حين تحدث اسحاق موسى الحسيني، صاحب "مذكرات دجاجة" عن المربي الفلسطيني خليل السكاكيني قال: "ان شخصية خليل تفيض على مؤلفاته جميعاً". ولم يكن القول مخطئاً، لأن ارواح بعض البشر اكثر اتساعاً من كلماتهم الصامتة فوق الورق. والى هؤلاء ينتمي غالب هلسا الذي عرف بغداد واخلص في حبه للقاهرة، والذي استظل بيروت قبل ان تهجره الحياة في دمشق. فذلك الانسان الذي ان سمع كلاماً خشناً ارتبك، كان يكره الفكر الضيق والارواح المعلبة والشوارع الضيقة والمكاتب التي تضيق بالهواء، ويمقت كل ما يمنع عن الانسان المنطق السليم. كرهه للفكر الضيق جعله ينتقل من مدينة الى اخرى ومن مجلة الى اخرى، ومقته للنفاق والارواح المترهلة سكب في حبره بعض النزق، ومجافاته للاماكن الخانقة خلق بينه وبين الشوارع الفة، فهو صديق لها وعارف بأسرارها وعارف ان الروح المغتربة تعشق زرقة السماء وتهرب من السقوف الكالحة.
كان يهرب من الغرف الضيقة وينفتح على ضجيج الحياة اليومية، كما لو أن الشارع المضيء يعده بحل للغز اعجزه، او كما لو كان الشارع، وقد غادره الضياء، يعده بالطمأنينة المقبلة. كان غالب يعشق اضواء النهار، لأنه كان يفتقد الانارة التي يبحث عنها، كأنه، وهو القلق دائماً، اضاع شيئاً احبه، او كأنه يحب شيئاً لم يلتقِه بعد. وواقع الامر ان الروائي الغريب كان غريباً عن بلده، وغريباً عن كثيرين يشاطرهم احلامهم، وغريباً عن راحة يسعى اليها وتظل هاربة. ولذلك لم يكن غريباً ان يُعرض غالب هلسا عن "الروايات الايديولوجية"، والا ينصت الى تعابير النصر والهزيمة والبطل الذي يبتلع الصاعقة ويظل مبتسماً. فروايته كانت حياته، وبطله كان ظلاً له، و"اثاثه الروائي" هو ما التقاه في حياته اليومية. غير انه وهو يكتب ما التقاه كان يقدم صورة عن حياة خاصة وعن حياة عامة معاً، كما لو كان، وليس بعيداً عن صنع الله ابراهيم، يشتق وضع المجتمع من حياة خاصة وشديدة الخصوصية.
روايته الاولى "الضحك" 1971، تحكي اغتراب الفرد ورخاوة الحياة اليومية، وتمس جانباً من حياة القاهرة في الخمسينات. أما "الخماسين" 1975، روايته الاكثر جمالاً ربما، فتنقل الانسان الحائر الى عالم السجن، كي ينظر الى اجساد بشرية معذبة تتكوم تحت ضوء القمر. وفي "البكاء على الاطلال" 1980 يتابع الكاتب سيرته ومن صادفهم، وقد تقاطعت ذكريات الشباب الموجعة واوجاع حرب حزيران يونيو الشهيرة.
نسج غالب رواياته من تقلبات القلب وخفقان الذاكرة في مساحة المنفى. وكان صهيل الذاكرة يتعب القلب ويرهقه، وشكوى القلب المتعب تزيد الذاكرة اضطراباً. وفي الحالتين تظل عين الغريب مشدودة الى لوحة الزمن، وتبقى اذنه منصتة الى تكّات الساعة الرهيبة. ولم تكن روايات هلسا، مهما كان شكلها، الا رصداً للزمن الهارب الذي يأتي متخفياً ويرحل مخلفاً في القلب لوعة. ينطبق ذلك على "السؤال" 1979، على رغم شكلها البوليسي الخادع، وعلى "ثلاثة وجوه لبغداد" 1984 الجديرة بدراسة طويلة، وعلى "سلطانة" 1987 وهي سيرة لأمور كثيرة تحتضن المكان والسياسة ورغبات شاب لا يعرف تماماً معنى الرغبات. في تلك الروايات جميعاً كان الزمن واقفاً بظلاله المرعبة، يشهد على تقلبات القلب وخفقان الذاكرة، فلا القلب اراح الذاكرة من تجوال طويل ولا الذاكرة عثرت على ما يؤنس القلب ويفرحه. وعن تحالف القلب والذاكرة جاء ذلك الموت المفاجئ ليفرض الصمت على "الكهل البريء"، وهو في السابعة والخمسين.
تنطوي أعمال غالب هلسا الذي ولد ورحل في اليوم ذاته 18 كانون الاول/ ديسمبر، على أكثر من سيرة. فهي مرآة مثقف عربي حمل احلامه وتنقّل بين القاهرة واليمن وبغداد ودمشق وبيروت الى ان وقع متعباً تحت ثقل الاحلام وطول المسافات... وهي سيرة انسان نظيف ونزيه، غادر بلده طويلاً وعاد اليه في كفن... وهي صورة مرحلة زمنية قاسية، مليئة بما يشغل القلب تارة ويلطم الذاكرة مرة أخرى.
عن صحيفة الحياة اللندنية