حكاية غالب هلسا.. ذلك الحكاء البارع

حكاية غالب هلسا.. ذلك الحكاء البارع

هاشم شفيق
الروائي الراحل غالب هلسا يتحدّر من مأدبا الأردنية، وهي ضاحية ناعسة، من ضواحي عمان، تميس بالهواء والشجيرات والأماكن المرهفة التي قد لا تجدها في عمان العاصمة. قطنها المسلمون إلى جانب عدد غير قليل من المسيحيين الذين ينتسب إليهم غالب هلسا بالديانة التي لم يكن يُعيرها اهتماماً كبيراً، فهو العلماني المتنوّر، الليبرالي المُفكر، الاشتراكي ذو الهوى اليساري، وهُويته كانت عابرة للأديان والمذاهب والهويات والإثنيات بكل تشكيلاتها المذهبية والدينية،

لا، بل كان يتسم بحس غجري راقٍ، أبعده عن المناطقية وسما بمرتبته المكانية. كان جوالاً عابراً للقارات والجغرافيا بكل تجلياتها، مُحّباً للمكان أنى كان ووجد، المكان الذي يجد فيه نفسه حرة ونائية عن المنغّصات السياسية، من ديكتاتوريات وأنظمة بطرياركية، وحكومات توتاليتارية، تستعبد الجماعة تحت نير فكر واحد يحتكر الحقيقة لمنظموته الفكرية والنظرية التي يدعيها.
ولعل ترجمته لكتاب باشلار «جماليات المكان» تفسر الكثير من ميله إلى الحرية المكانية، ونظرته الطوباوية التي ترجعه إلى أحلامه الشمولية، تلك الأحلام التي تقول بأن العالم يتسع للجميع، وفيه سيجد الإنسان الحر مبتغاه من حلول وتأويلات وإجابات فلسفية عن رؤاه الكونية، رؤاه الحالمة، النازعة إلى أن «الإنسان هو أثمن رأسمال» كما قال ماركس ذات يوم، وأنه سيجد في المكان المرجو الأرضية الصالحة للمخيال الذي يحمله لأن ينتج ويكتب ويقول ما يستطيع من طوباويات لمخيلة نادرة وجامحة، تحلم بكون جامع وأرض صالحة للتنقل، وحدود تتسع للغجري السعيد بأحلامه ومدوّناته الراديكالية التي تنادي بعالم متعدد خال من البغضاء والكراهية، وتنتفي فيه مشاعر العداء وحس الإقصاء والمنابذة بين الطبقات الاجتماعية.
لهذا وجدنا الراحل الكبير غالب هلسا، الذي تمر هذه الأيام ذكرى ربع قرن على غيابه، قد تنّقل في غير مكان وحمل غير هُوية وانتسب لأكثر من مجتمع وطبقة وفئة سياسية، شريطة ألا تنتزع منه رؤيته الكونية إلى الإنسان، أو يتم التجاوز على حسّه وفكره وشعوره اليساري الذي حمله مذ كان شاباً، وألا تصادر حريته الشخصية ونظرته للفرد المفكر والكاتب الحُرّ والإنسان المؤمن بمعتقد معيّن وفكرة أخلص لها طوال حياته التي لم تكن طويلة قياساً بالكتّاب الذين كانوا من جيله، كونه قد رحل وهو لم يصل الستين من العمر، أنه عمر قصير بحسابات اليوم من منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة.
والحال هذه، فحين رأيناه يبحر إلى مصر، حالماً بالأجواء الاشتراكية السابقة لثورة عام 1952 من أجل الانخراط في تلك الأجواء الثورية، رأيناه قد حاز على بعض من أحلامه الرومانتيكية بوجود المكان الروائي والمناخ المثالي للكتابة، وسط عالم حالم بالمتخيل الحكائي، أجواء المدينة التي تحكي وتقص وتروي، دون الاستعانة بالصيغ البلاغية، فهنا يتم الإبلاغ سريعاً عبر حركة الشارع وسرعة نبضه المتدفق بالكلام والإشارات والبلاغات الرؤيوية، فهو هنا سيجد المبتغى والحلم واليوتوبيا التي لطالما حلم بها، وعرفها وخبرها عبر دراسته في تلك الأجواء والظلال الموحية له في المراحل الأولى من حياته الأدبية.
بيد أن هذا الحلم الذي توغل فيه ملياً سرعان ما تعرض إلى ضربة قاصمة جاءت من الحاكم الذي ضرب اليسار وهدّ الرؤى الحالمة، ثم خسر معركته التاريخية مع العدو، فانتكست المخيلة بدورها وعادت الرؤى إلى الشحوب والأمل أضحى يتعرض إلى الذبول، ما أدى إلى خسارات روحية راحت تؤلم المُبدع والكاتب أنى كان حجمه ودوره، وسط ذلك المعمعان من الهزائم ومتوالية المتغيرات على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري والثقافي. تحت وقع هذه التحولات التاريخية ذات الطابع الرمادي، شدّ الراحل غالب هلسا الرحال، وإلى أين؟ إلى بغداد هذه المرة، ليمكث صاحب «الضحك» فيها، بغداد التي سوف تضحكه كثيراً، بتصرفاتها وسلوكها المغالي في تكريس النمط الواحدي للتفكير، والشروع في تصعيد شخصية غير متوازنة سياسياً وفكرياً إلى سُدّة الحكم، أنه طاغية جديد وهو نسخة أخرى عن أستاذه وأخيه ومُلجئه في مصر، ولكنّ ميزة هذا العراقي كونه كان أكثر بطشاً ودموية ومحواً للحركات الثورية واليسارية والاشتراكية والكردية والقومية العربية بكل أشكالها وألوانها وتصنيفاتها المرحلية أو آنذاك، باستثناء حزب البعث جناح العراق.
لم يكن «ضحك» غالب هلسا في العراق إلا كالبكاء، على عالم ينهار أمامه، ويلمسه يومياً كيف يتمزق ويتآكل، وكيف يطعن بالهوية اليسارية، وكيف يودع معتنقيها المعتقلات والسجون، وكيف تنتهك حريته وحياته الإنسانية بشكل فاشي متطور ونادر. في مقهى «البرلمان» الكائنة في شارع «الرشيد» تعرّفت إلى غالب هلسا، الكبير، ذلك الطفل الأشيب ذو الوجه المشرق والضحكة الوديعة والخفرة، كان الراحل يجد بين الأدباء الشباب راحته في جلساته اليومية، أكثر مما يقضيها مع الأدباء الأكبر سناً. كان صديقاً واضحاً ومكشوفاً لليساريين، وهم في عز صعودهم ومن ثم نكستهم في نهاية السبعينيات، كان يحضر أمسياتهم ونشاطاتهم الأدبية والفنية وحتى السياسية دون ورع أو ظهور أي هاجس للخوف، كأنه كان واحداً منهم، فهو زائر مستديم للمقهى ودور المسرح والسينما. في المساءات والأمسيات البغدادية كانت بيوت الأدباء اليساريين تفتح له ليُمضي سهرته اليومية التي ستمتد حتى ساعات متأخرة من الليل، وفي النهار يذهب إلى أماكن صحفهم ومجلاتهم ومراكز نشاطاتهم.
هناك في بغداد، سيكتب روايته اللافتة «ثلاثة وجوه لبغداد» كاشفاً عبرها عن حركة شريحة اجتماعية معينة، هي النخب اليسارية كيف تعيش وتحيا وسط تلك المدينة المثقلة بالقلاقل والاحتراب السياسي العلني بين حزبين متصارعين، واحد أممي وآخر قومي. كان الصراع يتخذ وجوهاً عــدة ومتغيرة كوجوه بغداد ذاتها، وكان هو الجزء المراقب والمدوّن لحالات بغداد وتحولات مقاماتها وأحوالها، فكشف في تلك الرواية الكثير مما كان مخفياً لبعض النخب السياسية والثقافية العراقية. كان البوح عالياً، لكشفه وإماطة اللثام عن المسكوت عنه لدى البعض من تلك النخب التي عاشت أجواء تلك الأيام الضارية، سهر وشراب وتولهات عشق وخيانات واعتقالات واحتفالات تعذيب ونهايات مميتة في السجون. وكان شاهداً أيضاً على ظاهرة «أبو طبر» ذلك القاتل الشهير الذي دوخ العاصمة العراقية وأرّقها وأخافها ذات وقت من منتصف السبعينيات التي هزت بحدوثها الدموية كل بيت بغدادي آنذاك، ليكتب بعد ذلك غالب هلسا روايته المعروفة «السؤال» حول طبيعة ذلك المجرم وما قام به من تهاويل دموية للضحايا الذين سقطوا بين يديه في تلك اللحظة المعتمة من تاريخ العراق الحافل بالمآسي دائماً وعلى مدار التاريخ.
حين غادر اليسار العراقي العراق نهاية السبعينيات لأسباب سياسية قسرية، رحل غالب هلسا معهم أيضاً، متضامناً كعادته مع المقهورين والمطرودين والضعفاء أمام بطش السلطات البوليسية، فوصل إلى بيروت، هناك التقيته مجدداً، وتآزرت علاقتي به أكثر، وعندما أقام الحزب القومي الاجتماعي السوري «مهرجان آذار الشعري» عام 1981على قاعة الجامعة العربية في المنطقة الغربية من بيروت، كان هو مَن قام بتقديمنا إلى الجمهور الكبير، وتقديمه لنا، نحن الشعراء العرب المشتركين في المهرجان، كان في غاية الرِّقة والدماثة اللتين اتصف بهما ذلك الكاتب المبدع والروائي الأصيل.
ولعل أيام الحرب ووقوع حصار بيروت ستكشف الوجه الحقيقي لغالب هلسا، المناضل والمنافح عن القضية الفلسطينية بطريقة لا تضاهى، ففي الأيام الأولى للاجتياح انضم غالب إلى طاقم إذاعة الثورة الفلسطينية، التي كنت أعمل فيها آنذاك مشرفاً على القسم الثقافي، كان نشاطه لامعاً ولافتاً، وفيه الكثير من الإقدام والجرأة المخاطرة والمغامرة أيضاً، خصوصاً حين كان يقوم بزيارات ميدانية، لكتابة تقارير عسكرية من جبهات القتال، وقد كان فعله هذا يذكرني بما كان يقوم به الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، حين كان مراسلاً حربياً، لكن مهمة غالب كانت تنم عن حس راديكالي عالٍ، وهو يقوم بتلك المخاطرة اليومية، مخاطرة جريئة وشجاعة ومتحدية، حينها قدمتْ فيها الإذاعة مراسلة شجاعة قدّمتْ حياتها على مذبح الشهادة وهي تقوم بهذا العمل. حين خرجت المقاومة الفلسطينية من لبنان كان غالب هلسا أحد أبرز الخارجين معها، فحط الرحال مرة رابعة في دمشق، فالتقيته هناك، أيضاً في أحد المكاتب الإعلامية الفلسطينية في شارع «الباكستان»، وكنت التقيه بشكل شبه يومي في مقهى «الروضة» في قلب دمشق فبدا لي في تلك اللقاءات الدمشقية أقل تألقاً وأكثر حزناً وهو المولع بالكلام وحس السخرية والتهكم والمفاكهة، بدا لي في تلك اللحظات صامتاً، مُقِلاً في الكلام، ساهماً طوال اليوم في مسار حياته الآتية، التي لم تمهله لنراه أكثر بيننا، ذلك الشخص المُحب والمحبوب من قبل الكثير من الأصدقاء والكتاب والأدباء الذين فقدوا بغيابه منارة ثقافية بارزة وروائياً من الصفاة القلائل ومترجماً متمكناً وكاتباً رصيناً قدم الكثير من الكتب المبدعة، الجميلة والنادرة للمكتبة العربية.