زكي نجيب محمود: فيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة

زكي نجيب محمود: فيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة

د. جابر عصفور
وصف عباس العقاد كاتبنا الراحل زكي نجيب. محمود “1905- 1993” يوما بأنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، فهو مفكر يصوغ فكره أدبا، وأديب يجعل من أدبه فلسفة، والمدهش أن هذا الأمر كان ينطبق على الاثنين معا “الواصف والموصوف".

الواقع أن هذا الوصف يلفت الانتباه إلى المثل الأعلى الذي كان العقاد يتصور عليه الأديب عموما، فهو لم يكن من شعراء الوجدان الذين يؤمنون بأن الشعر تدفق تلقائي للانفعالات، ولا من الأدباء الذين يكتبون كل ما يفيض به وجدانهم، بل هو واحد من الأدباء الذين يفكرون فيما يكتبون، وقبل أن يكتبوه، ولذلك كانت كتاباته الأدبية “فيض العقول” إذا استخدمنا هذه الصفة القديمة التي وصف بها أبو تمام شعره، وكانت قصائده عملا عقلانيا صارما في بنائها الذي يكبح الوجدان ولا يطلق سراحه ليفيض على اللغة بلا ضابط أو إحكام، وكانت صفة الفيلسوف فيه ممتزجة بصفة الشاعر، فهو مبدع يفكر حين ينفعل، ويجعل انفعاله موضوعا لفكره، وهو يشعر بفكره ويجعل من شعره ميدانا للتأمل والتفكير في الحياة والأحياء، ولذلك كانت صفة أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء صفة تنطبق على العقاد قبل انطباقها على زكي نجيب محمود، فالعقاد مفكر يصوغ فكره أدبا، وأديب يجعل من أدبه فلسفة، وأحسب أن العقاد عندما وصف صفيه وتلميذه زكي نجيب محمود بهذه الصفة كان يصدر لا شعوريا عن المبدأ القديم الذي أوجزه الشاعر الرومانسي الإنكليزي الذي كان العقاد يعجب به كل الإعجاب، أعني كولردج في قصيدته الشهيرة “أنشودة الكآبة” حين قال:
نحن لا نأخذ إلا ما نعطيه وفي أعماقنا وحدها تحيا الطبيعة.
والسطر الأول دال في نظرية المعرفة الرومانسية، حيث تخلع الذات العارفة نفسها على الأشياء والكائنات، فتغدو هي إياها، أو تسقط الذات المدركة صفاتها على الموضوع المدرك “بفتح الراء” فتصفه بصفاتها، وهكذا فعل العقاد عندما وصف زكي نجيب محمود بأنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، فوصفه بها فيه، ومنحه من القيمة ما يرى هو ابتداء، أنها القيمة التي تميز أديبا عن أديب في ميزان الخلود، أو تميز فيلسوفا عن غيره في الميزان نفسه، فلا قيمة لأديب يعرى من الفلسفة عند العقاد، ولا قيمة لفيلسوف لا يعرف تلهب الفن وغوامض أسراره. ولكن العقاد ما كان يمكن أن يصف زكي نجيب محمود بهذه الصفة ما لم يكن عند زكي نجيب محمود ما يؤكدها، وذلك ابتداء من الإعجاب الذي يدني بصاحبه إلى الاتحاد بموضوع إعجابه مرورا بالتشابه في طرائق الكتابة، وانتهاء بالمزج بين الفن والفلسفة، في المنطقة التي يغدو بها الفن فلسفة وتغدو الفلسفة فنا، أما إعجاب زكي نجيب محمود بالعقاد فقديم، بدأ بالتأثر بكل ما كتبه فكريا، والإعجاب بكل ما صاغه قلمه إبداعا، والاقتناع المضمن – على الأقل – بما انحاز إليه من أنواع أدبية، وإذا جاوزنا التأثر بالفكر إلى الإعجاب بالإبداع، فالعقاد الشاعر هو النموذج الأسمى للإبداع الشعري عند زكي نجيب محمود، ترجم قصائده إلى الإنجليزية أثناء طلبه العلم في إنجلترا، وقدمه بوصفه نموذج الأدب العربي الحديث إلى قراء الإنكليزية، وكتب عنه أهم دراساته التي كتبها عن الشعر على الإطلاق، والتي تتميز عما عداها من الكتاب الذي جمع فيه كل ما كتبه عن الشعراء، بعنوان “مع الشعراء” وأصدره وهو في الثالثة والسبعين من عمره “عام 1978”.
وشعر العقاد عند زكي نجيب محمود هو الشعر بألف لام التعريف، هو الشعر في إحكام البناء، والاعتماد على العلة الصورية التي تتميز بها المنجزات في الهوية والقيمة، وهو الشعر في الوصل بين الشاعر والفيلسوف، خصوصا حين يتفلسف الشاعر أو يشعر الفيلسوف، وهو الشعر حين يجاوز الشاعر ظواهر الأشياء ليدرك ما وراءها فيكشف بصره عن موضوع بصيرته التي تنتقل من المحدود إلى المطلق. ويستهل زكي نجيب وصفه لشعر العقاد بقوله: إن شعر العقاد هو البصر الموحي إلى البصيرة، والحسد المحرك لقوة الخيال، والمحدود الذي ينتهي إلى اللا محدود، هذا هو شعر العقاد وهو الشعر العظيم كائنا من كان كاتبه.
من حيث الشكل، شعر العقاد أقرب شيء إلى فن العمارة والنحت، فالقصيدة الكبرى من قصائده أقرب إلى هرم الجيزة أو معبدالكرنك منها إلى الزهرة أو جدول الماء، وتلك صفة الفن المصري الخالدة، فلو عرفت أن مصر قد تميزت في عالم الفن طوال عصور التاريخ بالنحت والعمارة عرفت أن في شعر العقاد الصلب القوي المتين جانبا يتصل اتصالا مباشرا بجذور الفن الأصيل في مصر، ومن أراد أن يقرأ شعر العقاد وهو ملقى على ظهره في استرخاء اللاهي، فليس شعر العقاد شعره، أما من يدخل إلى الشعر دخوله معبدا رفيع العمد متين الجدران، كل شيء فيه يدعو إلى التمهل والتأني، فديوان العقاد ديوانه. ومن حيث المضمون، شعر العقاد يبين عن شخصية صاحبه الفكرية، فهو يجلي من صاحبه الرجل قوي البناء، متين الأخلاق، ماضي العزيمة، الذي ينهض وسط الشدائد كالطود الأشم تكتنفه في دنيا الفكر مشكلات فينفذ فيها بشعاع العقل حتى يهدي ويهتدي، أما عندما يتجاوب الشكل والمضمون، فإن شعر العقاد ينكشف عن خاصية أخرى، وهي أنه أدخل في باب “الجليل” منه في باب “الجميل”. الجميل من شأنه أن يهز النفس بعاطفة الحب لا الإعجاب، وعاطفة الإعجاب مركب يأتلف من عناصر أولية منها: الهول والروعة والرهبة والقداسة، وشعر العقاد جليل لأن فيه شموخ الجبال وصلابة الصوان وعمق المحيط، وفيه من الحب جناح العزة لا جناح الذلة، وفيه من الإرادة عزمها لا تراخيها وضعفها، وفيه من الخيال جده لا لعبه، فلا عجب أن يمس ديوانه العابثون فيتركوه قائلين: هذا فلسفة وليس شعرا
تلك كلمات زكي نجيب محمود في شاعرية العقاد، وهي كلمات أتبعها صاحبها بدراسته الفريدة عن قصيدة العقيدة “ترجمة شيطان” التي كانت سابقة على قصيدة “الأرض الخراب” للشاعر الإنجليزي – الأمريكي ت. س. إليوت في تصويرها التمرد بعد الحرب، وفي وصولها إلى أعماق روح العصر وذراه الفكرية، فيما يراه زكي نجيب محمود.
وليس من الضروري أن نوافق على ما وصف به زكي نجيب محمود شعر العقاد أو لا نوافقه، فالأكثر أهمية أن نلاحظ أن إعجاب الرجل بصاحبه إنما هو صورة معكوسة من إعجاب صاحبه به، في المنطقة التي يمكن أن يوصف بها العقاد بأنه شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء بالقدر الذي وصف به العقاد زكي نجيب محمود بأنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة. وليس من المصادفة والأمر كذلك أن تجد في اللغة التي يصف بها زكي نجيب محمود شاعرية العقاد ما يذكرنا بلغة العقاد نفسها، وأهم من ذلك أن تمييزه بين “الجليل” و”الجميل” وانحيازه إلى “الجليل” دون “الجميل” إنما هو تمييز وانحياز عقادي، يرجع إلى كتابات العقاد الأولى التي استهل بها فلسفته الجمالية المعروفة.
أفكار عن الشعر
هذا الاتحاد الوجداني الذي وقع بين الناقد “زكي نجيب محمود” والمنقود “عباس العقاد” هو الذي صاغ أفكار زكي نجيب محمود عن الشعر، وجعل منها امتدادا لأفكار صاحبه، يرفض العقاد شعر البارودي لأنه يعتمد على محفوظه أكثر من اعتماده على التجربة المباشرة، ويصف زكي نجيب محمود البارودي بالصفات نفسها، فيما كتبه بعنوان “رأي في شعر البارودي”، ويكشف العقاد عن نزعة أخلاقية، تتسرب في كتاباته، ويتوقف زكي نجيب محمود عند “طبيعة الشعر وصلتها بالأخلاق”، ويعجب العقاد بالمضمون الرومانسي الذي ينبني في معمار كلاسيكي يكبح جماحه فيضيف إلى صفة الجمال الجلال، ويشيد زكي نجيب محمود بهذا المضمون نفسه في كل ما كتبه عن أمين الريحاني وفلسفته الإنسانية، وعن الشعراء الشبان في الجيل الماضي “الشابي، الهمشري، التيجاني”، وينفر العقاد من حركة الشعر الحر التي مثلتها قصائد صلاح عبدالصبور وحجازي والسياب وأدونيس، ويتخذ موقفه المعروف حين كان مقررا للجنة الشعر في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، فيرفض كل إنتاج الشعراء الجدد، ويحيله إلى لجنة النثر للاختصاص، وكذلك يفعل زكي نجيب محمود في حدة أقل وسماحة أكثر، ولكن دون مغايرة في جذر الموقف، في التحليل النهائي الذي يصله بصاحبه العقاد وصل الزمالة في لجنة الشعر هذه، ويصله بصاحبه وصل المطابقة في الفكر الذي انطوى عليه الموقف من هذا الشعر.
هكذا كتب زكي نجيب محمود مقالاته عن “التجديد في الشعر الحديث”، وتساءل ساخراً عن “التجديد في الشعر الجديد”؟! وعلق على الديوان الأول لصلاح عبدالصبور بمقاله “ما هكذا الناس في بلادي” وسخر من الطاقة الشعرية التي بددها حجازي بعدم احترامه للشكل في ديوانه الأول “مدينة بلا قلب”، وتشكك في قدرة ديوان أدونيس “أغاني مهيار الدمشقي” على البقاء في مقاله “موقف شاعر”، وتعاطف مع استخدام السياب للرمز والأسطورة في ديوانه “أنشودة المطر” ولكنه ضم شعره إلى بقية الشعر الحر الذي “فقد الشكل الذي يغري بحفظه” فليس هذا الشعر في النهاية من قبيل التحفة المحكمة الدقيقة، بل أقرب إلى “حفنة من الرمال سائبة”ء
قل هذه نظرة عقادية، ولكنها نظرة فهمت “الجليل” على أنه إحكام الصنعة بالشكل، أو الصورة المتقنة التي تحفظ الوزن والقافية، وتستمد قيمتها من قدرتها على تطويع المادة الصلبة، وممارسة الحرية بها لا ينقض النظام، وتلك عقادية أخرى، ولكنها العقادية التي تكتسي ثوب الوضعية المنطقية، والتي تلوذ بمفاهيم حديثة عن “الصورة في الفلسفة والفن”، حيث تغدو القيمة الجمالية قرينة “الصورة” أو “طريقة التركيب” وليس نوع المادة، وحيث تغدو “الصورة” في الشعر (أو “الشكل”) قرينة الحفاظ على انضباط الوزن والإيقاع، وحيث يغدو هذا الانضباط، بدوره لازمة من لوازم “الفورم” الذي هو مصدر الفاعلية والحركة والنشاط في الأشياء والإبداعات والانحياز إليه..
هذه العقادية لا تتوقف عند التشابه الذي يدني بالطرفين إلى حال من الاتحاد في النظر إلى الشعر، حيث لا فارق كبيرا بين أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء من ناحية، وشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء من ناحية ثانية، فالأمر يتجاوز ذلك إلى علاقة الشعر بغيره من الأنواع الأدبية، حيث تتجلى عقادية زكي نجيب محمود في الانحياز إلى الشعر على حساب غيره من أنواع الأدب، وآية ذلك أنه أنفق “مع الشعراء” ما استوعبته مقالات كتابه الشهير، ولم يفعل ذلك قط “مع القصاصين”، مرة واحدة، تحدث عن “أبعاد القصة” في كتابه “فلسفة وفن” “1963”. وأغلب الظن أنه لم يكررها فيما بعد كما لو كان قد وافق ضمنا على رأي العقاد الذي وصف “الرواية” أو “القصة”، عموما، بأنها أشبه بالخروب “قنطار خشب ودرهم حلاوة”، وذلك على النقيض من الشعر الذي هو إبداع اللغة في أصفى حالاتها وأكثرها كثافة. ولا يتحرج زكي نجيب محمود تلميذ الوضعية المنطقية ونصير الحداثة الأوربية، في أن يكشف عن نزوع تراثي في هذا المقام، فالشعر هو ديوان العرب، وكل نوع أدبي يمكن التسامح فيه ما عدا الشعر، ذلك لأننا أمة تتابعت في تاريخها منذ زمن بعيد عصور الشعر عصرا في أثر عصر، ولكل عصر منها خصائصه، إلا أن ديوان الشعر العربي يجمعها جميعا بين دفتيه، وديوان الشعر له شكله الأرقى بالقياس إلى غيره من الأنواع الأدبية، وشكله الأكثر ثباتا الذي لا ينبغي الاجتراء عليه تجديدا أو تجريبا أو حتى حداثة. بعبارة أخرى، الشعر هو ما كتبه ابن سينا في العينية، والغزالي في التائية، والعقاد في دواوينه، خصوصا ترجمة شيطان، ولا يفارق الخصائص المتوارثة عند الرومانسيين. أما ما عدا ذلك فانكسار للشكل وخروج على الصورة التي هبطت في قصائد العقاد من المحل الأرفع للشعر.
هل حاول زكي نجيب محمود كتابة الشعر؟ أغلب الظن أنه فعل. ولكنه لم يظهر ما كتبه. وآثر أن ينافس أستاذه في مجال آخر يمكن أن يتفوق فيه “لو نظرنا إلى الأمر من منظور التضاد العاطفي”. وذلك هو مجال المقال الأدبي من ناحية والسيرة الذاتية من ناحية ثانية. أما المقال الأدبي ففي كتاب “جنة العبيط ” “1951” ما يكشف عن طموح صاحبه ذلك، وحرصه على أن يترك بصمته في هذا المجال، خصوصا في المنطقة التي يمكن أن يثبت بها المقال أن صاحبه أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء على السواء. ولم تتوقف كتابة هذا النوع من المقال، ظلت مستمرة في الكثير من الأعمال اللاحقة: “أيام في أمريكا” “1955” “قشور ولباب” “1957” “قصاصات الزجاج” “1974”.. وغير ذلك.

السيرة الفكرية
أما السيرة الذاتية، فمن اللافت للانتباه أن زكي نجيب محمود لم يكتبها بطريقة طه حسين في “الأيام” مثلا، ولكنه كتبها بطريقة العقاد في كتب من مثل “أنا” واقرأ الثلاثية المترابطة “قصة نفس” “1965” و”قصة عقل” “1983” و”حصاد السنين” “1992” التي كتبت عبر سبع وعشرين سنة على وجه التحديد، تجد أن الذات التي تتحدث هي ذات يثقلها وعيها بنفسها، ويدفعها إدراكها لدورها إلى تحويله لموضوع للدرس، وبقدر ما تحرص هذه الذات على تخفيف التوازن بين الصياغة الأدبية والتوثيق التاريخي في بناء “الشكل الخاص” بالسيرة، وهو توازن يؤثر “الجليل” على “الجميل” في المنظور والاختيار، والإخبار على الإنشاء، فإن هذه الذات تنقسم على نفسها الانقسام الذي يتميز به الفكر الذي يستطيع أن يجعل من نفسه موضوعا لتأمله، فتتحول “الأنا” الساردة إلى موضوع للرد في الثلاثية التي أشرت إليها، ولكن تتسرب من السرد الجوانب العاطفية الشخصية، كما لو كانت جوانب تضعف معمارية الهيكل الجهم في جديته، أو تعكر على رصانته. وتتحول الذات الموضوع إلى موضوع منفصل، لا ينفيه إلى مجال الفكر إلا أن سرده لا يفارق الشعور الأدبي لهذه الذات، وهو شعور يحرص على التقاط المغزى الأخلاقي من الوقائع (وكل “قصة” لها مغزى يمكن تلخيصه في “حصاد السنين”) وتصعيد النموذج السلوكي الذي تنطوي عليه “قصة نفس” أو “قصة عقل” إلى الدرجة التي يمكن أن نصفها فيه بأنها “سيرة فكرية” كتبها فيلسوف يتأدب في صياغة تأمله، وأديب يهرب من ذاتيته إلى تفلسفه، لكنه في الحالين موصول بأستاذه الذي وصفه بأنه “فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة”.
تولد الشكل من وضوح الأفكار
وإذا شئنا أن نبحث لهذا النوع من “السيرة الفكرية” عن مبدأ جمالي يمكن أن يحدد طبيعة “فورم” الكتابة أو شكلها بالقياس إلى الفيلسوف، حيث يتميز أديب الفلاسفة عن غيره، قلنا مع زكي نجيب محمود إن “وضوح الأفكار” وتحديدها هو البداية التي يتولد عنها “الشكل”، وإن هذا الشكل ينبني بمبدأ لغوي يرد سر البلاغة إلى “الوصل والفصل” ومعناه أن الصنعة الأدبية للفيلسوف – كالصنعة الأدبية للأديب – ترجع إلى ما يحسنه من وصل وفصل بين أجزاء الكلام، بحيث تجيء عبارته موصولة منسابة في يسر، كأنها مسلسل من ينبوع دافق لا يتعثر فيها القارئ عند الفواصل، لكنها – مع ذلك الانسياب المتصل – لا يفوتها أن تقف وقفات مفاجئة، بطريقة من طرق الفصل بين سابق ولاحق، وذلك عندما يراد للقارئ أن ينتبه لحقيقة أو فكرة مهمة يوردها الكاتب في سياق حديثه، لأنه إذا امتد الأمر بالقارئ في انسياب موصول منغوم، فقد تأخذه سنة من خدر.وعندئذ، يصبح في حاجة إلى “فصلة” تشق عليه الطريق المطرد، فتوقظه، وهكذا يظل القارئ بين انزلاق يسهل فوق سطح أملس، من كلام محبوك الوصلات بين أجزائه، في حال الوصل، ووقفات تقطع الرتابة، عند مواضع ينفصل فيها سابق عن لاحق، في حال الفصل. ولقد شرح زكي نجيب محمود هذا المبدأ البلاغي الملازم لأدبية الكتابة، في سيرته الأخيرة “حصاد السنين”، كأنه يتحدث عن سر بلاغته هو، في كتابته التي استحق معها أن يصفه أستاذه بأنه “أديب الفلاسفة”. ولكن هذا الشرح نفسه يمكن أن ننظر إليه من زاويتين أخريين تكملان دلالته في منطقة “فيلسوف الأدباء”، أعني أن هذا الشرح يتحول، في التحليل الفلسفي للوضعية المنطقية، إلى نوع من اللغة الشارحة التي تنقسم بها اللغة على نفسها، فتغدو موضوعا وذاتا للخطاب في آن. بعبارة أخرى، يمارس زكي نجيب محمود أدبية الكتابة الفلسفية، فيغدو أديبا للفلاسفة. ولكنه يجاوز هذا الأمر ليصل إلى اللغة التي تصف نفسها بنفسها أو تتحدث عن موضوعها الذي هو إياها، فتبين عنه في الوقت الذي تكشف عن أسرار إبانتها له، وتصفه في الوقت الذي تبين عن كيفية وصفها له في حالي الوصل والفصل، هكذا يمكن التمييز بين لغة الموضوع  واللغة الشارحة لهذا الموضوع، وهو تمييز يرجع إلى المنطق الرمزي، وإلى ما ذهب إليه رودلف كارناب.
من أننا نحتاج إلى اللغة الشارحة لكي نتحدث عن لغة أي موضوع.
إن أفقاً جديداً من المعرفة ينفتح أمام عقولنا عندما ندرك قدرة اللغة على أن تصف نفسها بالقدر- أو في الوقت – الذي تصف فيه نفسها. وإذا كان الفكر البشري قد بدأ تقدمه حين وعى نفسه، وأصبح قادرا على أن يحيل نفسه إلى ذات متأملة وموضوع للتأمل، أو تأمل للفكر وموضوع له: فإن أسرار “الأدبية” تتكشف في بعد جديد عندما تنعكس لغة الموضوع على نفسها، فتشرح نفسها في علاقتها بالموضوع في فعل من أفعال التحليل المزدوج.. وإذ ينفتح هذا المجال على فلسفة الفن والنقد معا، ويكشف عن الإسهام الوضعي لزكي نجيب محمود، في فنون النقد التطبيقي والنظري ونقد النقد وفلسفة الجمال، فإنه ينفتح من منظور يوازي بين الموضوع من حيث هو لغة واللغة الشارحة لهذه اللغة. وذلك على نحو يتبادل فيه “الفيلسوف” و “الأديب” صفتي الفاعلية والمفعولية، أو صفتي الذات والموضوع، فيغدو كل واحد منهما موضوعا لتحليل الآخر وفاعلا له.

تحليل الذات والتحليل الموازي
من هذا المنظور، يجتلي زكي نجيب محمود لغته في سيرته الفكرية الذاتية كما تجتلي الذات نفسها في المرآة، ويحلل نفسه في الوقت الذي يجعل من تحليله موضوعا لتحليل مواز، ويجاور بين آرائه في فلسفة النقد وما يقرأه في كتابته هو، ويصف لغة موضوعه بلغته الشارحة، فيحدثنا عن الوصل والفصل، من حيث هو سر من أسرار البلاغة في علاقته بوضوح الفكر، ولكنه لا يكشف عن سر كتابته وحدها حين يفعل ذلك، بل يكشف – فضلا عن ذلك – عن المبادئ الجمالية التي أفادها من فلاسفة غير بعيدين عن الوضعية المنطقية بوجه أو بآخر، ومنهم الناقد الإنجليزي الشهير ريتشاردز الذي يرد المبدأ الجمالي للإيقاع إلى المراوحة المستمرة بين إشباع التوقع النغمي وإحباطه، مؤكدا بذلك ما ذهب إليه جون ديوي
في كتابه “الفن خبرة” حين رد الخاصية الجمالية للموسيقى إلى التوتر المتصل بين تناغم الأصوات وتنافر الأصوات.
ويمزج زكي نجيب محمود ذلك كله بتراث المبدأ الفلسفي القديم للوحدة التي لا بد أن تقوم على التنوع، وهو مزج يعطي أولوية خاصة للفلاسفة الأقرب إلى الوضعية المنطقية في الاهتمام باللغة وطرائق تحليلها، ولكن هذا المزج نفسه يبتعث من التقاليد الفلسفية ما يؤكد علاقة الوصل بين زكي نجيب محمود وأستاذه العقاد، خصوصا حين يكشف التلميذ عن فهمه للوحدة بما يجعله أقرب إلى المنطق الصوري “الأرسطي” الذي لا يفارقه أستاذه، ويتجلى ذلك – على سبيل المثال – حين يتحدث زكي نجيب محمود عن الوحدة الشكلية في “المقالة” التي لا تفارق حالين: تتابع الأجزاء رأسيا بما يشبه درجات السلم الذي يرقى بالصاعد من أرض المبنى إلى سقفه، حيث تفضي كل درجة إلى ما بعدها، إفضاء السبب إلى النتيجة. وتتابع الأجزاء أفقيا بما يشبه حركة الدائرة التي تتلاقى جميع خطوطها عند موضع واحد، هو المركز، أو النقطة التي يريد الكاتب توصيلها إلى القارئ. وصفة “الوحدة” الشكلية الناجمة عن هذين الحالين تسمية أخرى للعلة الصورية “الأرسطية” التي تتميز بها الأشياء حيث يفترق أدب عن أدب، ومصنوع عن مصنوع، بالشكل “أو الفورم” أو خلطة الترابط التي تصل الأجزاء بنسب من قانون العلية الذي يرد النتائج إلى مقدماتها منطقيا
هل أقول إن هذا الفهم الصوري الشكلي الأرسطي للوحدة هو المسئول عن نفور زكي نجيب محمود من الشعر الحر، حيث لا توجد البنية المنطقية للشكل بهذا المنحى الأرسطي، حيث الاندفاعة الوجدانية أقوى من الفورم الصوري المتوارث للنوع؟ إن الأمر يبدو كذلك بالفعل، فهذا الفهم قرين الوضوح، الساطع، القاطع، لمعمار المعبد والأهرام، حيث لا التواء ولا غموض، وحيث الخطوط المستقيمة القاطعة التي تناقض – في ثباتها واطراد نظامها ما بين الوصل والفصل – التدفق المتفجر، اللامنتظم لبراكين الشعور واللا شعور.
هذا الفهم نفسه كان العلة الفاعلة وراء هجوم العقاد على شوقي في مطالع العشرينيات من هذا القرن، حين وصف شعر شوقي بالتفكك والإحالة والولوع بالأعراض دون الجواهر، وكان ذلك منه تطبيقا لوحدة منطقية أرسطية، ولنزوع كلاسيكي يؤثر الجواهر على الأعراض، إذا استخدمنا لغة العقاد، أو يؤثر اللباب على القشور، إذا استخدمنا لغة زكي نجيب محمود التي سطعت في عنوان كتابه “قشور ولباب” (1957) الذي بدأ بالترجمة عن شاعر أثير عند العقاد في قضية وصلت الجميع، في الاهتمام بالألفاظ فكراً وإبداعاً.
مجلة العربي 2004