أشهر 4 معارك لـ«فيلسوف العلمانية» فؤاد زكريا

أشهر 4 معارك لـ«فيلسوف العلمانية» فؤاد زكريا

رضا غنيم
تصدى لآراء «الشعراوي».. كشف سطحية مصطفى محمود.. دافع عن دور العلم في نصر «أكتوبر» ضد شيخ الأزهر.. وأثبت نفاق «هيكل» في «كم عمر الغضب»

كان من المفكرين القلائل الذين احترموا عقل القارئ، ومن القلائل الذين كتبوا في شتى المجالات، ترجم وعرض أعمال كبار الفلاسفة أمثال «نيتشه» و«اسبينوزا»، كتب عن غياب التفكير العقلاني والمنطق وحضور الخرافة، وألف كتبًا في الموسيقى، والعلوم الإنسانية.

فؤاد زكريا.. مفكر امتلك شجاعة نادرة، ولم يخش أحدًا، فاصطدم بالجميع من اليسار إلى اليمين، انتقد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وخاض معركة كبيرة ضد الناصريين، هاجم أنور السادات وانتقد سياساته، ووقف ضد القوميين العرب أثناء احتلال العراق للكويت، وشن حربًا ضارية ضد الإسلاميين في الوقت الذي سيطروا فيه على الأوساط الثقافية، ودخلوا البرلمان، وأصبح لهم مكان في عالم الاقتصاد والمال، ورفع شعار «العلمانية هي الحل» في مواجهة شعار «الإسلام هو الحل»
ولد فؤاد زكريا في 25 ديسمبر عام 1927، وعاش حياته في حرب شرسة ضد «الجهل والخرافة»، ومات مرتين، في الأولى مات «مقتولًا» لتجاهل الدولة والإعلام له، والثانية مات «موتة ربنا» في 11 مارس 2010.
في ذكرى ميلاده نرصد أشهر 4 معارك فكرية خاضها فؤاد زكريا:

1 - شيخ الأزهر عبدالحليم محمود

عقب انتصار الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973، قال شيخ الأزهر آنذاك عبد الحليم محمود، إن السبب في النصر «محاربة الملائكة مع الجنود ضد إسرائيل»، ما دفع فؤاد زكريا للرد عليه في مقال بصحيفة «الأهرام» بعنوان «معركتنا والتفكير اللاعقلي»، قال فيه إن الوقفة الصامدة التي وقفها الإنسان المصري بسيناء في أول مواجهة حقيقية له مع العدو كانت ثمرة العلم والإيمان، العلم يتمثل في الإعداد الصامت الدؤوب ليوم المعركة، والتدريبات الشاقة العميقة، والقدرة الفائقة على استخدام أحدث الأسلحة، وذلك التخطيط الذي أصبح من ذلك الحين موضوعا للدراسة في المعاهد العسكرية والستراتيجية.
وأما الإيمان فكان يتمثل في تلك الرغبة الجارفة التي ازدادت في كل يوم إلحاحا طوال ست سنوات في تحرير قطعة عزيزة من أرض الوطن، وفى تبديد خرافة «الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، والجيوش العربية التي تفر من أول طلقة»، وفي مسح عار 1967، والأهم من ذلك كله الإيمان بأن هناك قضية عادلة تستحق أن يضحى المرء بحياته من أجلها، وهؤلاء جميعا كانوا «جنود الخفاء» الذين وقفوا يحاربون معنا.
واختتم «زكريا» مقاله قائلًا: «أعتقد أن تمسكنا بالارتكاز على أرض العقل الراسخة يعطينا سلاحا هائلا في معركتنا، على حين أن عودتنا إلى ضباب اللامعقول وإلى التعليلات الخرافية والأسطورية يجعلنا نقف معنويا على نفس الأرض الهشة التي يقف عليها أعداؤنا. وما دام هدفنا العام الطويل الأجل متمشيا مع العقل فمن الواجب أن تكون تصرفاتنا الجزئية القصيرة الأجل منسجمة مع هذا الهدف العام.

2 - الشعراوي

من أهم المعارك التي سبح فيها فؤاد زكريا ضد التيار كانت معركته مع الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي، فالرجل كان له مريدون بالملايين ليس في مصر فقط، بل الوطن العربي، وكانوا يتعاملون مع أحاديثه على أنها «نصوص مقدسة»، ويُطلقون سهام التكفير على كل من يقترب منه.
فؤاد زكريا لم يخش أحدًا، ولم يدع ما يقوله «الشعراوي» يمر مرور الكرام، والتقط بعض الآراء التي أعلنها في أحاديثه التليفزيونية وفنّدها، والبداية كانت عندما عرض رأيه في المرأة وعلاقتها بالزي الذي ترتديه، فقال:
- المرأة يجب أن تكون مستورة حتى لا يشك الرجل في بنوة أبنائه منها.
اتهم «زكريا» الشعراوي بـ«احتقار الطبيعة البشرية»، لأن نظرة «الشيخ» لا ترى المرأة إلا موضوعًا لـ«شهوة الرجل»، وأنها مصدر دائم للشر والغواية، ولن يستقيم أمرها إلا إذا حجبت عن أعين الناس، وهكذا تم اختزالها في عنصر واحد وهو الجسد والجنس، وتم نسيان المرأة العاملة، والمشتغلة بالعلم.
وفي مقال لـ«الشعراوي» بتاريخ 12 يونيو 1984 تحت عنوان «الإسلام يتحدى الشيوعية والرأسمالية معًا»، حيث كان الصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، تحدث عن الفرق بين عداء المسلمين في عهد الرسول للفرس، وعدائهم للروم، وقال إن الفرس كانوا في ذلك الحين «ملحدين»، والروم كانوا مؤمنين، وإن كانت عقيدتهم نصرانية، ومن هنا كان الروم «أقرب إلى قلب الرسول» فلما نشبت المعركة بين الروم والفرس وتمت هزيمة الروم على يد الفرس حزن الرسول وحزن المؤمنون، والسبب أن العداء بين الإسلام وأهل الإلحاد هو عداء في القمة، ولكن الخلاف ما بين الإسلام والديانتين خلاف في تصور الإله فقط.
وكان «الشعراوي» يهدف من ذلك الحديث عن موقفنا من علاقتنا بالمعسكرين الشيوعي «الاتحاد السوفيتي» والرأسمالي «أمريكا»، وتأكيده في نهاية المقال على ضرورة الوقوف ضد الشيوعيين لأنهم «ملحدين»، ومساندة الرأسماليين لأنهم مؤمنون بالله، وخصومتنا لهم ينبغي أن تكون أخف، كما يجب أن ندعو لهم بالنصر على المعسكر الآخر.
يقول «زكريا» في تعليقه: «هكذا يحدد الشيخ الجليل علاقتنا بالدول الكبرى على أساس العقيدة الدينية أما السياسات التي يمارسها بالفعل هذا النظام الدولي أو ذاك، فمن الواضح أنها لا تهم الشيخ في شيء، وهكذا فإن زعيمة المعسكر الرأسمالي التي تزود إسرائيل بالأسلحة التي تقتل بها أبناءنا وتحرق بيوتنا وتستولى على أراضينا، ينبغي أن تظل أقرب إلى قلوبنا من السوفيت، الذين يؤيدوننا في جميع المنظمات الدولية، وما زالوا يقطعون علاقتهم بأعدائنا، ويقفون لهم بالمرصاد، ويقدمون لنا من الأسلحة ما أتاح لنا أن نشن ضد إسرائيل أكثر حروبنا نجاحا في (أكتوبر).

3 - مصطفى محمود
ظل كتاب «الماركسية والإسلام» الذي شن فيه الدكتور مصطفى محمود هجومًا حادًا على الماركسية يحتل المكانة الأولى بين الكتب الأوسع انتشارًا، وهللت له الصحف وتلقفت ظهوره بالترحيب، وزينت صفحاتها بمقتطفات منه، لكن فؤاد زكريا باعتباره أحد أبرز المفكرين اليساريين تصدى له، وخصص له فصلا كاملًا بعنوان «مصطفى محمود والماركسية» في كتابه «الصحوة الإسلامية في ميزان العقل»
قسم «زكريا» نقده لـ«مصطفى محمود» إلى قسمين، الأول أظهر فيه تناقض «الإسلامي» في معالجته للعلاقة بين «الماركسية والإسلام»، والثاني كشف فيه سوء فهمه لـ"الماركسية".
حاول مصطفى محمود في كتابه، إثبات أن المبادئ التي يدعو لها الماركسيون موجودة في الإسلام، يقول في كتابه: «لو نظرنا إلى الإسلام لوجدنا فيه نبعا من الأفكار والحقائق تسبق النظامين تقدما ومعاصرة، وكل ما في الاشتراكية العلمية هو أمر قديم قدم ثلاثة عشر قرنا في الإسلام، فقد جاء الإسلام مقررا مبدأ المساواة في الفرص، وتحقيق التوازن بين حرية الفرد في الربح وحقوق المجتمع، ومبدأ الملكية الخاصة والملكية العامة، ومبدأ تدخل الدولة في الاقتصاد، وهو ما نسميه اليوم بالاقتصاد الموجه، ومبدأ مصادرة أموال المستغلين لصالح الفقراء والمظلومين»، وأوضح أن الإسلام لا يسمح بالطبقية، ويرفض التفاوت الفاحش في الثروات.
في هذه الجزئية أظهر فؤاد زكريا تناقض مصطفى محمود، فالكلام الذي نطق به الأخير يجعل من حملته على الماركسية أمرا لا معنى له، بل أمرا متناقضا مع إيمانه الديني، وكان يكفيه فقط القول إن الماركسية ليست مذهبا جديدا، وإنما سبقها الإسلام في كثير من مبادئها، كما أن المذهب الذي يتضمن كثيرا من المبادئ الدينية السامية لا يصح أن يهاجم، بل من الواجب أن يشفع للماركسية وجود هذه المبادئ فيها، والذي أثبت أن القضايا الرئيسية في الماركسية سبق أن دعا إليها الإسلام، كاف لأن يبعث في نفسه احتراما لها.
الجزء الثاني كشف فيه «فيلسوف العلمانية» سوء فهم الرجل الذي عاد من الشك إلى اليقين، للماركسية، حيث اكتفى الأخير-في نظر كاتبنا- بترديد مجموعة من «الكليشيهات» المحفوظة التي لا تليق بأي باحث يريد أن يتعمق في الموضوع.
قال فؤاد زكريا، إن مصطفى محمود في كل صفحة من صفحات الكتاب كان يخلط بين لفظ «المادية» الذي يطلقه «ماركس وإنجلز» على مذهبهما في الفلسفة والمجتمع والتاريخ، وبين السعي إلى الماديات والحرص على إشباع البطن والغرائز، وهذا النقد أبعد ما يكون عن روح الماركسية، لأن الماركسية لم تظهر أصلا إلا لكي تحارب السعي وراء الكسب والمال، مستشهدا بآراء ماركس في الرأسمالية، وتحليله لفكرة "التشيؤ".

4- هيكـل

أصدر الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل كتاب «خريف الغضب»، الذي هاجم فيه بضراوة الرئيس الراحل أنور السادات، ولاقى قبولا في الوسط الثقافي، حيث وقف اليسار ضد سياسة الانفتاح، واتفاقية «كامب ديفيد»، كما اعتبره الناصريون دفاعًا عن العهد الناصري، لكن فؤاد زكريا رد على «هيكل» بمجموعة مقالات نشرها في صحيفة «الوطن» الكويتية، جمعها فيما بعد في كتاب «كم عمر الغضب.. هيكل وأزمة العقل العربي»، حاول فيه إظهار ما أراد «الأستاذ» إخفاءه.
"زكريا" انتقد بموضوعية، واستخدم كعادته أدوات العقل، ورأى أن نظام السادات كان امتدادًا لـ«النظام الناصري»، رغم أن الأول «رأسمالي»، والثاني «اشتراكي»، كما اعتبر أن «هيكل» واحد من المنظومة الساداتية، وكذلك كان مشاركا رئيسيًا في نظام «ناصر»، وطالب «هيكل» بأن يعترف بهذه المشاركة، ولا يبررها.
وتحت عنوان «مبادئ الفلسفة الهيكلية»، قال «زكريا» إن «هيكل» اعتمد على ثلاثة مبادئ، الأول «في البدء كان النسيان»، وهو مبدأ راهن به «الأستاذ» على غباء الجماهير وضعف ذاكرتها، ونسى أنها تملك أرشيفا ضخما يوثقون فيه مواقفه، والثاني «ديمقراطية أنا وحدي» التي يرفض فيها الرقابة على مقالاته في الوقت الذي يؤيد أو على الأقل لا يهتم بالرقابة على مقالات زملائه من الصحفيين، والثالث «الوطنية والكفاح بأثر رجعى»، وهو أسهل أنواع الكفاح، وقليل التكلفة، وفي حالة «هيكل» لم يقتصر الأمر على الكفاح بأثر رجعي ضد سياسات كان متفرجًا أثناء حدوثها، بل كان شريكا في صنعها، مستشهدًا في تلك النقطة بمشاركته في تهيئة الأذهان لطرد الخبراء السوفيت، والتشكيك في قيمة أسلحتهم، ثم عودته لهجومه على «السادات» بسبب تعاونه مع أمريكا.
فؤاد زكريا اعتبر أن معركته مع «هيكل» هي الأهم في مشواره، وقال إن «الأستاذ» رفض مناظرته حينما كان في زيارة للكويت، بعد دعوته من قبل أحد معدي البرامج بالتلفزيون الكويتي.

عن صحيفة المصري اليوم