حكايات العجائب و أخبار الغرائب    سياحة في عالم الخداع والغرائب والأسرار البائدة

حكايات العجائب و أخبار الغرائب سياحة في عالم الخداع والغرائب والأسرار البائدة

ترجمة / عادل العامل
يتضمن كتاب (حكايات العجائب و أخبار الغرائب Tales of the Marvellous and News of the Strange) 18 قصة من العالم العربي، نشأت في القرن العاشر، ووصلت إلينا في مخطوطة واحدة في مكتبة بإستنبول. وبالرغم من أن هناك مجلداً ألمانياً ظهر عام 1933، فإن نسخة دار بنجوين هذه هي النسخة الانكليزية الأولى من هذه الحكايات، بترجمة مريحة لمالكولم س.

ليونز ومع تقديم حساس لسياقها الأدبي والثقافي لروبرت إروين، المتخصص في الأدب العربي، كما جاء في عرض أليزابث لوري للكتاب.
وكانت ست من هذه القصص قد نُشرت في كتاب (الليالي العربية Arabian Nights)، لكن البقية جديدة علينا. وهذه القصص، المؤلفة لتُفتن وتدغدغ العواطف، ليست حكايات فوكلورية و لا حكايات أخلاق وإنما هي أمثلة مبكرة وممتعة للقصة ذات الموضوعات المثيرة، وينبغي تصنيفها بحقٍ كأدب، كما يرى إروين. وهي بلا شك عجيبة، وغريبة جداً، جداً. ويمكن القول إنها، بما تتحدث عنه من وحوش غريبة، وجن، و أمراء عاجزين، وأميرات متقلبات الأطوار، ووزراء ماكرين، وكنوز مخبَّأة، وعثرات حظ دراماتيكية، توفر للقارئ نظرة سريعة إلى عالم تشكلت غرابته ببساطة على مرّ القرون.
وتنوع الحكايات، وهي مزيج من الكوميديا، و الفنتازيا، و العمل الجريء، أمر يُفتن المرء فوراً، كما هي الحال مع اندفاعها السردي الشديد التحدّر. وخلافاً لقصص (الليالي العربية)، حيث يكون حديث شهرزاد حفاظاً على حياتها هو الخيط الذي تتعلق به المجموعة، فإن هذه الحكايات لا تمتلك إطاراً يوحّدها ولا يبدو لها غرض تعليمي. وإذا كان هناك عنصر مشترك بالنسبة لها فهو أنها تتعلق جميعاً تقريباً بدرجة أقل أو أكبر بالحب الجنسي أو الرومانسي. و تبدو حسية، وعنيفة بشكل متقلب.
ولنأخذ، مثلاً، قصة "الأربعون فتاة وما جرى لهن مع الأمير" حيث يعثر أمير فارسي على قلعة مسحورة تديرها ساحرة مع فرقة من بنات عمٍّ لها مقاتلات. وتبرهن الفتيات، بعد تجريدهن من السلاح، على أنهن "أجمل من حوريات الجنة"، ويمضين بالدور للتنعم بممارساته الجنسية (و جميعهن بطبيعة الحال عذارى). وفي نهاية الأمر تقدم الساحرة نفسها، محرّمة على الأمير، الذي لم يُستنفَد بعدُ تماماً، الاقتراب من الأخريات مرة أخرى وإلا عوقب بالسجن، والتعذيب، و التقييد بسلاسل الحديد؛ وهي شروط وافق عليها بسرور.
أما قصة "سول و شمول Sul and Shumul "، فأكثر مثاليةً لكنها من نوع الفنتازيا الكوميدية أيضاً. فالعاشق والعاشقة هنا، وهما مراهق وبنت عمه المراهقة، يتّسمان بالطهر الشديد، ويفضلان "الحديث و تلاوة الشعر" طوال الليل، ثم يفترقان من دون أية شبهة في سلوكهما معاً. ولا يستطيع سول التقدم بطلب الزواج من شمول. وحين تبعث هذه رسالة إليه يصاب بالإغماء. ويظل سول يقضي وقتاً طويلاً وهو يدور بين الدموع والشعر بحيث يصيح أبو الفتاة الغاضب: "لا أدري ما إذا كان يريد هذا الزواج أم لا "!
ونحن نبحث عبثاً هنا عن علامات لسايكولوجيا حديثة مبكرة في أفعال سول الضعيف المتردد: فسلوكه، كسلوك ذاك الأمير الفارسي الخليع، نتاج لتقليد أدبي شهواني. ويصح ذلك بالنسبة لشخصيات قصص الكتاب النسائية، إذ أنه كتاب يتّسم بالبغض تجاه النساء. ويُلاحَظ تصويرهن في تلك القصص "مخادعات، وغير جديرات بالثقة، وطمّاعات، ومتطرفات في رغباتهن، و يعملن بقوة من خلال بنى تتّسم بالضعف".
بكلمات أخرى، فإن النساء اللواتي تحكمهن أجسادهن يجب أن يعشن و يمتن بهذه الأجساد. و خير مثال هنا "عروس العرائس" المعتلّة النفس في قصة " عروس العرائس و خداعها"، و التي تلقى نهاية دموية بعد شغلة فاسدة كامرأة فاتنة فتاكة. إذ تستخدم عروس هذه الجنس كسلاح مميت، مقترنةً بالقتلة و الجن على السواء، وقاتلةً عشاقها حين تقتضي الضرورة ذلك. مع هذا تُعلي من نفسها كغاوية للرجال فقط لأنها، كفتاة صغيرة، يخدعها ويغريها الرجل، وتبقى بشكل لافت للانتباه صريحةً بشأن نزوعها إلى الخداع.
وفي قصة مروّعة أخرى، قصة "مَحْلية و موباب Mahliya and Maubub "، فنجد الأميرة المصرية محلية المصابة بالمس الأحادي monomaniacal وتُظهر تقليدياً أشكالاً من الورع الفاتن. لكن ما إن تضع عينها على موباب الجميل في الكنيسة حتى تبدأ بملاحقته، لتدس نفسها في خيمته متنكرة كوزيرة له، وتصبح فيما بعد غيورةً جداً، وتقوم بصلب عددٍ من رسله. ويتواجه الإثنان بعدئذٍ في ساحة المعركة، حيث يستعد موباب لمهاجمة حبيبته بجيش يتضمن أسوداً وفيلة، بينما حشدت مَحْلية 4,000 جاموسة بقرونها المغطاة بالحديد ورقابها المحصنة بأطواق من الفولاذ الصيني ــ وكذلك 5,000 قطة وحشية. وبالتالي فليس من المدهش أن تنتصر هي.
وبالرغم من هذه الأهواء المتطرفة، الا ان هناك في الغالب تيار مضاد حزين لهذه الحكايات المتّسمة بالزخرفة والغرابة baroque. وهو أمر واضح بوجهٍ خاص في تلك القصص التي تتضمن بحثاً عن الكنوز المخبَّأة. ففي كتاب (حكايات العجائب) هذا يتوجب على صياد الكنوز أن يلمّ نموذجياً بالإشارات المبهمة، وتعاويذ السحر، والوحوش الحارسة، وآلية معالجة الموت. ويمكن لنا أن نتساءل بحق، مثل المؤرخ العربي ابن خلدون من القرن الرابع عشر، لماذا يقوم مَن يدّخر مالاً ويخفيه بطرق سحرية "بوضع إشارات خفية أيضاً كي يعثر عليه مَن يهتم بذلك ". مع هذا فإن القصص تنطوي على إيضاحات مرحة لمبدأ أن مَن يجرؤ يفوز.
و قصة " الكنوز المخبَّأة الأربعة " نموذجية في كونها سعياً مرحاً، في أربع محاولات بحث، نحو ثروات خرافية يحرسها، من بين غرائب أخرى، طائر جسمه أكبر من جسم الفيل، و حوريات داعرات، وتماثيل متحركة تعمل بمختلف الطرق مثل الروبوتات، أو البشر الآليين. و يجد صيادو الكنوز وهم يقضون ليلة مع تلك الحوريات "أن الفارق الوحيد بينهن وبين نسائنا أن جلدهن يتّسم بخشونة القشرة الصغيرة" ــ و الحكاية تمنحنا تبصراً في هاجس مستحوذ على عرب القرون الوسطى بماضٍ مفقود. و كما تشير تلك التماثيل الروبوتية، فإن فكرة قصّاصي القرون الوسطى هؤلاء عن التكنولوجيا المتقدمة لا تعني أنها شيء يمكن تحقيقه في المستقبل، و إنما باعتبارها واحداً من الأسرار التي تلاشت مع القدماء.
وبالتالي، تتركنا قصص البحث هذه مع إحساس غير مريح بالزوال السريع للمنجزات البشرية. إذ يصادف صيادو الكنوز في البحث الثاني جثة على رأسها لوح التوباز الأخضر مكتوب عليه: " أنا شدّاد العظيم. قهرتُ ألف مدينة؛ وكان ألف فيل أبيض يُجمع لي؛ وقد عشت ألف سنة و غطت مملكتي الشرق والغرب معاً، لكن حين جاءني الموت لم يكن لكل ذاك الذي كنت جمعته أية فائدة. فانتبه أنت يا مَن تراني، فالزمن لا يوثَق به". وتُختم الحكاية بهذه الرؤية الباعثة على الرثاء إلى حياة الإنسان القصيرة السريعة الزوال.

عن / The Guardian