بين ظلام السجون  ونور الحرية، وقف الشاعر

بين ظلام السجون ونور الحرية، وقف الشاعر

السجون وما حوته خلف قضبانها من ألمٍ وأحلام معلقة على مفترق الحياة والموت، كانت قضية نقاش كتاب "واقف في الظلام" للكاتب عبد الزهرة زكي، الذي صدر عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، فهل يا تُرى عُدّت السجون ميزة لأصحابها؟ وهل صار البعض يُلصق ذاته في سجون الماضي ليكون من مُترئسي عروش الحاضر؟ وكيف مات الكثير من الآمال والأمنيات في سجون ما قبل 2003، وهل اصبحنا حقاً احراراً بعدها؟.

كان اللاجئون والمنفيون والمهاجرون العراقيون في كل القارات قد نجحوا في تسريب حكايات عن معاناة السياسي المعارض والمواطن العراقي بشكل عام في ظل نظام استبدادي تحرروا منه، لكن شهادة المعارض المنفي واللاجئ تبقى في كل الأحوال قابلة للطعن بفعل المحمولات السياسية التي تُقرأ بها تلك الشهادات سلباً او ايجاباً. وفيما كان المناخ السياسي الدولي طيلة عقد الثمانينات، في الأقل، يميل إلى تقديم صورة أخرى لنظام صدام غير صورة المستبد، صورة النظام المدني العلماني الذي يواجه نظاماً ثيوقراطياً في حرب طويلة ينوب فيها عن (العالم الحر)، فإن شهادات المعارضين باتت توجه مشكلات كثيرة اسهمت مع الخوف من مطاردات السلطة للمنفيين أنفسهم في المنافي أو لعوائلهم المرتهنة داخل العراق، في تغييب كثير من الحقائق القاسية والمعلومات والبيانات عن العالم الحر فعلاً.
يذكر زكي قائلاً "اني اعتذرت عن الخوض في تجربة السجن، وكنت أجد وازعاً أخلاقياً يمنعني عن التحدث في تجربة شخصية خرجت منها سالماً فيما كان العراقيون في تلك الأيام من عام 2003 يبحثون عن المقابر الجماعية المكتشفة، وفي وثائق دوائر الأمن والمخابرات عن مصائر آباء وامهات وأبناء وبنات، عن شيوخ وعجائز وشبان وشابات وأطفال كانوا يؤخذون ويختفون ويغيبون، حتى أفقنا على حقيقة أن البلد لا يطفو على بحيرات نفط حسب وأنما على طوفان من مقابر جماعية.
ما زلت أعتقد أن العبرة الأهم لأي مثقف في مشاركته الإنسانية، وفي حياته اليومية والفكرية، سواء أكان قد مر بتجربة حبس أو اضطهاد أو لم يعشهما، هي في العمل الحثيث من أجل توسيع مدى الحرية وتقليص مساحة الظلم والقمع. لقد كان هذا التصور حاضراً، إلى جانب الحضور القاسي لتجربة الكاتب في الحبس، حين نجح مع اصدقاء وزملاء اخرين في اثناء عمله في صحيفة المدى بعد عام 2003 بحشد تواقيع مئات من الكتاب والادباء والفنانين في أول بيان موجه للسلطات العراقية من أجل العمل على إنهاء اعتقال الكاتب محسن الخفاجي لدى القوات الامريكية التي بقي في سجونها شهوراً من دون أية تهمة.
في أرشيف عبد الزهرة زكي احتفظ بصورة لزوجته كان قد التقطها بكاميرته عام 2012، في اثناء زيارته إلى هولندا، وتظهر هي في باحة كبيرة تتوسط مبنى كبيرا تقدم فيها عروض فنية لفنانين تجريبيين هواة، يذكر زكي أن هذا المبنى كان سجناً في مدينة خرونيغن شمالي هولندا، ولما لم يعد السجن منسجما مع معايير تطور السجون ومراعاتها حقوق السجين، إلى جانب انخفاض معدلات الجريمة ودواعي الحبس فقد قررت السلطات اغلاقه ومن ثم تحويله الى مقر خدمات عام.
أن الكثير من اسماء الاشخاص بقيت على حقيقتها في هذا الكتاب بينما احتفظ الكاتب بسرية اسماء بعض الاشخاص في هذا الكتاب، ويذكر الكاتب انه حرص على احترام خصوصية الكثيرين لدوافع اخلاقية.