مجموعة مقالات لـ البير كامو تحصد جائزة نوبل 57

مجموعة مقالات لـ البير كامو تحصد جائزة نوبل 57

كثيرا ما سمعنا عن فوز الروايات، او كتب شعرية بجائزة نوبل، ولكن من الغرابة أن نجد كتابا يتضمن مجموعة من المقالات، أو بحسب ما يذكره الكاتب بالمعنى الدقيق والحصري "محاولات" بجائزة نوبل، فمن المؤكد أن هذا سيحفز أي قارئ على الاطلاع على هذه المقالات، ولكن ما يحجب هذه الصدمة عن القارئ هو أن المؤلف الحاصل على هذه الجائزة هو الكاتب البير كامو عن كتاب "المقصلة أعراس" والذي صدر عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون ترجمة جورج طرابيشي.

قبيل حرب 1914 بقليل، حُكم بالموت في مدينة الجزائر على قاتل ارتكب جريمة مثيرة للاستنكار حقاً (حيث ذبح اسرة من المزارعين مع اطفالها).
من هذه الحادثة والتي عُدّت المحور الرئيس للقصة التي عرضها الكاتب بشكل ريبورتاج، حاول البير كامو أن يشير الى "ان الكثير من الوحوش يظهرون بوجوه لا يمكن النفاذ إليها، أنهم يعدمون بمجرد اعتبار الوقائع، والظاهر أن طبيعة جرائمهم أو كبرها لا يسمحان لأحد بأن يتصور إمكانية توبتهم أو تكفيرهم إذن لا ينبغي فقط أن نحذر من معاودتهم الجرم، وليس هنالك من حل آخر سوى محو وجودهم، وعند هذا الحد فقط ستكون المناقشة حول عقوبة الموت مشروعة."
يذكر الكاتب أنه ليس الوحيد الذي سيدهش من هذا التناقض الموجود في الحكاية الحقيقية والذي يعد شديد الغرابة، فالدولة نفسها تدين هذا التناقض، وتبكيت هذا الضمير يفسر بدوره يناقض موقفها، حيث تحول دون أي اعلان عن عمليات التنفيذ، لأنها لا تستطيع أن تتملص من الخيار ثنائي الحد الذي وضعها فيه بيكاريا "الفيلسوف والجنائي الايطالي الذي كان له اثر كبير في تخفيف صرامة القانون والعقوبات"، حين كتب (اذا كان من المهم ان يطلع الشعب غالبا على الأدلة التي تثبت قوة السلطة، فإن العذابات في مثل هذا الحال يجب أن تكون كثيرة، لكن ينبغي على ذلك أن تكون الجرائم أيضا كثيرة، ما يثبت أن عقوبة الموت لا تحدث الأثر الذي يجب أن تحدثه، ومن هذا تبين لمَ هي لا مجدية ولا ضرورية في آن واحد."
يتساءل الكاتب هنا عن " ماذا تستطيع الدولة أن تفعل بعقوبة لا مجدية وضرورية سوى أن تخفيها دون أن تلغيها؟" يذكر الكاتب أن الدولة سوف تحتفظ بالعقوبة على انزواء بعض الشيء، وبدون حرج، مع أمل اعمى بأن يرتدع انسان ما منها على الاقل.
هنا يشير الكاتب أن لهذه الطقوس نتائج "رادعة" على الرأي العام، وهذه النتائج تعد مظهرا من مظاهر السادية التي توقظها فيه ومن المجد الفظيع الباطل الذي تبعثه لدى بعض المجرمين، فليس هنالك نبل حول المقصلة بل هنالك تقزز واحتقار، وهذه نتائج معروفة.
ففي جزء " مقصلة " كما لاحظنا يحاول الكاتب عرض قوانين العقوبات في جرائم القتل، ولماذا يحتال القانون احيانا على تلك الجرائم بتأثير من الدولة نفسها، وهنا قد نجد ألف سبب لحصد جائزة نوبل للكاتب عن هذا الكتاب، حيث يستعرض الكاتب اسباب ومسببات القتل، ومدى شرعية العقوبة لهذه الجريمة، بشيء من التفصيل الوافي، وأيضا يقدم لنا الكاتب تحليلا قانونيا مفصلا عن تلك الجريمة وهذا أمر ملفت ومميز.
أما عن جزء "أعراس" فنجد أن الكاتب يحاكي الطبيعة والجمال من خلال هذا الجزء، ونجده يكتب مقالات متعددة بأسلوب شاعري يعرضها لنا عبر هذا الجزء كـ "اعراس في تيبازه" والذي يحاكي من خلاله الربيع والجمال والشجر والمياه والخضار في مكان ما ترك في روحه تأثيرا كبيرا، اما في مقال "الريح الجميلة " فنجد أن الكاتب يحاكي ريح وعطر أماكن نترك بها انفسنا لتحيا فينا، ولا تخلو مقالات كامو من الجزائر وتأثير صيفها، إضافة الى الصحارى.
لا غرابة بحصول الروائي البير كامو على جائزة نوبل عن هذا الكتاب، فهو الكاتب المسرحي والروائي والقاص المميز، اهتم بكتابة المقالات الفكرية والفلسفية، اضافة الى حصوله على جائزة النقاد الفرنسيين عن رواية "الطاعون" وتوفي في حادث سيارة عام 1960.