لمحات اجتماعية من احوال البصرة في العهد العثماني الاخير

لمحات اجتماعية من احوال البصرة في العهد العثماني الاخير

د. يقظان سعدون العامر
يقصد بالعهد العثماني الأخير المدة الممتدة من عام 1831 وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، ويمثل عام 1813 انتهاء فترة حكم المماليك في العراق كان امراً طبيعياً فيما يحض السلطان محمود الثاني (1808 ـ 1838)، الذي كان يهدف الى القظاء على الكيانات السياسية التي ظهرت في الأجزاء التابعة للدولة العثمانية والتي يرجع سبب ظهورها الى ضعف هذه الدولة،

لذا عمل السلطان محمود على اعادة السلطة المركزية اليه من جديد وخاصة بعد نجاحه في القضاء على الانكشارية في اسطنبول والاجزاء الاخرى من الدولة، وبما أن داود باشا كان منفصلاً عن العاصمة ولم ينفذ للسلطان امراً غير احلال الجيش النظامي في في محل الأنكشارية مع احتفاظه بحرسه المماليك، وكذلك امتناع داود باشا عن مساعدة السلطان محمود في حربه ضد روسيا، لكل هذه الاسباب عزم السلطان محمود على ارجاع العراق إلى الحكم العثماني المباشر ، ومن اجل القضاء على داود باشا وضم العراق إلى الحكم العثماني جهز السلطان محمود الثاني حملة عسكرية جعل على رأسها علي رضا باشا واليه على حلب، وبينما كان جيش علي رضا في طريقه إلى بغداد كان وباء الطاعون يتفشى في العراق ، وقد أغرق دجلة بعض محلات بغداد، وهكذا فإن الكوارث الطبيعية سادعت على إنهيار المماليك في العراق ، لكن هذا لا يعني ان جيش علي رضا لم يجابه أية مقاومة، بل أنه دخل بغداد في أيلول في عام 1831 بعد أن تكبد خسائر لايستهان بها.

الحالة الادارية
كانت البصرة منذ منتصف القرن الثامن عشر متسلميه او متصرفيه تابعة الى اياله بغداد ، وفي عام 1851 اصبحت (ايالة مستقلة) الا انها لم تستمر طويلاً لان الامور المالية والعسكرية ظلت بيد والي بغداد، وهكذا عادت البصرة لتصبح مجرد متسلميه ضمن ايالة بغداد ، وكانت تتبع البصرة مقاطعات عديدة اوردها القاضي احمد نور الانصاري في تقريره الذي قدمه عام 1860 الى مستلم البصرة منيت باشا فمقاطعات الجانب الغربي هي: العشار والسراجي ومهيجران وحمدان واليهودي ونهر خوز وابي الخصييب والفياضي والعامية وبلجان والزين والدواسر والمعامر والفاو، اما مناطق الجانب الشرقي او ما يعرف مقاطعة شط العرب فهي: نهر حسن التنومة وكوت الجوع وكوت السيد المملوك وكوت ابن نعمة وكوت ابن زغير وكوت القوام والموحية وكوت غضبان وكوت الشيخ وكوت ابن سوادي وكوت الدحيمي وكوت الحداد وكوت علوان ونهر جاسم علوان والدعيجي والشلامجة والبور
والبوارين ، ومن الجدير بالذكر ان الولاة العثمانيين وكجزء من سياستهم الرامية الى التقليل من نفوذ العشائر العربية، اعادوا واضافوا اراضي الى البصرة، فقد نجح الوالي رشيد الكوزلفلي من استعادة مهيجران ونهر خوز وبعض المقاطعات من ايدي المنتفق، وكذلك استطاع نامق باشا خلال ولايته الثانية من العراق من استعادة ابي الخصيب ويوسفان والفياضي والعامية وبعض مقاطعات القرنة وجعلها بيد مستلم البصرة وأخذ وارداتها رأسها الى الخزينة، وبعد عام 1863 اصبحت البصرة أيالة مستقلة الا انها عادت في عام 1869 لتصبح لواء تابعاً لولاية بغداد تتبعها اقضية القرنة والكويت والبصرة، وكان قضاء القرنة يتكون من نواحي بني منصور والمدينة والنشوة والدير، وتدار من قبل مدير، اما قضاء الكويت فقد كان يدار من قبل شيخها الذي اصبح قائمقاماً بعد ان تم تعينه في عام 1871 من قبل الدولة العثمانية، وقد تم اعفاء سكان الكويت من كافة الرسوم ومن اداء الخدمة العسكرية ، اما قضاء البصرة فكان يتكون من خمسة نواحي ومن مدينة البصرة التي هي مركز الولاية او المستلميه، وهي النواحي هي: الهارثة والزبير وشط العرب وابي الخصيب والفاو: وفي عام 1875 اصبحت البصرة ولاية تشمل القرنة والزبير وسوق الشيوخ والناصرية وكوت الامارة والكويت والاحساء ، الا انها سرعان ما انزلت في عام 1880 مرة اخرى الى درجة المتسلميه: ولم هذا طويلاً حيث تحولت بحلول عام 1884 الى ولاية وفتحت وكالة الى قائد البحرية، الى ان وصل واليها عزت افندي من اسطنبول بعد مرور سنتين ، وهكذا منذ عام 1848 (لم تنضم ولاية البصرة الى ولاية بغداد، وكل ارتباطها بهذه الاخيرة يقتصر على ان القوات المرابطة ضمن حدود ولاية البصرة تعود الى الفيلق السادس الذي مقره في بغداد، وان كل مؤسسات ولاية البصرة ودوائرها كالكمارك والبريد والبرق والحجر الصحي وادارة الدين العام وشركة الريجي الخاصة بالتبغ والبنك العثماني الرسمي، تتبع مباشرة كان لمركزها الرئيسي الموجود في بغداد ، وكان يعمل في دوائر الولاية ملاك من الموظفين يقومون بواجبات معينة.
كانت البصرة مسورة، وسورها، كما يصفه القاضي احمد نور الانصاري، (من لبن غير مفخور، وبعضه متداع قريب الاضمحلال)، وتتخلّل السور خمسة ابواب هي باب بغداد وباب الزبير وباب السراجي وباب المجمعة وباب الرباط ، اما حدود مدينة البصرة فيحدها من جهة الشرق شط العرب ومن االغرب الصحراء الممتدة حتى مدينة الزبير، ومن الشمال نهر الخندق ومن الجنوب نهر الخورة، ويشق المدينة نهر العشار الذي يسقي النخيل والاشجار ويستسقي منه اهلها ، وكذلك تدخل في السفن الصغيرة، تجلب الامتعة من رصيف العشار.
يذكر اداموف ان العوامل التي تجعل من البصرة (بؤرة لجيع الامراض هو انعدام المياه الصالحة للشرب، فالفقراء يشربون من قناة العشار التي تجعلها نفايات المدينة قذرة جداً بسبب بعد المدينة من شط العرب، والبصريون الموسرون هم وحدهم الذين يتأتى لهم جلب المياه لاستخدامهم الخاص من شط العرب، ولكن حتى مياه هذا الاخير لا يمكن وضعها بالنقاء وذلك لانه لا تصب في النهر في اثناء الجزر المياه الراكدة في المستنقعات المجاورة فحسب، وانما يرد اليه ايضاً القسم الأغلب من قاذورات المدينة عن طريق قناتي العشار والخندق) ويستدل اداموف على قذارة شط العرب من التجربة التي قام بها الدكتور بوريل، رئيس دائرة الحجر الصحي في البصرة في العقد الاخير من القرن الماضي، فبعد ان كرر التجربة خمس مرات توصل ان السنتمتر المكعب الواحد من الماء الذي اخذه من الموضع الذي يأخذ منه السقاة المياه 68200 عصية من جراثيم التيفوس والدزانتري وجراثيم كثيرة الشبه بجرثومة الكوليرا.
وشهدت البصرة توسعاً خلال ولاية مدحت باشا للعراق حيث قام في عام 1870 ببناء ضاحية جديدة وهي المنطقة المحصورة بين نهر العشار والخورة (لتكون نواة في البصرة الجديدة لينقل هذه المدينة بعيداً عن المستنقعات)، وبذلك أوصل البصرة الى شط العرب، وقام بنقل مقر الحكومة وشيد مباني للادارات والكمارك وبدأ ببناء ثكنة عسرية ومستشفى عسكري، وقامت الشركات الاجنبية العاملة بالبصرة ببناء مستودعات وارصفة لها على شط العرب، يضاف الى ذلك، شجع مدحت باشا بكل الوسائل بناء الدور هناك وقام بتأجير الاراضي الاميرية تأجيراً طويل الامد، وبما ان مدحت باشا كانت لديه مشاريع يريد القيام بها في منطقة الخليج العربي، وكجزء من اهتمام اسطنبول اصلاح الاسطول في البصرة من جديد والتي سبق لها ان بعثت احداً من امراء البحرية مع بعض الضباط الموظفين للشروع بالعمل ، امر مدحت باشا بتوسيع ميناء البصرة وبناء حوض داخلي على شط العرب في منطقة المعقل لترسوا فيه البواخر ذات الغاطس الكبير، لان الحوض القديم والذي يقع على نهر العشار في منطقة المناوي اصبح غير قادر على استقبال البواخر الكبيرة، وبعد أن اكتمل الحوض الجديد استوردت الدولة آلة لرفع ما وزنه بين 30 ـ 35 طن من الحمولة ومن والي البواخر، كما امرت ببناء في المنطقة الشمالية للحوض وفي منطقة المعقل لتغطي حاجة الرصيف والحوض ، الا ان ميناء البصرة تعرض الى الاهمال، فالسكن في ضاحية مقام علي لم يكن آنذاك آمن، وهذا لم يشجع الاهالي على السكن فيه، علاوة على ذلك لم يكن بعض الولاة الذين جاؤا بعد مدحت باشا متحمسين لفكرة تطوير ميناء البصرة.
تكملة المادة حول البصرة: لذلك توقف السكن في مقام علي في عهد الوالي ناصر السعدون الذي اعاد (القوناق) الى البصرة واصدر امراً مشدداً لسكان البصرة يمنعهم فيهم من السكن خارج حدود المدينة ، ومع ذلك فأن الحياة اخذت تعود الى ضاحية مقام علي او ميناء البصرة شيئاَ فشيئاً، فالرحالة الاجانب الذين زاروا البصرة في العقد الاخير من القرون الماضي ذكروا بأن (ميناء البصرة ميناء حديث ونامي، وهناك سوق صغير مملوء بالبضائع الاجنبية)، ثم أخذ أهالي البصرة بالانتقال الى منطقة الميناء تدريجياً، واسس (منكرديك) احدى الشخصيات البصرية في عام 1897 (شركة العربات بالخيل) لنقل الناس من البصرة الى الميناء، وتأسست بعد ذلك (شركات) مماثلة.
واصبح ميناء البصرة في اوائل القرن الحالي، كما يصفه لنا اداموف، قنصل روسيا القيصرية في البصرة قبل الحرب العالمية الاولى، يضم الترسانة البحرية وورشة التصليح محركات السفن والمدافع والاسلحة الملحقة بها، وكذلك ادارة الميناء ودائرة الكمارك ودائرة الحجر الصحي ومكتب قائد الاسطول العثماني الصغير ومكاتب جنود البحري، وتقع على الضفة اليسرى من نهر العشار عند تفرعه من شط العرب تقع بطارية مدفعية بنيت من الطين وسعف النخيل حيث يقوم فيها جنود المدفعية، ويوجد في هذه الضفة ايضاً (قوناق) مدحت باشا المهجور، وعلى الضفة اليمنى توجد ترسانة لصنع قوارب نقل المسافرين وكذلك السفن الكبيرة الحجم لنقل البضائع والتي تقع خلف دائرة الكمارك، ويتصل بدائرة الكمارك والترسانة سوق ضاحية مقام علي الذي يحوي على اكثر من اربعمائة دكان، وعند بداية االسوق يقوم فوق نهر العشار جسر كلون من الجذوع والالواح، اما المباني الواقعة على الضفة اليمنى لشط العرب والتي كانت تشغله منطقة المناوي قبل ذلك، فهي تقع ضمن منطقة الميناء، وجميع هذه المباني هي اما ملكاً للشركات التجارية الاوربية او مستأجرة من قبلها، لان هذه الشركات انتقلت الى هناك لتكون مقربة الميناء، وقبل ان ينتقلوا الى منطقة الميناء، كان الاوربيون يسكنون منطقة الماركيل (تحريف معقل) أو كوت أفرنجي إذ كانت توجد هناك القنصلية البرطانية التي تطل على شط العرب، ويوجد في المعقل حوض جاف وورشة تعود لشركة الفرات ودجلة للملاحة البّخارية، ويوجد على الضفة اليمنى من شط العرب مبنى وحيد وهو مبنى المستشفى العسكري البحري الذي يتألف من طابقين ويضم ستين سريراً، أن سبب أختيار هذه المنطقة لبناء المستشفى صحي وذلك لانعدام المياه الراكدة فيما حيث ان الكثير من البصريين الموسرين ينتقلون في الصيف الى القرية (كردلان) الواقعة الى الاعلى قليلاً من المستشفى على نهر يحمل نفس الاسم ، وهكذا ازدهرت منطقة الميناء في العقد الاول من القرن الحالي الى درجة ان بعض الاوربيين ابدوا اعجابهم بها لنظافتها وسعتها ولبناياتها الشاهقة وقصورها الانيقة المزركشة بشناشيلها ولمنظر قواربها الراسية على طول نهر العشار على مقربة من ابواب تلك القصور والتي هي الواسطة الرئيسية لتنقل في ارجاء المدينة، فضلاً عن ذلك، ومن اجل منطقة الميناء بالبصرة، فقد قررت السلطات العثمانية المحلية في عام 1908 بشق طريق عرضه اربعة عشر متراً محاذياً لنهر العشار، وكذلك ربط الميناء والمدينة بخط تراموي، وقامت باستملاك الدور وهدمها، وفي العام التالي افتتح سليمان نظيف والي البصرة هذا الطريق الذي لم يتم اكسائه بالغير الا في عام 1922، وقام ببناء مخفر في وسط الطريق يقال له (الرشادية)، وفي العام نفسه كلفت السلطات المحلية بعض الوجهاء تأسيس شركة تقويم بتزويد المدينة بمياه الشرب بواسطة شبكة من الانايب الحديدية، وتأسست الشركة واستعانت بخبرة مهندس هندي، وعلى الرغم من المسوحات التي قامت بها الشركة الا ان المشروع لم ير النور.

الحالة الاجتماعية
اما فيما يتعلق بسكان البصرة فأنه لا يمكن تحديد عدد بدقة، وما هو متوفر فهو اما تقديرات رسمية او تخمينات توصل اليها الباحثون لكن علم الاحصائيات عديدة ومتناقضة ومتذبذبة، ويرجع ذلك لعدة اسباب منها عدم وجود احصائيات دقيقة على السكان لطبيعة حياة السكان البصرة ولعدم اعطائهم المعلومات الصحيحة عنهم لدوافع عديدة ، انما السبب الاخر والمهم هو ان البصرة قد تعرضت خلال العهد العثماني الاخير الى سلسلة من الاوبئة التي فعلت فعلتها في سكان البصرة، فقد تفشى وباء الطاعون في البصرة في الاعوام 1831 و 1838 و 1875، اما مرض الكوليرا فقد انتشر في الاعوام 1865 و 1871 و 1881 و 1889 و 1893 و 1904، ومع ان مرض الملاريا كان متوطناً في البصرة الا انه انتشر بشكل و باني عام 1876، اما مصدر هذه الاوبئة والامراض فهو السفن القادمة من الموانيء الهندية والايرانية وكذلك الهنود والفرس القادمون من الامكان المقدسة، وعلى الرغم من اجراءات صحيحة التي اتخذها دوائر الحجر الصحي في البصرة، الا انها لم تمنع من انتشار الاوبئة وبخاصة اذا علمنا ان القناصل البرطانيين في البصرة اعلنوا تذمرهم من استمرار دوائر الحجر الصحي العثمانية في فرض فترة حجر صحي لا تقل عن عشرة ايام على القادمين من الموانيء الهندية والايرانية بحجة زيادة نفقات البواخر وان ذلك يعرقل التجارة البرطانية، ويتضح ان البرطانيين كان يهتمون بتجارتهم اكثر من اهتمامهم بحياة سكان البصرة، اضافة الى ذلك، انه على الرغم من الصحيات والاستغاثات المتكررة للدوائر الصحية في البصرة والتي وجهتها اسطنبول بهدف مساعدتهم لتحسين الاوضاع وعلاج الحالة الا انها باءت بالفشل، وهكذا اثرت في سكان البصرة وتجارها.
فقد ذكر لتوسكي بان طاعون عام 1831 أنزل ضربة قاصمة بقوة البصرة الانتاجية، فلم يسلم من اصل سكان البصرة الف نسبة سوى بين 5 ـ 6 ألف فقط، اما اداموف فيرى ان اوبئة الطاعون في عام 1831 و 1838 ساعدت (على نقصان السكان لاحقاً بحيث ظلت المدينة بعدها لفترة طويلة لا يتعدى سكانها 12000 نسمة...) ويذكر ان القهواتي ان الامراض ادت الى ابادت الكثير من سكانها (البصرة) وسبب هجرة البعض منها حتع غدا عدد سكانها في عام 1854 لا يزيد عن 5000 نسمة بعد ان كان يربوا على 60000 قبل تلك المحن)، ويورد القهواتي ما ذكره السائح ussher الذي زار البصرة عام 1865 فذكر ان عدد سكان البصرة: في عام 1871 اصبح عدد سكان البصرة يتراوح بين 8 ـ 10 ألف نسمة، وبلغ في عام 1887 اربعين ألفاً، اما busch فترى ان سكان البصرة في العقد الاخير في القرن التاسع عشر بلغ اكثر من اربعين ألف نسمة ، ويتفق قسم من الباحثين على ان سكان البصرة في السنوات القليلة التي سبقت الحرب العالمية الاولى اصبح (60) الف نسمة.
عن (المكتبة البصرية)