المفكر محمد مبارك في ذكرى رحيله

المفكر محمد مبارك في ذكرى رحيله

محمد سعدون السباهي
أزعم ان ليس من بيننا نحن جمهرة الادباء والكتاب، من لا يعرف الاستاذ الكبير محمد مبارك رحمه الله، باحثاً اجتماعياً جسوراً، ومفكراً فلسفياً بارعاً، وناقداً في الشعر خصوصاً ومؤلفاً للمسرح، كل هذا جاءنا عبر سلسلة من الكتب، والدراسات، طبعت ونشرت داخل العراق وخارجه، كان آخرها في مجال الفلسفة كتابه الموسوم: الجابري بين طروحات الالاند وجان جنيه،

حيث ناقش بهدوء وصبر ومثاقفة جدلية رائعة اطروحات الدكتور محمد عابد الجابري، المعروفة في تناولها الصارم للعقل العربي، مجازاً وتنصيصاً، بعد ان توقف طويلا الاستاذ مبارك أمام ما يراد بمفهوم العقل من حيث هو تركيبة مستقلة في كينونة البشر لدى أبرز التيارات الفكرية، ذلك ان مفهوم العقل كان وما يزال وسيظل حتى يلقى آخر انسان حتفه، يشكل مرتكزا اخلاقياً أساسياً في مختلف الانساق الفكرية التي شهدها، ويشهدها هذا التاريخ.

ولعل الاهم من هذا كله، على أهميته طبعاً، المقدمة التي وضعها الكاتب لكتابه هذا، اذ دلل، وعلى نحو لا لبس فيه ولا ادعاء، عن معرفة موسوعية مدهشة، لتاريخ الفكر الفلسفي وافضل رموزه شرقياً كان ام غربياً ام امريكياً، وأحيل الشكاكين واللمازين والغمازين والهماسين، ممن ابتليت بهم الثقافة في العراق على كثرتهم الموجعة، أولئك الذين امتهنوا من جراء غياب سلطة النقد المسؤولة حق الكتابة الادبية والفكرية، وليس من بينهم، واحد أتم قراءة كتاب واحد، للراحل او سواه من المبدعين العراقيين وغير العراقيين، وفهموا مراميه الفكرية او اللغوية او الاسلوبية، احيلهم جميعاً الى قراءة المقدمة التي اشرت اليها، للوقوف على صدق او ادعاء ما ذهبت اليه من ان المرحوم محمد مبارك كان كاتباً موسوعياً بحق وحقيق..
اما اخر اصدارات الفقيد فكان كتابه (مقاربات في العقل والثقافة)، ونحن نعرف ماذا يعني الاشتغال على جنسين فكريين خطرين وحساسين على نحو خاص، اذ يتطلب ذلك: بصيرة نافذة ووعياً جدلياً حراً وخلاقاً، وثقافة عميقة وواسعة في علم ساسيلوجيا المجتمعات، واحاطة شاملة بالمدارس الفلسفية قديمها وحديثها، وقد أثبت الفقيد ذلك لمن تابعه من اصدقائه ومريديه، سواء عبر كتاباته العديدة، أم مجالسه الخاصة والعامة، في المقاهي أم المنتديات الثقافية أم بيوت الاصدقاء.
الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه (مقاربات في العقل والثقافة) صدر قبل وفاته بعام او اكثر قليلا ضم اكثر من اربعة وثلاثين فصلاً، كان الكاتب قد نشرها هنا وهناك في عديد من الدوريات، محلياً وعربياً، شملت على سبيل المثال مفهوم التشكيلية الاجتماعية.. مفهوم العقل بين الفارابي وعمانوئيل كانت.. الثقافة مصطلحاً ومفهوماً.. العادات والتقاليد والعقل العملي.. الخ.
ومن النظرة الحصيفة الاولى، نرى في أي مجموعة خطرة من الثوابت والتابوات والايقونات المقدسة وغير المقدسة، ضرب المفكر الجسور محمد مبارك، معوله عميقاً؟
يناقش الكاتب مثلما هو معروف عنه على نحو موسع، علمي ودقيق، ظاهرة اجتماعية او ثقافية او فلسفية، من دون تزمت، او خطل في المنهج، او تشوش في الرؤية، او فقر معرفي في المادة التي يشغل عليها كل ذلك من خلال لغة أدبية غاية في الامتاع والتوهج.في معنى (الثقافة) وبعد تقديم سلسلة طويلة من الامثلة تعود لحقب زمنية قديمة وحديثة ومعاصرة، رومانية وبيزنطية وعربية، وعربية اسلامية، يخلص الى القول: (اذا فبنيتنا الثقافة العربية الراهنة، على ضوء هذه المفارقات الانطولوجية، ذات طبيعة سلبية خاملة، غير فاعلة في علاقاتها الجدلية، بمجمل مكونات تشكيلاتها الاجتماعية القائمة..)، واذا ما اردنا الخلاص من هذا المأزق التاريخي الخطير، فيلزمنا في المقام الاول: (ان نعمل على ان لا يفوتنا الزمن، نستبذل ما نحن عليه من كسل وخمول من تشكيلاتنا الاجتماعية المتخلفة، بما تورثه تشكيلات اجتماعية اخرى تأخذ بأسباب التصنيع الحديث والثورة التكنولوجية والعلم..) ولا سبيل لنهوضنا من كبوتنا المزرية غير هذا..
وفي معرض حديثه عن العلامة الكبير الدكتور علي الوردي، الذي أفنى عمره على نحو دؤوب ومثابر من اجل سبر اغوار المجتمع العراقي المعاصر، الامر الذي جعل منه وحده ظاهرة ثقافية مميزة، غطت نصف القرن الاخير بابعادها الذهنية الجريئة، وخاضت معارك فكرية بعثت الحركة والنشاط في بنية الفكر العراقي المعاصر، وغير ذلك الكثير الا ان الاستاذ محمد مبارك يؤاخذه في مفهوم التأثير الحاسم للعامل الجغرافي، في تحديد الصورة الاجتماعية للاوطان في رسم مسارات حركتها الاجتماعية، فاذا كان الوردي يرى ان لموقع العراق الجغرافي على الامتداد الصحراوي الشاسع دوراً رئيساً أفضى الى (صراع البداوة والحضارة)، الامر الذي أدى الى شيوع ظاهرة ازدواج الشخصية العراقية على ما هي عليه، فمن الصحراء اخذ العراقي قيم البداوة في (العدوان والغزو والفرهود..)، ومن الحضارة الحديثة مظاهرها التقدمية المبتذلة والمتغيرة أبداً على مر الايام، بمعنى يرى الشخصية العراقية المزدوجة امراً محتوياً، وقدراً لافكاك منه، اما الاستاذ مبارك فيقول: (لو اعطى الوردي من عنايته ودأبه على البحث والتشخيص والرصد، الواقع الاجتماعي العراقي بتشكيلاته العينية المعاصرة، ما اعطاه لتأثير البداوة والصحراء في حركة هذا الواقع، لتقدم لنا بنظرية في التغيير، وليس فقط بمنطلقات وفروض نظرية في الفهم والتفسير..)، ذلك ان المجتمعات البشرية عامة في مرحلة ما من صيرورتها التاريخية بظاهرة الازدواج التي تتلبس سلوك الافراد والجماعات، بغض النظر عن موقع أقاليمها جغرافياً.وفي موضوعة العادات والتقاليد والعقل العملي، يرى الباحث: (ان العادات والتقاليد تنفرد باهمية خاصة في دراستها، بوصفها النافذة التي يطل من خلالها الباحث ليحيط بمجمل الصورة التي يكون عليها العقل العملي لهذا الشعب او ذاك في هذه المرحلة او تلك..)، وان أمراً كهذا يدفع الى التأكيد على ان (خطورة العادات والتقاليد تتأتى اذا من انها، بما تنطوي عليه من قيم وثوابت، تسهم بقسط غير يسير في تشكيل مادة العقل العملي وتصوراته..)، لكل ما يدور حوله من انشطة مختلفة ومتنوعة بحيث يصبح من ثوابت العقل العملي، هناك من يشتط بهم الامر اذ يشجعهم على متابعة كشوفهم باتجاه تدمير الحية واشاعة الخراب، ونوع آخر يفرض عليهم من الحكمة وبعد النظر ما يغريهم بتكريس سبل العمران، واعادة بناء الحياة على أسس اكثر تقدمية، ثم يخلص الكاتب الى المجاهرة بروح الباحث الوطني التقدمي المسؤول، حتى لأحسه يصرخ ملء حنجرته في جمع من النيام، اما والحال هذه اذا: (يلزمنا ان ننظر فيما جاء به العصر من جديد في الفهم والنظر اولاً وقبل كل شيء، ليكون لنا دليلا على اعادة قراءة ما استقرت عليه عاداتنا وتقاليدنا من ثوابت وقيم لنحذف ونستبذل ونكرس، والا قضينا على أنفسنا ان نكون خارج العصر في انماط سلوكنا ونظرتنا وتعاملنا مع الاشياء..).
عموماً، لقد وضع بين أيدينا الموهوب والمثقف من طراز خاص الاستاذ مبارك كتاباً يبحث في العقل والثقافة بمعنييهما الواسعين، فحري بنا كمثقفين التعريف به، كل حسب جهده واجتهاده، من أجل ايصاله الى اوسع دائرة ممكنة من القراء، وحثهم لاقتنائه والعكوف على قراءته، قراءة اجرائية متأنية، والاستفادة من طروحاته ووجهات نظره الخلاقة، كمعين لتجاوز المثبطات العديدة التي برزت بعد انهيار نظام الجهل والتجهيل، حيث تنذر بضبابية أشد لظرفنا الراهن المضبب، في ظاهره، ولا أقول في جوهره.