كُتب هزّت العالم.. ثروة الامم.. لـ   آدم سميث

كُتب هزّت العالم.. ثروة الامم.. لـ آدم سميث

ظهر في لندن كتاب قدر له ان يحدث رد فعل عميق في مجال آخر من مجالات النشاط البشري، وعلى نقيض كتيب بين الملهب للمشاعر، كانت رسالة آدم سميث الطويلة، ذات المجلدين بعنوان "تساؤل عن طبيعة واسباب ثروة الامم". قنبلة زمنية، جذبت قليلا من الانتباه في اول الامر، والواقع ان هذا المؤلف لم ينجح في احداث الاثر المرجو كاملا، الا في القرن التالي لموت مؤلفه بعد الثورة الاميركية، وكانت الثورة اافرنسية في طور التدبير،

 وتقدم الانقلاب الصناعي بسرعة مدفوعا الى الامام باكتشاف قوة البخار. وقد وصف احد المعلقين الحقبة الماضي بانها "العصور المظلمة للعصر الحديث" وفي انكلترا، كان كل مظهر من مظاهر الحياة الاقتصادية تحت المراقبة الدقيقة للحكومة.

جمدت الاسعار وحددت الاجور وساعات العمل، وعدل الانتاج، وسيطرت الدولة تماما على التجارة الخارجية من واردات وصادرات، وتكاد الحرب تكون موجودة باستمرار، فتتطلب السياسة القومية جيشا وبحرية قويين، وشعبا ضخما، والاستيلاء على المستعمرات في جميع بقاع الارض، واضعاف الدول المنافسة مثل فرنسا بالطرق الطيبة او الشريرة. ولقى كل اقتراح لتوزيع الثروة بالعدل، معارضة عنيفة من الطبقات الحاكمة، وانتصر التعليم على القلة المحبوة، وكانت القوانين الجنائية بالغة القسوة والحقوق السياسية لجمهور موجودة نظريا اكثر منها عمليا.
وكما كانت الحال لعدة اجيالن ما زالت تملك الاريستوقراطية القائمة قابضة على زمام الحكومة، غير انه قامت طبقة جديدة قوية من التجار والصناع، تطالب بامتيازات خاصة لانفسها. فحصلت عليها، كانت الصادرات في نظر هذه الفئة نعما، والواردات كوارث، ويجب الا يسمح للاموال بمغادرة الدولة.
يجب الاحتفاظ دائما بميزان تجاري مرموق، يجب ان ان تكون اجور العمل منخفضة وساعاته طويلة، ويجب حماية الصناعات الوطنية بتعريفة كمركية عالية، ومن الضروري امتلاك اسطول تجاري قوي، وفرض كل اجراء من شأنه ان يساعد التجار تلقائيا، وذلك لفائدة الامة ككل، وتحت ضغط الاصوات القوية اصدر البرلمان قرارا بتحويل جميع هذه المقترحات الى قوانين.
 بعد ذلك جاء آدم سميث معتزماً نصف ما اعتبره اراء خطأ وضارة، وينكن اعتبار حياة رجولة سميث حتى هذه المرحلة اعدادا للعمل الضخم الذي وطد نفسه للقيام به، كان مواطنا اسكتلنديا التحق في الرابعة عشرة من عمره عام 1737 بجامعة غلاسكو حيث وقع تحت نفوذ استاذه العظيم فرنسيس هتشسون الذي كثيرا ما كان يكرر مذهبه "السعادة العظمى للعدد الاعظم" حتى صار ذلك المذهب، فلسفة سميث الدائمة، و بعد ذلك ذهب الى  جامعة اكسفورد، حيث بقى ست سنوات كرس معظم وقته فيها لقراءة الادب على مدى اوسع، ولما عاد الى اسكتلندا اخذ يلقي المحاضرات في ادنبره، حتى عام 1751 عندما عين اولا استاذ لكرسي علم المنطق ثم الميتافيزيقيا ثم اخيرا الفلسفة الاخلاقية في جامعة غلاسكو، ظل مدة اثنتي عشرة عاما يعمل محاضرا موهوبا ذائع الصيت،وزدات شهرته عندما نشر كتابه "نظرية العواطف الاخلاقية" الذي لقى رواجا عظيما، وهو مؤلف اعتبره معاصروه افضل من ثروة الامم، واذا اغرته المكافآت المالية السخية، استقال من منصبه كاستاذ ليصاحب احد الشبان النبلاء كرفيق ومدرس، في رحلة الى اوروبا تستغرق ثلاث سنوات.
وهناك تعرف على رواد الاقتصاد والفلاسفة والمفكرين السياسيين لذلك العصر، ولاسيما في فرنسا.
وفي عام 1759 تضمنت مذكرات سميث فكرة ثروة الامم ولكن العمل فيه سار ببطء الى ان اتى ثمرته، فاستغرق سنوات من التأمل والدراسة والقراءة والملاحظات المبدئية والتحدث الى اناس من مختلف المشارب في الحاة، ومراجعات لاتنتهي قبل ان يعد هذا المؤلف للطبع.
وقبل نشر هذا الكتاب قضى سميث معظم ثلاث سنوات في لندن حيث ناقش كتابه هذا مع بنيامين فرانكلين مندوب المستعمرات الاميركي، ولم يخرج ذلك الكتاب من المطبعة الا في التاسع من مدارس عام 1776، ومنذ ذلك التاريخ طبع منه طبعات عدة، وترجم الى معظم اللغات الحية في العالم.
كان كتاب ثروة الامم دائرة معارف اكثر منه مجرد رسالة في الاقتصاد، واطلق عليه احد النقاد اسم تاريخ ونقد جميع الحضارات الاوروبية، بدأ سميث بمناقشة موضوع تقسيم العمل، ثم عرج على نشأة النقود وفائدتها، واسعار السلع، واجور العمل وارباح التجارة وايجار الارض، وقيمة الفضة، والفرق بين العمل المنتج وغير المنتج، بعد ذلك شرح التقدم الاقتصادي في اوروبا منذ سقوط الامبراطورية الرومانية، وقام بتحليلات واسعة لنقد السياسات التجارية والاستعمارية للامم الاوروبية، ودخل الملك، ومختلف طرق الدفاع عن العدل، واقامته في المجتمعات البدائية، ونشأة ونمو الجيوش القائمة في اوروبا وتاريخ التعليم في العصور الوسطى، ونقد للجامعات في عصره، وتاريخ القوة الدنيوية للكنيسة، وتضخم الديون الشعبية وفي النهاية اختبار لمبادئ نظام الضرائب وانظمة الدخل العام.
قد تكون القضية العامة التي بنى عليها سميث كتابه (ثروة الامم) من وضع نيقولا ماكيافيلي ونصها: كل بشر تحركه اولا وقبل كل شيء، مصالحه الشخصية، وليست الرغبة في الثروة الا احد المظاهر هذه، وتقف دوافع الانانية وراء جميع انشطة البشرية، وزيادة على هذا، فبدلا مر ان يجد سميث ان هذا المظهر في سلوك الانسان ممنوع وغير مرغوب فيه، اعتقد ان انانية الفرد تؤدي الى صالح المجتمع، قال ان خير طريقة لرفاهية الامة، هي السماح لكل انسان بأن يبذل جهدا منتظما ومستمرا بدون انقطاع لتحسين حالته، لانتوقع الحصول على غذائنا من انسانية الجزار او صانع البيرة او الخباز، بل من نظرتهم الى صالحهم، اننا نخاطب انفسنا، ليس عن حبهم لخير البشر، وانما عن حبهم لانفسهم، ولانتحدث اليهم قط عن حاجاتنا وانما عن منفعتهم، وبسبب امثال هذه الفقرات، تحدث راسكين، عن سميث على ان الرجل الاسكتلندي ذو نصف التربية ونصف الذكاء، الذي علم التجديف الصريح، انك ستبغض الرب الهك، وتلعن ناموسه، وتجد جارك على خيراته.
قال سميث:ان الصناعة الحديثة تغدو ممكنة بتقسيم العمل، وتكديس رأس المال – وكل من هذين مفسر بالصالح الشخصي او النظام الطبيعي كما وصفه الفلاسفة القرن الثامن عشر، ودون وعي، تقود "يد الهية" الانسان كي يسهم في خير الكل بالعمل من اجل نفسه ومن اجل ربحه، ومن الطبيعي ان يتبع ذلك، انه يجب ان يكون هناك اقل قدر ممكن من تدخل الحكومة في النظام الاقتصادي –فخير حكومة، كما قال توم بين في مناسبة اخرى، هي الحكومة التي تحكم باقل ما يمكن من الحكم.
لم يكن سميث اكثر صراحة في أي موضع اخر من كتاب "ثروة الامم" واحيانا ليس اكثر سخطا، منه في تعليقاته على عدم المساواة في المساومة بين اصحاب العمل والعمال، وفي معارضته لفكرة المتاجرة القاتلة بان الاجور المنخفضة تجبر العمال على ان يعملوا اكثر، وبذا يزيدون في رخاء انكلترا، فيبدي ملاحظته على النقطة الاولى قائلا: "يرغب العمال في الحصول على اكثر ما يمكن، ويرغب السادة في اعطاء اقل ما يمكن.. فوطد العمال العزم على الاتحاد ليرفعوا اجور العمل واتحد اصحاب العمال ليخفضوها.
بعد ذلك انتقل سميث من قضايا العمل الى الدفاع عن اصلاح قضايا الارض، وهنا ايضا يرى ان اللوائح الحكومية غير الحكيمة، والقوانين غير الملائمة تقف في طريق التقدم، فمعظم الاراضي البريطانية في القرن الثامن عشر، كانت خاضعة للوصاية، بوسع مالك الارض ان يصدر قواعد لتقسيم ارضه ويبيعها، يلتزم بها وثته لعدة قرون بعد موته، ومن العادات القديمة الاخرى، حق الابن الاكبر في جميع الميراث عن والديه، وهذه عادة اقطاعية تمنع تفتيت الملكيات الكبيرة، فبهذا القانون يكون الابن الاكبر هو الوراث الوحيد، وقد علق سميث على هذا بقوله: "لاشيء يمكن ان يضر بصالح اية اسرة كبيرة، الا ذلك الحق، الذي لكني يغنى فرد واحدا منها، يسوق بقية الاولاد الى فقر بودي بهم الى مد ايديهم للسؤال"، وعلى هذا، حث بالحاح على حرية الاتجارفي الاراضي بالغاء قوانين التوصية، وقانون حق الابن الاكبر في الميراث، وغير هذه من قيود نقلية ملكية الاراضي بالهبة او بالوصية او بالبيع.
ان اشهر قسم، وهو بيت القصيد، في كتاب "ثروة الامم" هو الجزء الرابع وعنوانه عن انظمة الاقتصاد السياسي، تناول فيه سميث نظامين مختلفين، نظام التجارة ونظام الزراعة، وشغل موضوع التجارة مكانا يبلغ ثماني مرات ما شغله الكلام عن الزراعة. فتناول مبادئ "حرية العمل" التي اقترنت باسمه منذ ذلك الوقت، وقد انتهت المناقشة الخاصة بكل من العمل والاراضي والسلع والنقود والاسعار والزراعة والماشية والضرائب الى نقطة واحدة هي حرية التجارة داخليا وخارجيا، لن تحصل الامة على التقدم الكامل والرخاء الا عن طريق التجارة غير المقيدة، في الداخل وفي الخارج، ناشد سميث الامم الغاء الرسوم الجمركية والتبرعات والتحريم من النظام التجاري، والاحتكارات التجارية للشركات المتعهدة، فكل هذه القيود تعوق النمو الطبيعي للصناعة والتجارة وحرية وصول السلع الى المستهلكين كما ترك المبدأ الزائف، مبدأ التوازن التجاري، الذي يحبذ التجار، ليست النقود سوى اداة وليس هناك مقياس يمكننا بواسطته معرفة على أي جانب يقع ما يسمى بالتوازن التجاري بين دولتين او أي منهما تصدر باكبر قيمة.... ليست الثروة في النقود ولا في الذهب ولا في الفضة، وانما فيما تشتريه النقود ويستحق الشراء فعلا". 
وتقسيم العمل ضروري ومنطقي بين الامم كما هو بين الافراد.
"الميزات الطبيعية لدولة على اخرى في انتاج سلع بعينها، عظيمة في بعض الاحيان، لدرجة ان العالم كله يعلن ىاية من العبث منافساتها في تلك السلع، فبواسطة الاقبية الزجاجية والاحواض والحوائط الدافئة يمكن انتاج انواع من العنب بالغة الجودة في اسكتلندا، وكذلك يمكن صنع نبيذ جيد جدا منها بنفقات تبلغ ثلاثين ضعفا، في الاقل، لما يمكن جلبه من الدول الاجنبية، ويكون مماثلا له في الجودة، فهل يكون من المعقول اصدار قانون يحرم استيراد جميع الانبذة الاجنبية لمجرد تشجيع صنع النوعين المعروفين بالكلاريت والبرجندي في اسكتلندا..
لخص سميث الميزات الاقتصادية للتجارة الحرة في هذه الحقائق:
"شعار كل رب اسرة حازم الا يحاول ان يصنع في منزظله ما يكلفه صنعه اكثر مما يدفع في شرائه... وما هو حزم في مسلك كل اسرة قلما يكون غباء في مملكة عظمى.. فاذا كان بوسع دولة اجنبية ان تورد لنا سلعة بأرخص مما يكلفنا صنعها بأنفسنا.
ان تقدير آدم سميث وكتابه غير المتحيز وغير المحابي، معقد حتى بعد مرور حوالي مئتي عام، فمثلا هناك نظرة باكل في كتابه "تاريخ المدنية" اذ يقول: ربما كان كتاب ثروة الامم.... اهم كتاب وضع، سواء اعتبرنا ما يضمه من كمية الفكر الاصلي، او نفوذه العملي".. ويقول ماكس ليرنر ولو انه اقل ميلا الى سميث.."ربما فعل كتاب ثروة الامم مثل ما فعله أي كتاب حديث في تشكيل منظر الحياة كله كما نعيشها اليوم".. ابدى ليرنر ملاحظته ببصيرة، فقال: "من قرأوا ذلك الكتاب هم الذين ارادوا الافادة من نظرته الى العالم –الطبقة الثائرة من رجال الاعمال ولجانهم التنفيذية السياسية في برلمانات العالم، ولجانهم التنفيذية الذهنية في الاكاديميات، وعن طريق هؤلاء استطاعت تلك الطبقة ان يكون لها نفوذ ضخم على سكان العالم الاخرين، برغم انهم عموما، لم يكونوا معروفين لهم، وعن طريقهم ايضا كان لهم نفوذ عظيم على الاراء الاقتصادية والسياسة القومية".
ابد حكم هذين الحجتين، العالم الاقتصادي الانكليزي الشهير ج.أ.ر. ماريوت الذي ابدى ملاحظاته قائلا: "ربما لايوجد أي مؤلف في اللغة كان له، في عصره، مثل ذلك الاثر العميق على كل من الفكر العلمي الاقتصادي وعلى العمل الاداري، على حد سواه، وهناك اسباب قوية في انه لايزال له هذا الاثر"... واضاف عالم اقتصادي اخر هو و.و سكوت كان سميث من الناحية الذهنية استاذا في رؤية الحياة الاقتصادية باستمرار وككل".
 وانا لنعترف بأن ادم سميث اختار العصر الصحيح لميلاده فوقف في نتصف الطريق بين حقبتين تاريخيتين، نادى بالحرية الاقتصادية الجديدة فاصفى اليه عالم متقبل، وافاد من مبادئه للحصول على تحول اقتصادي عظيم، وفي اثناء الانقلاب الصناعي ادرك رجال الاعمال البريطانيين سلامة مذاهب سميث فنبذوا القيود والامتيازات التجارية، وفي القرن التاسع عشر ابرزت هذه المذاهب بريطانيا الى العالم كأغنى امة، وقلما كانت اراء سميث اقل تأثيرا على كبرى الدول التجارية الاخرى، وقليلون هم الذين ينكرون ان ادم سميث يستحق بجدارة لقب " ابو علم الاقتصاد الحديث".