آدم سميث والحرية الاقتصادية

آدم سميث والحرية الاقتصادية

د. محمد عبد الستار البدري
إذا كان علماء الاجتماع والسياسة يرون في «جون لوك John Locke» حجر الزاوية للفكر الليبرالي الغربي الذي رسخ للحريات السياسية للفرد والدولة، فإن الوجه الآخر للفكر الليبرالي مقترن بفكر مؤسس علم الاقتصاد والرأسمالية الحديثة «آدم سميث Adam Smith»، فلقد أسس هذا الرجل علم الاقتصاد من خلال إخراجه عن المفاهيم الفلسفة التقليدية ليصبح علما مستقلا بذاته، ومن ثم فلا غرابة في أن يلقب الرجل بـ«أبي الاقتصاد»،

 وكثيرون يعتبرون كتابه الشهير والذي يختصر تحت مسمى «ثراء الأمم» الأساس الفكري لمفهوم آليات السوق الحرة الذي تعمل به الأغلبية العظمى من الدول حتى يومنا هذا، وذلك على الرغم من أن الرجل بدأ كتاباته في مجالات الفلسفة والأخلاقيات قبل التوغل في علم الاقتصاد، وقد كان لهذا الرجل دوره الكبير في تحريك الفكر الدولي بعيدا عن أفكار «الميركانتيلية» أو النظام الاقتصادي السائد في الغرب والذي بمقتضاه تقوم الدول بقصر تجارتها على مستعمراتها فقط دون أي حرية للتجارة الدولية عبر فرض التعريفات الجمركية أو حتى الحظر التجاري على مستعمراتها أمام الدول المنافسة لتجارتها، وقد مثل فكر هذا الرجل إيذانا بانتهاء هذا العصر وبداية عصر حرية التجارة الدولية، ويرى البعض أنه لولاه لما استطاعت الإمبراطورية البريطانية أن تصل إلى عظمتها من خلال التجارة والمحافظة على المصالح التجارية، فلقد آمن كل الساسة البريطانيين بنظرياته وكان لتطبيقها أكبر الأثر.
ولد آدم سميث في مدينة «غلاشكو» الأسكوتلندية عام 1723، ثم تخرج في جامعة أكسفورد ودرس بها، ثم عاد إلى موطنه الأصلي بعد ذلك وسافر إلى فرنسا حيث التقى بالكثير من المفكرين في ذلك الوقت والذين كان لهم أكبر الأثر في تطوير فكره الحر، وكان لصداقته للفيلسوف «ديفيد هيوم» أثرها الكبير في تنظيم منهجه الفكري فلقد اتبع الرجل المنهج التجريبي في فلسفته وصياغة نظرياته، ومن خلال كتابه الشهير «ثراء الأمم» حاول الرجل معرفة الأسباب المؤدية إلى ثراء الأمم، وكيف أن الأمم يمكن لها أن تستفيد أكثر من خلال نظام تجاري دولي حر يسمح بالتطور الصناعي والزراعي على حد سواء رافضا فكرة أن ثراء الدول مقرون بما لديها من ذهب أو فضة كما كان سائدا في ذلك الوقت.
لقد ارتكز آدم سميث في نظريته على خلفية كون الثراء يأتي من خلال القضاء على الانغلاق الاقتصادي وتوسيع رقعة التجارة الدولية، وكان رأيه أن الأمم تتطور نحو مزيد من الثراء بشكل تلقائي، مؤكدا أن هذا ثراء يقاس بحجم إنتاجها من السلع والخدمات، وهذه كانت نقطة تغير محورية تختلف تماما عن الفكر السائد في ذلك الوقت، ومع ذلك فإن تحقيق هذا الهدف يحتاج لعدد من الركائز التي لا يمكن تحقيق الانطلاقة الاقتصادية نحو الرخاء والرفاهية من دونها وعلى رأسها حتمية بناء السلام الداخلي في المجتمعات والدول، ثم يأتي بعد ذلك أهمية إيجاد نظام ضريبي غير خانق حتى يمكن للأفراد والمؤسسات أن تطور نفسها بما يسمح بتراكم رأسمالي مناسب، ومن خلال هذا التراكم يمكن للدولة أن ترفع نصيبها من الضرائب، أما العنصر الثالث، بالنسبة له فكان الإدارة المتوازنة للعدالة، ومن خلال هذه العناصر الثلاثة تستطيع السوق أن تنظم آلياتها بشكل طبيعي إذا ما تخلت الدولة عن سياساتها الحمائية وتركت آليات السوق لمصيرها الحر المتوقع.
إذا كان سميث قد وضع عددا من الركائز لمثل هذه الانطلاقة، فإنه كغيره من الليبراليين رأي في الإنسان الطبيعي قوة داخلية تدفعه نحو المصلحة الذاتية وحب المال، وهو ما لم يكن متناقضا مع البيئة الاقتصادية التي كان يروج لها، فمن خلال هذه الغريزة الإنسانية فإن الإنسان يمكن له الارتقاء بوضعه الاقتصادي من خلال آليات السوق الحر وفقا لقدراته وإمكانياته، فكان يرى أن مجموع هذه الغرائز نحو الثراء والمصلحة الذاتية يمثل قوة الدفع الحقيقية للمجتمع ليرتقي بنفسه نحو مزيد من التطور المتمثل في الثراء المادي والثقافي والفكري على حد سواء، شريطة أن يتم رفع كل المعوقات أمام تطور الفرد والمجتمع معا.
لقد أطلق سميث مجموعة من الأفكار الأساسية التي لا تزال تلازمنا حتى اليوم كسندات أساسية للفكر الرأسمالي، وعلى رأسها مفهوم «تقسيم العمل Division of Labor»، وعلى الرغم من أن هذا المفهوم ليس بجديد، ولكنه أخذ طابعا خاصا لدى «سميث» في كتابه، فلقد رأى أن التطور يأتي من خلال توزيع الأدوار في عملية الإنتاج، بحيث يمكن لكل فرد أن يتخصص في جزء من العملية الإنتاجية فيتقنها وهو ما سيؤدي لتوفير الوقت والطاقة ويفتح المجال أمام التطوير والإنتاج المتوسع بتكلفة أقل، فكان يرى في هذه النظرية قاطرة التطور في المجتمعات الصناعية والتي بدأت بلاده تعيشها مع ظهور الثورة الصناعية الأولى.
لعل من أهم المفاهيم التي رسخها «آدم سميث» في العقيدة الفكرية الدولية كان مفهوم «الأيدي الخفية The invisible hand»، وهو المفهوم الذي يطلقه الاقتصاديون على الوسيلة التي تدار بها الأسواق في المجتمعات المختلفة، فيرى سميث أن إدارة الاقتصاد من خلال العرض والطلب إنما هي وسيلة طبيعية ولا تحتاج لتدخل كبير من قبل الحكومات من أجل الوصول لمراحل التوازن الداخلي في كل سوق، أي أن آليات السوق كفيلة بأن تنظم نفسها دون الحاجة لأي تدخل خارجي، وهو أمر طبيعي بالنسبة له، وبالتالي يكون دور الحكومات هو تنظيم الأطر العامة لهذه الاقتصادات لضمان حرية السوق الكاملة، وهنا يعود «سميث» مرة أخرى إلى مفهومه الإيجابي للفرد وطبيعته.
واقع الأمر أن فكر آدم «آدم سميث» كانت له توابعه الاقتصادية والسياسية المهمة إلى يومنا هذا، فإلى جانب كونه مؤسس علم الاقتصاد، فإن فكره حول إدارة الدولة للسوق وآلياته كان لها أكبر الأثر في تطوير مفهوم آليات السوق الحر وكسر جمود فكر الحمائية والتدخل غير المبرر للدولة والذي كان سائدا في ذلك الوقت، كما كان له أكبر الأثر على الكثير من المفكرين في زمنه بالأخص على فكر ثورة الولايات الأميركية والتي كان من ضمن أهدافها كسر الحمائية الإنجليزية المفروضة على تجارتها ورفع الجمارك والضرائب الباهظة عن كاهلها، كما كان له أكبر الأثر على الثورة الفرنسية وفكرها أيضا، وهو ما يعكس حقيقة أساسية وهي أن الفكر الليبرالي ما كان له أن ينتعش بالبعد السياسي وحده دون التكامل مع البعد الاقتصادي، وإذا كنا نعيش اليوم عصر الليبرالية السياسية ومفهوم آليات السوق الحر، فإن الأساس الفكري لهذا التيار يظل مرهونا بفكر «آدم سميث» ومن قبله الفيلسوف جون لوك.