الطاووس الأبيض  ليست لها أية صلة بالطواويس

الطاووس الأبيض ليست لها أية صلة بالطواويس

نشأت رواية الطاووس الابيض التي كتبت واعيدت كتابتها ثلاث او اربع مرات على مدى ثلاث سنوات خلال ساعات الفراغ او في العطل من تجارب حياة ديفيد هربرت لورانس في ميدلاند. ومنذ بداية مسيرته الأدبية أبدى أصالة وعدم اكتراث بالأدب السائد، الذي كان في ذلك الوقت منكباً على " الشكل " في الرواية، ورافقه فراغ في المحتوى بالنسبة إلى لورنس.

ولم يكن تأليف رواية عرضاً فنياً لحكاية مختلقة ولا مجرد قطعة من التسلية المثيرة – بل كانت " مغامرة ذهنية " تهدف في المقام الأول إلى وضع القارئ في تلامس مع الحياة.
لقد مقت أنواع الكتابة " الشكلانية " كلها وأخطاؤه التي ارتكبها مرجعها الغالب إلى تصميمه الشديد على أن يكون صادقاً مع الحياة كما عرفها. وللسبب نفسه تنتهي روايته كمالعتاد بهدوء، وبدون حسم تقريباً – لأن النهاية الماهرة أو المثيرة ينبغي دائماً أن تزيف الحياة.
وضع لورانس القارئ في أنه سوف يكون مستعداً لمواجهة حقيقة ان " الطاووس الابيض " ليست عملاً ادبياً مبنياً ببراعة اصطناعية، إذ أنه يمثل جزءاً من فترة شباب لورنس أعيد بناؤه تخيلياً على الرغم من انها ليست رواية تعتمد على السيرة الذاتية على غرار " ابناء وعشاق". أن تلك هي الأماكن التي ترعرع فيها والأشخاص الذين نشأ بينهم وإن كان الكاتب يحتوي خطأً خطيراً، فذلك مرجعه إلى حياء المؤلف وانعدام ثقته في نفسه التي قادته إلى تناول شخصيات من الطبقة العاملة وخلع مظهر الطبقة المتوسطة الخادع عليها.
وأفضل المشاهد هي تلك التي ينسى فيها الشاب كياسته الزائفة، ويمنحها الحياة في مزرعة سترلي ميلز وفي نزل رام إن دون أية محاولة لجعلها تنتمي الى الطبقة المتوسطة.
ما الذي كان يحاول أن يفعله لورانس بإعطائه هذه الرواية العنوان الخاطئ الغريب. " الطاووس الابيض " التي ليست لها اية صلة بالطواويس، بيضاء كانت ام خضراء مائلة إلى الزرقة، وصلتها كلها بأشخاص إنكليز ينتمون إلى تربة وعقلية ما قبل نصف قرن؟ لقد كان لورنس شخصاً شديد التعقيد ومتناقضا مع نفسه، وكأنه ينطوي على ذاتين متعاندتين تتصارعان دائماً للسيطرة.
كان أبعد ما يمكن عن " التماسك " المصطنع للسياسي أو الأديب. هكذا أحب موطنه دربيشير " ارضي ميدلند"، كما كان يقول بفخر، إلا أنه خاف وفرّ هارباً مما كان بالنسبة إليه " بليّة " حركة التصنيع التي اجتاجتها، وتبرؤ الحياة " العضوية " القديمة لإنكلترا من الحياة "الممكننة" الجديدة، التي " تفوح برائحة متع المال العفنة " في رواية الطاووس الابيض، التي تعود بتاريخها إلى ايام كانت السيارات لا تزال اختراعاً جديداً، وهذا الانقسام المشبوب فيه كان فقط في بدايته، انها رواية عن فترة شبابه، مترعة بالحب الرقيق، والندم الكئيب على الشباب العابر.
في هذا الكتاب هنالك مقاطع شعرية عديدة تبين كم كان لورانس كاتباً طبيعيا فصيحا وجميلا، اضافة الى استخدامه للفقرات " الهدير المتواصل للرياح"، " بعض الاحصنة الخشبية انطلقت مسرعة "، " وبعد قليل خرجنا نحن ايضا"، " لقد ولدت في شهر ايلول "، " واخيراً بدأ فصل الشتاء " ومصطلحات اخرى عديدة التي تعطي للنص شكل قطعة من الفكاهة الساخرة والملاحظة المثالية، رغم ان كان مقدراً للورانس ان يلحق ويتجاوز انجازه في " الطاووس الابيض" ولكن عندما نشر للمرة الاولى في شهر كانون الثاني، لبس الادب الانكليزي شخصية جديدة عظيمة كادت تكون غير مدركة، ذلك أن عدداً ضئيلاً من النقاد لاحظوا وجود الكاتب وفقط واحد أو اثنان على الأكثر فهموه.