ترويض الصعلكة..قراءة في قصائد (الدائرة خارج الشرنقة)

ترويض الصعلكة..قراءة في قصائد (الدائرة خارج الشرنقة)

قيس كاظم الجنابي
لعنوان مجموعة الشاعر أمير الحلاج (الشرنقة خارج الدائرة) احالات واضحة الى فكرة الخروج والتمرد، بعيداً عن الأطر المرسومة او المعتادة ؛ فالدائرة هي اشبه بالكرة الأرضية، والشرنقة هي شرنقة دودة القز التي تنتحر لتفتض شرنقتها وتدمر جماليات حريرها. ذلك ان منتجي الحرير يعمدون الى قتل يرقات دودة القز، لغرض الحصول على حرير سليم.

وفكرة الافتضاض/ التدمير هي جزء من سايكلوجية رسمها طريق الصعلكة، هذا حفلت قصائد هذه المجموعة بفكرة الانتحار، الوخز، الضرب، التدمير، النتف، الدفن، التمزيق، السلخ، الحرق، السم.. وغيرها.
اذا كانت دائرة الكون هي التي تحتوي الحياة كلها، وهي شرنقة فوق جميع الشرانق؛ فكيف يمكن خروج هذه الدائرة عن السطوة الرمزية للسلطان المتعددة المنظورة وغير المنظورة، لان المعاناة دائماً ترفض القيود وتتوهم الحرية؛ حرية التعبير والبحث عن لذائذ الحياة في الجسد والخمر ولذائد الكلمات التي تنتحر، او تتوغل مثل المسامير في جسد الخوف والضوابط المفروضة. وشاعر مثل أمير الحلاج، بدأ حياته متمرداً، اختار ان تكون موضوعة التدمير/ الانتحار الافتراضي خلاصاً من الشرنقة، لكنه نسي بانه له شرنقته الخاصة وموته الافتراضي الخاص، ذلك ان الافتضاض الذي توحي به هذه الشرنقة هو نزعة لتحقيق وجود جديد، بطريقة تحاكي افتضاض الجسد الانثوي، لانه نقطة تحول جذري في الجسد، يحدث بطريقة شبه قسرية توحي بها الرغبة الغريزية، وحلم الخصب واعادة انتاج الحياة عبر الحمل والولادة، وهو مشكلة تتأسس بالخوف من المجهول والرغبة في اكتشافه. وهنا نتساءل: لماذا تحولت فكرة الافتضاض الى اندحار / انتحار؟
أهي تنطلق من الخوف،او من العار؟
-2-
تعد الاجابة عن اي سؤال وجودي، قراءة موازية للنص، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان السواد الذي ورد ذكره هو مضاد لبراءة البياض، والعيون والمرايا هي العدسات لتوثيق وتجسيد محاولات الشاعر في التعبير عن فكرة الافتضاض؛ بوصفها تعبيراً عن وهم التغيير، ففي قصيدة (عذراء داخل الشرنقة) وهي اول قصائده يقول:
حين رأيت الحائك يُطعِّمُ بالقطن الحريرَ
انتحرت بفضِّ بكارتها القزِّ،
يا لجرأتها بممارسة الاحتجاج، [دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2016م/ ص16].
تبدو الجمل الاسمية مدججة بالأفعال، والتي هي عبارة عن جمل فعلية، وليست ثمة سياقات واضحة، ولكن ثمة استجداء لحق الحياة والسمع، فالناس يضطرون الى البقاء بين الجدران، والصورة هنا موزعة بين الصوت والصورة، متسلسلة منطقيا، والجمل مترابطة برغبة في تأسيس قصيدة تتخلى عن ضوابط مسبقة او مفروضة سلفاً، كما تبدو لعبة الكلام وكأنها لعبة قدرية تتعلق بكينونة الوجود ذاتها، ذلك ان استبدال الابواب بالجدران يعني القبول بالموت او الانتحار،كما هو موت دودة القز وهي تقتل بالماء الحار، من اجل ان يتبرج بحريرها الأغنياء.
لهذا تنكسر ابتهالات الأعياد بارتداء السواد، في قصيدة(طقوس) فتبدو اليد المرتعشة بالسر، وثمة مفارقات ومتضادات وصراعات بين النحيب واللهو، كما ينحسر الضوء حين تصغر الشمس في النافذة لتتسيّد الخلفية السوداء، مثل الدخول في العماء الأسود الذي يعد ظاهرة كونية تعبر عن انتحار الحياة وتلاشي الدفء، كما الشتاء هو مثل ازميل النحات،وكما يشح بصيص الضوء وتتكسر الأحلام. وفي قصيدة (روضة من الجليد) يحصل فعل الوخز/ الوخز بما يدفع العيون للتخلي عن وظيفتها.
-3-
ادت لعبة الانتحار وهيمنة الوجع الى شيوع الظلام والسواد، فثمة محو وضغط وانسلاخ ونتف وسلخ وحلج وتمزيق؛ اي ثمة عمليات تطهير قسري ينال ديمومة الحياة وكينونتها، وخاصة في سطوح الاشياء، لان ثمة محاولات لتغيير هويتها، وقدرتها على البقاء، او على الاحتفاظ بصورتها الحقيقية، وهذا بدوره يؤدي الى انحسار لون البياض وامتداد الالون المعتمة، حتى اصبح في قصيدة(محاق) يبحث عن ماعز اسود اللون للامتداد الى البحر، لان السواد لديه هنا متصل بالغربة، لذا يقول:
فالسواد نمّى خيمة الشعر دون حدود
ونبحث عن ماعز اسود اللون للامتداد الى البحر،
يا أيها الاسود المستكين بحمّى اختلال اليقين
متى الصحو يفتح عينيك كي تستقرّ بعذب الصواب
وكل الضفائر
كالجبل يسحب ما يشرئب من الغابة المستريحة للنوم [ص57]
وهنا تهيمن ادوات الاستفهام والنداء والجمل الانشائية، وينحسر الفعل مع انحسار البياض، بوصفه لوناً وهاجساً يضفي ظلاله على الصور، وبوصفه هاجساً وجودياً يشير نحو حساسية التعامل مع الاشياء، وعلى مشاعر الناس الذين هجروا البهجة واستكانوا للحزن عبر صور مرآوية تعد المرآة والعين واحدة من آليات عملها في قصيدتي(مراسيم الهجرة، لحظات مسلسل قبلة)،والمرأة هنا هي صورة عاكسة لعمل العين، والعين هي اداة الابصار ومنح الاشياء الوانها؛ لهذا يعد حضورها استكمالا لصورة الانتهاك المستمر لبراءة الاشياء وعفوية الوجود.
-4-
اذا كانت الصورة الشعرية تعمل بشكل متناغم مع الصورة الحسية/ البصرية بشكل جلي، فإنها تحاول خلق حركة فاعلة تتخلى عن المرآة العاكسة،كما تحاول تأسيس وجودها بقوة من خلال بناء الجملة الشعرية التي تحاول ان تستثمر قدرة العين في الانتقال من الحس الى الحدس؛ اي ان تمتلك فلسفتها الخاصة، ذلك ان العين لها حضورها في العديد من قصائدها، منها: (عتمة،ضرع، صراخ، حروب ملونة، ملاحظات عابرة، حين ينسى المهاجر، لحظات مسلسل قبلة، حوار الكؤوس، اجراس، انهم يعبرون، سرقة، مقاتل)؛ ففي قصيدة (عتمة) تشكل الصورة البصرية القائمة بين تضاد الضوء والظلمة محوراً مهماً، فهو يقول:
لو شحِّ بصيص الضوء المتسللُ
من شقّ في الجدار
كيف تداريك العتمة
وهبوبةٌ من ريح تقتل وهج الفانوس؟ [ص28]
وهنا نتساءل: لماذا يشح الضوء، ولماذا هذه الـ(لو)، او الاشترط،والجمل الاسمية المتسائلة التي تضلل الخائفين في خوفهم؟ ولماذا يهزأ منا (المكفوفون)في قصيدة (حروب ملونة)؟ مع انهم نتاج تلك الحروف، الأنهم يحدسون الحقيقة؟
ثمة عيون مفتوحة تتحدث عن رواد المقهى مملوءة بالثرثرات في قصيدة (ملاحظات عابرة)، في صورة تزاوج بين الحرب وطلقاتها وبين الصورة الشعرية، في مفارقة حسية وجودية لتدمير هاجس الرؤية، لان العين ما عادت قادرة على التعبير عن وجودها الحقيقي،وخصوصاً عند وجود بدائل او عدسات تعوض عنها، كما في قصيدة(حوار الكؤوس) عبر صورة رسمها خارج اطار اللوحة، ثم يحاول ان يغمرها بفيض من الالوان، اذ يقول:
كثيرة ألوان الكؤوس
منها الشفافة
منها الخزفية بجمع الالوان،
لا فرق بين كأس خزفي او شفاف [ ص 76]
وهنا يختلف الطابع الجمالي لان الكأس الخزفي (يستمتع بالنظرات)، فتزرع النساء(العيون المتساقطة من المحاجر/ في خطوط البن المترسب)، لان هذه الكؤوس (تؤدي عناء الوظيفة)،ولكنها تعاني ونحن نجهل ما تعانيه، لقوله:
اذ يتلّون الشفاف منها
بلون يُقارب لون الحليب
ولون يماثل لون الكأس الشفاف
والوان تتزاوج
كالألوان الزيتية في رسم اللوحة
بين الأصفر والأخضر والخمري
ولون البدر المجروح.
كؤوس خزفية
اداء وظيفتها ينتهي بانتهاء الذي تحتويه. [77]
ثمة محاولة لخلق مقاربات /مقارنات بين وعاءين، بوصف الوعاء هو الجسد المحيط بالصورة، او الجزء المولد لها، ما يسمح بدمج الصورة البصرية للكأس مع اللوحة بوصفها نتاجا ابداعيا مهما، وابتكار رسام له هو خيال ابداعي ورؤية خاصة، تحاول ان تزيح الافعال، تقلل من حركتها وحضورها وقدرتها على بناء الجمل، مع العلم ان الفعل له دور اساسي في بناء الجملة العربية.
-5-
في قصيدتي (سرقة، مقاتل) يستثمر علاقة اللوحة بالحس البصري في الاولى، عبر لوحة وشم لم تألفها عيون المستكشفين، في محاولة لربط الوان الشفق بما تراه العين، من اجل ربط الصورة المبتكرة مع الموجودات والكيانات المختلفة، اذ يقول في الثانية:
وجهةُ السير ومدونة السيرة
حيث العيون الملقة بصخور اسدالها ستارة الختام
تقترف دفع التكاثر لأوّل التعجيلِ
علّ رقصات الاشجار
تبث سحنات القحط [ص104]
فيجري التزاوج بين الحركة والصورة الحسية، عبر علاقة الضوء بالعطر، وهنا يحصل نوع من التراسل بين الحواس، كما في(شروع عطرها الحامل الدلو الساكب الضوء)، او كما يغني السحاب (عيونا تطلق في جوف الجو المتلبد / مناطيد مطر القبلات)؛ مما يكشف عن علاقة الصورة بالوجود، في محاولة من الشاعر لان يستثمر النوافذ المختلفة لبناء صورة مترعة بالدلالات، عبر لغة شعرية مترفعة تحاول تأسيس وجودها العميق على وفق علاقة الجسد/ الكون / العين بالأحداث المحيطة به، لان البناء الشعري هو الاساس لتأسيس رؤية جدية لكتابة القصيدة.
من خلال هذه الصحبة لقصائد مجموعة الشاعر أمير الحلاج(الدائرة خارج الشرنقة) يمكن ان نستشف بعض النتائج والرؤى التالية:
- ان الانتهاكات لعذرية الجسد شكلت محوراً مهما من خلال محاكاة هذا الانتهاك بحية دودة القز. ثم محالة بناء صور شعرية تحاكي هذا الفعل التدميري، عبر لغة ذات بناء ينحسر فيه استخدام الفعل لاحلال الاسم مكانه.
- تبدو الالوان الطبيعية جزءاً من تكون تلك الصور، ولكن ثمة ضغوطا مستمرة من اللون الاسود لاشغال الفضاءت الموجودة. بما يسمح بانتهاك عمل الحواس الموجودة، بحيث ادى ذلك الى اختلاطها او تداخلها.
- ثمة محاولة للارتفاع بحياة الصعلكة من فضائها المتمرد الى مصاف الحية الطبيعية.