ميريل ستريب.. الحياة في السينما

ميريل ستريب.. الحياة في السينما

 محمود الزواوي
هناك اتفاق عام بين نقاد السينما والسينمائيين والجمهور على أن الممثلة ميريل ستريب هي أقدر ممثلة أميركية معاصرة. ويتضح لمن يشاهد ميريل ستريب على الشاشة في أدوارها السينمائية المتنوعة أنها تعيش تلك الأدوار وتتقمص شخصياتها، وأن أداءها يتسم بالتلقائية والعفوية التي تقترن بأعظم الممثلين. ويصعب التمييز في معظم أفلامها بين ميريل ستريب الممثلة وبين الشخصيات التي تجسّدها والتي تجعلها تنبض بالحياة.

وإذا كانت جائزة الأوسكار وغيرها من الجوائز السينمائية تقدم معياراً للتفوق في التمثيل، فإن ميريل ستريب تحتل مركز الصدارة في عدد الجوائز التي رشحت لها أو فازت بها بين جميع نجمات هوليوود. فقد رشحت لمائة وتسع جوائز وفازت بثمان وخمسين جائزة سينمائية. وهي صاحبة الرقم القياسي في عدد الترشيحات لجائزة الأوسكار وهو 13 ترشيحاً، وذلك بعد أن تخطت صاحبة الرقم القياسي السابق الممثلة الراحلة كاثرين هيبيرن.

كما فازت ميريل ستريب بجائزة الأوسكار مرتين، الأولى لأفضل ممثلة في دور مساعد عن دورها في فيلم «كريمر ضد كريمر» (1979)، والثانية لأفضل ممثلة في دور رئيس عن دورها في فيلم «خيار صوفي» (1982). ورشحت ميريل ستريب لجائزة الكرات الذهبية 21 مرة وفازت بتلك الجائزة خمس مرات. وفازت بجائزة أفضل ممثلة من مهرجان كان السينمائي الدولي عن فيلم «صرخة في الظلام» (1988)، وبجائزة أفضل ممثلة من مهرجان برلين السينمائي الدولي عن فيلم «الساعات» (2002)، وبجائزة فخرية من مهرجان موسكو السينمائي الدولي في العام 2004 كما فازت ميريل ستريب بجائزة خيار الجمهور في التصويت الشعبي السنوي بالولايات المتحدة سبع مرات، وهو إنجاز لم يحققه أي فنان آخر.
وقد ظهرت بوادر مواهب التمثيل لدى ميريل ستريب في سن مبكرة، وتم صقل تلك المواهب وتنميتها في أفضل المعاهد الأكاديمية. وأظهرت اهتماما كبيرا بالنشاط المسرحي خلال مرحلة دراستها الثانوية، ثم واصلت نشاطها المسرحي في جامعة فاسار، وهي واحدة من أشهر الجامعات النسائية الأميركية، حيث تخصصت في دراسة الفنون المسرحية. وبعد التخرج تابعت دراستها العليا في جامعة ييل المرموقة، أشهر الجامعات الأميركية في دراسة الفنون المسرحية، وقامت في تلك الجامعة ببطولة 40 مسرحية على مدى ثلاث سنوات. ومن هناك توجهت إلى مهرجان شيكسبير المسرحي بنيويورك حيث قامت ببطولة العديد من المسرحيات قبل أن تثبت وجودها على مسارح برودواي وتصبح واحدة من أكبر نجماتها.
وظهرت ميريل ستريب في باكورة أفلامها السينمائية وهو فيلم «جوليا» (1977) مع الممثلتين القديرتين جين فوندا وفينيسا ريدجريف، حيث لفتت الانتباه في دورها القصير نسبيا. وبعد ذلك توالت أدوارها السينمائية المتميزة التي تطلبت في بعض الأحيان إجادة لهجات أجنبية، ونجحت في أدائها بنجاح كبير أثار إعجاب النقاد وعاد عليها بالكثير من الترشيحات والجوائز السينمائية، كاللهجة البريطانية في فيلم «زوجة الملازم الفرنسي» (1981)، واللهجة البولندية في فيلم «خيار صوفي» (1982)، واللهجة الدانماركية في فيلم «من إفريقيا» (1985)، واللهجة الأسترالية في فيلم «صرخة في الظلام» (1988)، واللهجة الإيطالية في فيلم «جسور مقاطعة ماديسون» (1995). واكتسبت ميريل ستريب منذ بداية مشوارها السينمائي الطويل سمعة ليس كممثلة قديرة وموهوبة تعيش الأدوار التي تقدمها على الشاشة فحسب، بل وكمهنية تعد لتلك الأدوار إعدادا مستفيضا عن طريق الأبحاث الميدانية التي تحتاج أحيانا إلى العيش في البيئة التي عاشت فيها بطلات أفلامها أو التدرب على أيدي مدرسين متخصصين في اللهجات المختلفة. وتدربت على اللهجة البولندية وتعلمت اللغة الألمانية أثناء الإعداد لدورها في فيلم «خيار صوفيا» الذي يتعلق بلاجئة بولندية يهودية من الناجين من معسكرات الاعتقال النازية تعيش في مدينة نيويورك. وأمضت ميريل ستريب عدة أشهر في الاستماع إلى تسجيلات بصوت الكاتبة الدانماركية أيزاك دينيسين للتدرب على اللهجة الدانماركية استعدادا لأداء دور بطلة القصة كارين بليكسين، وهو الاسم الحقيقي للكاتبة أيزاك دينيسين، في فيلم «من إفريقيا» (1985) المبني على حياة تلك الكاتبة. كما شمل الإعداد لدور ميريل ستريب في فيلم «موسيقى القلب» (1999) المبني على قصة حقيقية تتعلق بحياة الموسيقية روبرتا جواسباري، التدرب على العزف على الكمان على يد عازفة ومعلمة موسيقى محترفة لمدة ست ساعات يوميا على مدى شهرين لكي تجيد دورها بشكل واقعي في الفيلم. وقد بلغت من البراعة في العزف على الكمان إلى درجة أنها اشتركت في العزف على تلك الآلة في حفلة للفرقة السيمفونية بمدينة نيويورك صورت ضمن مشاهد الفيلم.
وثبتت ميريل ستريب مكانتها الفنية كممثلة قديرة في فيلمها الثاني «صياد الغزلان» (1978) الذي حصلت فيه على أول ترشيح لها لجائزة الأوسكار. واقترن اسمها منذ ذلك الوقت بأدائها الواقعي المرهف الحساسية في أفلامها وبترشيحها وفوزها بالجوائز السينمائية. ومن أبرز أفلامها الأخرى فيلم «مانهاتان» (1979) وفيلم «سيلكوود» (1983) وفيلم «أيرونويد» (1987) وفيلم «صرخة في الظلام» (1988) وفيلم «بطاقات بريد من الحافة»)1990(وفيلم «النهر الجامح» (1994) وفيلم «جسور مقاطعة ماديسون» (1995) وفيلم «غرفة مارفن» (1996) وفيلم «اقتباس» (2002) وفيلم «الساعات» (2002) وفيلم «المرشح المنشوري» (2004). ويعرض حاليا فيلمان جديدان للممثلة ميريل ستريب، من بين خمسة أفلام تقوم ببطولتها هذا العام، بالإضافة إلى فيلمين آخرين تشترك فيهما بصوتها. وأول هذين الفيلمين الجديدين هو فيلم «رفيق موطن المروج» الذي يجمعها مع المخرج المخضرم روبرت ألتمان ومع عدد من أقدر الممثلين الأميركيين ومنهم ليلي توملين وكيفين كلاين وتومي لي جونز ووي هاريلسون وجون رايلي. وتتعلق قصة هذا الفيلم بواحدة من أشهر الفرق الغنائية الإذاعية الأميركية. والفيلم الثاني هو فيلم «الشيطانة ترتدي أزياء برادا» للمخرج ديفيد فرانكيل. وتقوم في هذا الفيلم بدور رئيسة تحرير مجلة أزياء معروفة بشدتها وقسوتها.
يشار إلى أن الممثلة ميريل ستريب تتمتع بصوت أوبرالي ساحر، وقد بدأت تلقي الدروس على الغناء الأوبرالي في سن الثانية عشرة، إلا أن عشقها للتمثيل حول اهتمامها نحو المسرح والسينما. وقد تنافست مع المغنية مادونا على بطولة الفيلم الغنائي «إيفيتا» (1996)، وقامت بالإعداد لذلك الدور على مدى أكثر من عام قبل أن يفشل الاتفاق بينها وبين منتجي الفيلم ويذهب ذلك الدور للمغنية مادونا، وكانت ميريل ستريب قد حلت محل مادونا في دور البطولة في فيلم «صرخة في الظلام» (1988). وبرزت مواهبها كمغنية في فيلم «بطاقات بريد من الحافة» (1990) وفي فيلمها الجديد «رفيق موطن المروج».
وتؤهل الأدوار السينمائية المتنوعة التي قامت بها الممثلة القديرة ميريل ستريب بجدارة واستحقاق منحها لقب «سيدة الشاشة الأولى» في الولايات المتحدة. وقد أطقلت الممثلة القديرة ديان كيتون الحائزة على جائزة الأوسكار على زميلتها ميريل ستريب لقب «عبقرية جيلي». وقد تقاسمت هاتان الممثلتان بطولة الفيلم المتميز «غرفة مارفن» (1996) مع النجم السينمائي ليوناردو ديكابريو ورشحت الأولى عن دورها في الفيلم لجائزة الأوسكار، فيما رشحت الثانية لجائزة الكرات الذهبية.

عن جريدة الغد الاردنية