رواية  العطر   لزوسكند.. وقصة قاتل لتوم تايكور

رواية العطر لزوسكند.. وقصة قاتل لتوم تايكور

إعداد/ علاء المفرجي
رواية"العطر"صدرت عام 1985 للكاتب الألماني باتريك زوسكيند، وهي من أشهر أعماله, وقد ترجمت إلى نحو 46 لغة من ضمنها العربية حيث ترجمها نبيل الحفار ونشرتها دار المدى, وبيع منها ما يقرب من 15 مليون نسخة حول العالم. وكانت بداية شهرة زوسكيند في عام 1981, حين عرضت مسرحية"عازف الكونترباس"Der Kontrabass،

 وهي مونودراما من فصل واحد, وقد عرضت في الموسم المسرحي لعامي 19841985 أكثر من 500 عرض, وتعتبر بذلك أكثر المسرحيات عرضا في تاريخ المسارح الناطقة بالألمانية, وتعتبر كذلك من أهم المسرحيات في المسرح العالمي. والمسرحية مترجمة للغة العربية وقام بترجمتها المترجم المصري سمير جريس عن الألمانية مباشرة وصدرت عن إحدى دور النشر المصرية.

كما اشترك زوسكيند في كتابة العديد من المسلسلات التلفزيونية, والأفلام مثل"البحث عن الحب وإيجاده".
تحولت الرواية الى فيلم  عام 2006, على يد المخرج توم تايكور ومن بطولة بن ويشا, آلان ريكمان, ريتشيل هيرد وود وداستين هوفمان. تدور أحداث الفيلم والرواية حول جان باتيست جرونوي عبقري حاسة الشم وعن سعيه لإيجاد العطر الكامل.
تبدأ أحداث الفيلم حيث يولد بطل الفيلم جان باتيست جرونوي، في أحد أسواق السمك الباريسية. رغم رغبة أمه المعتادة على التخلي عن أبنائها من السِفاح بالتخلص من الرضيع برميه وسط كومة قمامة، الا أن أمرها أُفتضح عندما انتبه المارة ورواد السوق لصرخات الطفل المتشبث بالحياة، وهكذا تم إنقاذ الطفل واقتياد أمه للإعدام, فينتهي المطاف بالرضيع في دار أيتام السيدة كايار التي تؤوي الأطفال بمقابل مادي, وهناك عاش جرونوي سنوات طفولته الأولى منبوذاً من طرف أقرانه.
في سن التاسعة ينتقل جرونوي للعمل في مدبغة الدباغ جريمال الرجل الصارم الفظ بعد ان باعته السيدة كايار كعبد, ولكن فوراً بعد ان قبضت النقود تمت سرقتها وقتلها من قبل لصين وهي عائدة إلى منزلها. وبعكس باقي الدباغين المتذمرين من روائح المدبغة النتنة كان جرونوي يعيش بشغف وسط كنز من الروائح والاكتشافات الحسية التي كانت تشحذ حاسة شمه الفذة.
أثناء تجوله في باريس في احدى الليالي، انجذب جرونوي لرائحة فتاة شابة صهباء خضراء العينين، كانت رائحة ساحرة لجرونوي، ما ولد لديه رغبة شديدة في تملك عطر الفتاة فلاحقها متتبعاً رائحتها ولكن عندما صرخت خوفاً منه اغلق فمها بيده كي لا تجذب انتباه المارة من الطريق وعندما أزال يده عن فمها وجد بأنها ماتت من دون ان يقصد قتلها.
يغتنم جرونوي لقاءه بالعطار بالديني ليستعرض أمامه مواهبه الشمية، فلا يتردد بالديني في انتشاله من مدبغة جريمال ليوظفه كعطار متعلم في معطرته المنتصبة فوق احدى قناطر باريس. كان بالديني عطاراً عجوزاً ذا خبرة في تقنيات العطارة الا أنه كان يعيش فترةً قاسية على صعيد عمله، وكان ظهور جرونوي في حياته فرصة لاسترجاع مجده الضائع ومواجهة المنافسة الشرسة من صناع العطور الباريسيين. وهكذا توطد بين الرجلين توافق ضمني: جرونوي يبتكر وصفات جديدة من العطور لفائدة بالديني مقابل اقتسام الأخير لمعارفه التقنية مع عطاره الشاب.
و هكذا نَمّى جرونوي خبرته في تقنية التقطير التي تمكنه من استخلاص روائح الأزهار، الا أنه سرعان ما صدم بعدم قابلية تطبيق نفس التقنية لاستخلاص روائح أشياء أخرى كالنحاس الأصفر مثلاً. فيسقط جرونوي طريح الفراش متأثرا بصدمة تحطم طموحه في السيطرة على جميع روائح العالم، وحالما أخبره بالديني بإمكانية تعلم تقنيات أخرى أكثر تطوراً كالاستشراب في مدينة كراس استرجع جرونوي عافيته وقرر الرحيل.
اضطر جرونوي للمكوث مدة أطول في عطارة بالديني لاحتياجه لشهادة العطارة التي قايض بالديني منحها له بابتكاره لمئة وصفة إضافية تضمن لبالديني استمرار رخاء عمله رغم رحيل جرونوي. في صبيحة اليوم الذي كان فيه جرونوي مغادراً ضواحي باريس متوجها إلى كراس انهارت معطرة بالديني فوق رأسه هو وزوجته.
خلال رحلته يعتكف جرونوي في احدى مغارات جبال كانتال ليمضي فترة طويلة وحده صانعاً عوالمَ تخيلية من الروائح, ابان عزلته في جوف الجبل وعى جرونوي بحقيقة صادمة وهي عدم فرز جسده لروائح خاصة به وهو ما خلف صدمة قوية في خاطره خصوصاً وأنه لا يدرك العالم الا عبر حاسة الشم، فكان احساساً شبيهاً بعدم الوجود وهو ما حفزه لمغادرة الكهف واستئناف رحلته.
في مدينة كراس، عاصمة صناعة العطور في فرنسا عمل جرونوي بفضل شهادة بالديني في معطرة السيدة أرنولفي، حيث يعمق معارفه التقنية خصوصاً في الاستشراب. أثناء مقامه في هذه المدينة يكتشف جرونوي وجود فتاة ذات عطر أخاذ وأبلغ أثراً من رائحة الصهباء التي قتلها، انها لورا ريشي ابنة أحد أعيان المدينة فلا يزيده هذا الاكتشاف إلا مثابرة في التعلم لإيجاد طريقة تمكنه من استخلاص روائح الكائنات الحية.
حينها يبدأ جرونوي في تنفيذ جرائم قتل متتالية بغرض استخلاص العطور الطبيعية لأجساد أجمل فتيات المدينة العذارى. وهكذا تغرق كراس في دوامة من الرعب حيث تستفيق المدينة بصفة دورية على جثث فتيات حليقات الرؤوس, وتنغمس في محاولة معرفة هوية القاتل المجهول. يختتم جرونوي جرائمه بقتل لورا ريشي، التي لم ينفع حدس والدها أنطوان والحماية الصارمة التي كان أحاطها بها في تفادي نفس مصير الفتيات التي سبقنها.
يتمكن جرونوي من تركيب أكثر العطور كمالاً بتوليف العطر المستخلص من جسد لورا بالعطور الـ 12 المستخلصة من أجساد باقي الضحايا. بعد افتضاح أمره، يلقى القبض عليه ليحكم عليه بالإعدام، وقبيل اقتياده لساحة المدينة لتنفيذ الحكم تحت أنظار الآلاف من سكان المدينة يتعطر جرونوي بعطره السحري ليفقد آلاف الحاضرين صوابهم ويدخلوا في مجون وعربدة جماعيين تحت أنظار جرونوي, بفضل عطره المعجزة يغدو جرونوي بريئا في أعين جلاديه ويطلق سراحه فيغادر كراس ويعود إلى باريس حاملاً ما يكفي من العطر ليحكم العالم ولكنه يكتشف بأن عطره لن يجعله يُحِب او ان يكون محبوباً كشخص طبيعي.
عند عودته لباريس يتجه لاشعورياً إلى مكان ولادته وهو سوق السمك. هناك يفرغ قارورة عطره السحري فوق جسده ما يحوله إلى ملاك في أعين العشرات من الأشخاص المتواجدين في نفس المكان، والذين أغلبهم من العاهرات والسكارى والمتشردين. ينجذب اليه هؤلاء لدرجة نهشهم لجسده, في الصباح التالي لم يبق لجان باتيست جرونوي وجود عدا ملابسه وقارورة عطره الفارغة التي سقطت منها اخر قطرة.