باتريك زوسكيند: عن الحب والموت

باتريك زوسكيند: عن الحب والموت

لطفية الدليمي
باتريك زوسكيند Patrick Süskind (المولود عام 1949) كاتب روائي ألماني نال شهرة عالمية بعد نشره رواية العطر Das Parfum التي حولت إلى فيلم سينمائي شهير.
ولد باتريك زوسكيند في مدينة بمنطقة جبال الألب في الجنوب الألماني، وكان والده فيلهلم إيمانويل زوسكيند كاتباً ومترجماً وكذلك كان أخوه الأكبر مارتن زوسكيند يعمل صحفياً.

 بعد أن حصل باتريك على الشهادة الثانوية درس التأريخ في جامعة ميونخ في الفترة من عام 1968 حتى 1974، عمل بعد ذلك في أعمال وأماكن مختلفة وكتب عدة قصص قصيرة وسيناريوهات لأفلام سينمائية.

يعرَف عن زوسكيند تفضيله العزلة والاختباء من أضواء الشهرة، وكذلك رفضه قبول جوائز أدبية أو الموافقة على إجراء أحاديث صحفية أو مقابلات تلفازية، وبلغ به الأمر حداّ دفعه لعدم الحضور في ليلة العرض الأول لفيلم (العطر) المأخوذ عن روايته. في الحوار الذي كتبه لفيلم روسينى Rossini يصور زوسكيند حياته الخاصة بطريقة ساخرة؛ فالشخصية الرئيسية في الفيلم - وهو كاتب - يرفض أن يتقاضى أجراً كبيراً مقابل تحويل كتابه إلى فيلم، حتى أنه لاتوجد له صور فوتوغرافية إلا نادراً. يعيش زوسكيند حالياً ما بين ميونخ وباريس متفرغاً للكتابة.
تعد رواية (العطر) أشهر أعمال زوسكيند، وقد ترجمت إلى حوالي 46 لغة وبيع منها ما يقرب من 15 مليون نسخة حول العالم، وحولت في عام 2006 إلى فيلم سينمائي بعد أن اشترى (داستن هوفمان) حقوق الرواية لتحويلها إلى فيلم سينمائي بعشرة ملايين يورو. إشترك زوسكيند في كتابة العديد من المسلسلات التلفزيونية والأفلام مثل (في البحث عن الحب وإيجاده).
كانت بداية شهرة زوسكيند في عام 1981 حين عرضت مسرحية (عازف الكونترباس Der Kontrabass) وهي مونودراما من فصل واحد، وقد عُرِضت في الموسم المسرحي لعامي 1984/ 1985 أكثر من 500 عرض، وتعتبر بذلك أكثر المسرحيات عرضاً في تأريخ المسارح الناطقة بالألمانية وكذلك من أهم المسرحيات في المسرح العالمي.
نشر زوسكيند ستة أعمال هي:
- عازف الكونترباس 1981
- العطر: قصة قاتل 1985
- الحمامة 1987
- هوس العمق (ثلاث قصص) 1995
- حكاية السيد زومر 2003
- عن الحب والموت 2006
***
زوسكيند (الذي يعني الطفل الحلو في الألمانية) يكتب بطريقة تبدو تلقائية بقدر ماهي غرائبية، وهو لايفتأ يقول عن نفسه بأن أمر الكتابة المدهشة هذه قد جاءه على هذا النحو ومن غير أن يقسر الأمور قسراً. يعرَف عن زوسكيند حواراته الهادئة بين شخصيات أعماله القليلة حتى لتكاد تسمعها همساً، ولعل سبب ذلك يعود إلى حبه للعزلة والإنفراد وشغفه بالكتابة السايكولوجية الإستبطانية التي تميل لمساءلة أدق التفاصيل الصغيرة.
حصل مرة أن راح زوسكيند ينقّب في الكتب بحثاً عن مادة يوظفها في كتابة سيناريو لفلم يعمل عليه وأنتج عام 2005، وقاده البحث المضني للبحث عن سؤال جوهري لطالما شغل البشرية والفلاسفة منذ أزمنة بعيدة: (لماذا الحبّ متصل بالموت وعلى نحو جوهري لافكاك منه منذ القديم وحتى يومنا هذا؟)، وهنا كانت نقطة الإنطلاق التي شرع منها زوسكيند في كتابة كتابه (عن الحبّ والموت On Love and Death) الذي يمكن اعتباره بحثاً أدبياً تنقيبياً (مشوباً برؤية ذاتية ساخرة لاتخلو من تلميحات نزقة مقصودة) بشأن ثنائية التعايش بين (إيروس) و(ثاناتوس) منذ نقطة الشروع في عصر سيادة الثقافة الإغريقية وحتى الثقافة الأوربية الراهنة.
ليس أمر الكتابة عن الحب ومنظومة علاقاته بكل شؤون الحياة بالامر الجديد؛ ولعل المحاورات الأفلاطونية تضم الكثير من الإشارات الواضحة إلى مفاعيل الحب وتأثيراته وعلاقاته بحياة الفرد، ولاتزال هذه المحاورات تمثل نصا كلاسيكياً متفرداً وعظيم الفائدة يمكن للمرء أن يقرأه في تلذذ وإشباع عاطفة، ولن ننسى بالطبع النصوص الكثيرة اللاحقة الأخرى التي أعقبت المحاورات الأفلاطونية.
يختلف نص زوسكيند عن ماسبقه من الكُتّاب؛ فهو لايهيم - كعادته في الكتابة - في أجواء تقديسية تضفي على الحب هالة من السحر وترى فيه قوة علوية ذات سطوة كونية؛ بل على العكس من ذلك فهو يعتمد نظرة ناقدة وساخرة للحب ويرى فيه أمراً ملغزاً غامضاً باعثاً على الحيرة، كما يؤكد أن مانعرفه عنه أقلّ بكثير مما نعرفه، ولاينسى زوسكيند في غمرة عرض آرائه (التي لاتخلو من مقاربات نزِقة) أن يستعرض آراء مفكرين وفلاسفة وكتّاب آخرين ولكن بعد تكييفها بطريقته السردية المميزة. ينبغي التنويه هنا بالحيّز المهمّ الذي أفرده زوسكيند في الحديث عن الأديب الألماني هاينريش فون كلايست  Heinrich von Kleist الذي يعدّ علامة فارقة في الثقافة الألمانية رغم كل ماأحاط حياته من إشكاليات محزنة دفعته إلى الإنتحار.
يؤكد زوسكيند على كون الحب نوعاً من دفقة (تسونامي) تضرب كيان الفرد وتدفعه للإتيان بأنماط سلوكية ربما ماكان سيفعلها لو كان في حالة أخرى توصف بالهادئة والمعقلنة؛ وفي هذه الجزئية يتماهى زوسكيند مع كثيرين (منذ عصر الإغريق حتى اليوم) يرون في الحب عرضاً من أعراض الهوس العقلي المندفع بغير لجام، ومن المثير قراءة المقطع التالي الوارد في أحد الكتب المنشورة حديثاً عن جامعة أكسفورد:
ثمة صدام من نوعٍ ما بين المثال الصحي للتوازن المرتجى مع مثال الحب ذاته لأن الحب ليس ممّا يمكن تعديله وتخفيف حدته بسهولة: الحب البالغ حد التولّه يدفعنا إلى الحافات الموغلة في التطرف على صعيدَيْ الشعور والسلوك. ثمة ملحوظة تعني - ربما - أن الحب بطبيعته حالة من اللاتوازن التخريبي وربما حتى غير الصحي!!، ويمكن ملاحظة أن عدداً ليس بالقليل من الكُتّاب في أدب العصور المتأخرة قد شجبوا الحب ورأوا فيه حالة مرضية (باثولوجية Pathological)، وقد ضمّن شكسبير الفكرة ذاتها في سونيتاه 147:
حبي يشبه الحمى التي تتوق دوماً
لذلك الذي يتعهّد المرض بالرعاية لوقت طويل
يقتات على ذلك الذي يطيل أمد المرض:
الرغبة المرضية غير الواثقة من قدرتها على الإشباع
يذكّرنا زوسكيند في كتابه هذا وهو يروي قصة انسحار الكاتب الشهير العجوز بنادل الفندق الفتيّ بما كتبه الروائي الألماني (توماس مان) في روايته القصيرة (موت في البندقية)؛ إذ تنعى رواية (الموت في البندقية) لتوماس مان عصراً كاملاً موشكاً على الغروب وتقدم لعهد أوروبي جديد هو عصر الآلة الذي طبع الحياة المعاصرة بلمسته المعدنية الباردة سواء في الفن أوالأدب أوالفكر أوالاقتصاد أوالسياسة، ناقش توماس مان فيها مفهوم الإلهام في الفن وتحفيز الجمال للإبداع؛ فهذا (آشنباخ) الموسيقار الذي يعاني من عقم إبداعي شل قدرته على التأليف الموسيقي يبحث عن حافز وخلاص من الموت المحدق به، ويشير اختياره للعيش في مدينة (البندقية) التي ضربها الطاعون إلى واقع طبقة أوروبية كاملة متهاوية كانت تعتبر الجمال قيمة مقدسة وتقيم طقوس عبادته الوثنية وسط عالم يتداعى بأفكاره ومفاهيمه، ويحصل أن يلتقي (آشنباخ) بفتى مراهق جميل كان يقيم مع والدته وشقيقاته في الفندق الفينيسي الفخم فينسحر بجماله الفريد وفتنة صباه اللاهي ويشرع في اختلاق الفرص للاصطدام بالصبي ومراقبته والتعبد أمام سحره، ولبرهة يخيل إلينا أن الإيروسية المحفزة للالهام قد عرفت طريقها إلى كيان الرجل وعقله الذي كان يكابد عقماً إبداعياً، ويجد في هذا الجمال الهش والعابر للفتى المراهق نوعاً من خلاص إزاء معضلة الموت المحتم بالطاعون؛ فوظّف فتنة إيروس - التي يمثلها المراهق الجميل - لخداع ثاناتوس وتحفيز قدراته في التأليف الموسيقيّ ولو لبرهة تسبق سطوة العدم. يقول توماس مان على لسان بطلته روزالي وهي تخاطب ابنتها في رواية (المخدوعة) في سياق تمجيده الفلسفي للموت: (لا تنعتي الطبيعة بالخداع والقسوة. سأذهب الآن رغماً عني بعيداً عنكم وعن الحياة وربيعها، ولكن كيف سيكون الربيع بلا الموت؟ إن الموت سبب عظيم للحياة!).
مثلما تجاور الحب والموت في رواية توماس مان (الموت في البندقية) تجاور كلاهما في جملة حكايات من كتاب زوسكيند؛ فسالومي الراقصة الفاتنة التي أمرت بقطع رأس المتعصب الذي صدها يتداخل لديها الحب والموت: إيروس يعانق ثاناتوس ويمتزجان معاً في اللحظة الفاصلة مثلما تلاقى الحب والموت في التفاتة اورفيوس نحو حبيبته يوريديس في محاولته استكناه الحقيقة والتثبت من وجودها وراءه، إيروس دفع بالمحبوبة إلى السقوط في شرك ثاناتوس، إلتقى الحب والموت كما التقى الكاتب كلايست بمحبوبته في لحظة انتحار تراجيدية عند حدود الإيروسية المفضية إلى الفناء النهائي.
إن كتاب زوسكيند هذا (الذي يمكن قراءته بجلسة واحدة متصلة) ينطوي على متعة وتشويق عُرِف بهما زوسكيند في كتاباته السابقة، وسيجد القارئ الشغوف بالأفكار الفلسفية (وبخاصة مايتصل منها بموضوعتي الحب والموت) متعة لا تضاهى في قراءة هذا الكتاب.
مقدمة كتاب (عن الحب والموت)
 الصادر حديثا عن المدى