دو فيلبان يصف عالمنا الغارق في الدماء والتعصّب

دو فيلبان يصف عالمنا الغارق في الدماء والتعصّب

يتردد القول إن تاريخ العالم خلال المسيرة الإنسانية الطويلة هو بالدرجة الأولى تاريخ الحروب التي شهدتها ساحاته منذ الأزمنة القديمة حتى الفترة الراهنة. ولكن البشرية شهدت أيضا خلال مسيرتها فترات من السلام طالت أو قصرت... بين تلك الحروب.

وفي السياق الراهن من تطوّر المسار الإنساني سادت لفترة قصيرة من الزمن بعد سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الاشتراكي فكرة راجت كثيرا، مفادها أن المعسكر الرأسمالي انتصر مرّة واحدة وإلى الأبد. وبالتالي انتهى زمن الصراع وطويت صفحة الحروب نهائياً. وهذا ما أطلقوا عليه توصيف «نهاية التاريخ»، حسب التعبير الشائع الذي أطلقه المفكّر الأميركي، من أصل ياباني، فرنسيس فوكوياما.
لكن النزاعات والحروب سرعان ما عادت إلى المشهد العالمي... وعادت بقوّة ذكريات زمن السلام «الضائع» إلى الأذهان.
و«ذكريات السلام من أجل زمن الحرب» هو بالتحديد عنوان الكتاب الأخير الصادر قبل أسابيع قليلة لمؤلفه دومينيك دو فيلبان الذي تولّى مناصب وزارية عديدة ليس أقلّها شأناً وزارتي الداخلية والخارجية قبل أن يصبح رئيساً للوزراء في فرنسا خلال سنوات 2005 - 2007، وهو كاتب وشاعر قدّم حتى الآن عشرات الأعمال.
ما يؤكّد عليه دومينيك دو فيلبان في بداية هذا الكتاب هو أن «العالم يشهد، كما يبدو، منذ 15 سنة حالة سباق مجنون في ساحات الحروب. والشرق الأوسط غارق في دوّامة لا نهاية لها من العنف القاتل، والإرهاب الدولي ينشر تهديداته بوجه الجميع».
ومن الواضح أن مؤلف هذا الكتاب تساوره الخشية من نشوب حروب تتسع لتطول قسما كبيرا من العالم، لكنه يؤكّد أن «أوروبا لا تدرك بما يكفي مخاطر إمكانية مثل تلك الحرب الكونية».
ويمثّل هذا العمل بأحد وجوهه الأساسية توصيفا للحالة الراهنة لعالم اليوم. أمّا سماته الرئيسية فيقدّمها المؤلف في هيمنة الولايات المتحدة وصعود الصين واشتعال نيران الحرب في الشرق الأوسط. هذا كلّه بالتواكب مع شيوع حالة من التشاؤم في أوروبا والاعتراف بعجزها.
ما يشرحه المؤلف بالتفصيل في تحليلاته هو أن الحالة السائدة من الجنوح نحو العنف في السياق الراهن تجد الجذور التي عاظمت منها وجعلتها أكثر عدائية في «أشكال الخوف والإذلال والغضب» على خلفية فقدان العلاقات المتوازنة وبحث البعض عن حماية مصالحهم وتعزيزها.
هذا كلّه فضلاً عن أن «فيروس الحرب» موجود في نوازع النفس الإنسانية، ويتحدّث المؤلف أيضاً عمّا يسميه «ذهنيّة الحرب».
ولا يتردد دومينيك دو فيلبان في توجيه نوع من أصابع الاتهام لـ«الأمم الغربية» التي حاولت أن تجعل المنافسة السائدة في ظل العولمة بخدمة مصالحها و«امتيازاتها» حصريا. هذا على خلفية «رؤية للعالم» تعود إلى تاريخ القرون الثلاثة السابقة وللفترة الاستعمارية. ولا يتردد دوفيلبان في التأكيد أيضا أن مثل هذه الرؤية للعالم قد «عفا عليها الزمن».
ذلك أن المعطيات قد تغيّرت، وهناك أمم وبلدان صاعدة أخذت موقعها ومكانتها على المسرح العالمي. والإشارة أنه لا ينبغي على القارّة القديمة، أوروبا، أن تنسى هشاشتها الاقتصادية وتواضع دورها على المسرح العالمي.
وتتم في هذا السياق مناقشة السياسات التي انتهجها «المحافظون الجدد» الذين كانت لهم كلمتهم في ظل إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش. ويشرح أن تلك السياسات، والرؤية التي قامت عليها، كانت تشكّل خطرا على السلام في العالم. ويوجّه دوفيلبان في هذا السياق نوعاً من الدعوة لجميع الشعوب ومسؤوليها لتبنّي رؤية للعالم تقوم على تعزيز السلام والأمن للجميع.
ويشرح في مقاربته للعولمة وعالمها إلى نهوض وتعاظم بعض الظواهر، التي كان يُفترض أن تزول، مثل التمسّك بما يتم التعبير عنه بـ«الهويات الوطنية» وتعالي الدعوات نحو ضرورة المحافظة على «الأعراق النقيّة»، كما تعرف اليوم عدّة أمم أوروبيّة. والإشارة الى أن ضعف بنية «الدول - الأمم» دفع في الكثير من الحالات إلى العنف من قبل بعض المجموعات باسم مطالب الهوية أو غيرها من أنماط الانتماء.
ما يعرفه العالم من عنف وحروب اليوم يجد فيه المؤلف «اللحظة الحاسمة» من أجل بذل الجهود الحقيقية من أجل إحلال لسلام في العالم الذي نعيش فيه. والخطوة الأولى في هذا السبيل يحددها بضرورة أن «يفتح المسؤولون في مختلف الأمم والشعوب أبصارهم على الجراح التي يعاني منها العالم».
وعلى خلفيّة ما يستدعيه العمل على وقف التردّي القائم يشير دو فيلبان إلى ضرورة العمل من أجل إقامة «نظام دولي جديد مستقر وعادل». نظام يتم في إطاره «تجنّب إذلال الأقليات الجريحة» كي تستطيع التواؤم في المحيط الذي تعيش فيه.
ويصل المؤلف في حصيلة التحليلات التي يقدّمها في هذا الكتاب، إلى القول أن «السلام يشكّل التحدي الأكبر أمام العالم اليوم». وبعد تأكيده على صعوبة تحقيق مثل هذه المهمّة يشير أنها ليست مستحيلة إذا توفّر «الصبر والمخيّلة والإرادة». ومما يكتبه المؤلف: «أنا على قناعة كاملة أن لفرنسا دوراً عليها أن تلعبه في هذا العالم الجديد شريطة أن تستعيد روح المبادرة والتأمّل والحوار. وأن تكون وفيّة لرسالتها ولتاريخها».
وكتاب عن تاريخ الحرب والسلام خلال مسيرة التاريخ الإنساني منذ القديم حتى اللحظة الراهنة. ويبقى الأمل الكبير الذي يؤكّد عليه المؤلف ويطالب بتغذيته هو في أن «نزرع عميقاً في قلوب أطفالنا جذوة المحبّة والسلام». ودرس في التاريخ من أجل أجيال الغد.