الحقيقة، القوة، الذات..  مقابلة مع ميشيل فوكو

الحقيقة، القوة، الذات.. مقابلة مع ميشيل فوكو

ترجمة: سعاد العنزي
يُعد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (١٩٢٦- ١٩٨٤) أهم فلاسفة القرن الماضي، الذي شكل ثورة فكرية انقلابية على نظام الأفكار في العالم كله وليس الغربي وحسب..
له العديد من الكتب المؤثرة في الفكر العالمي، مثل “نظام الأشياء”، ” السلطة والمعرفة”. “تاريج الجنسانية “المراقبة والعقاب”, تاريخ الجنون , نظام الخطاب… الخ.
وكان كتابه السلطة والمعرفة مؤثرا وفاعلا جدا بساحة الفكر العربي منذ أن وظفه إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق.

س١: لماذا أتيت إلى جامعة فيرمونت؟
ميشيل فوكو: أتيت لأشرح بدقة أكثر لبعض الناس طبيعة العمل الذي أعمله، ولأعرف طبيعة العمل الذي يعملونه، ولنؤسس بعض العلاقات الدائمة. أنا لست كاتبا، فيلسوفا، ولا صورة عظيمة من حياة مفكر: أنا معلم. هناك ظاهر اجتماعية تشغلني باهتمام كبير: منذ العام ١٩٦٠م، بعض المدرسين، الأكاديميين أصبحوا رجالا مشهورين. أنا لا أريد أن أصبح نبيا، وأقول: « أرجوكم اجلسوا، لدي كلام مهم جدا أريد قوله». أنا أتيت لأناقش عملنا المشترك.

س٢: أنت بشكل دائم تصنف كفيلسوف، لكن أيضا تاريخي، بنيوي، وماركسي، وعنوان كرسيك، منصبك في كلية فرنسا، هو بروفسور تاريخ أنظمة الفكر، ماذا يعني هذا؟
ميشيل فوكو: أنا لا أرى إنه من الضروري أن أعلم بالضبط من أنا. الاهتمام الأساسي في الحياة والعمل أن تكون شخصا آخرا عن ما كنت عليه في البداية. لو كنت تعلم عندما تبدأ بكتابة كتابك ماذا ستقوله في النهاية، لن تملك الشجاعة في كتابته. ماهو حقيقي بالنسبة للكتابة، وبعلاقة الحب، أيضا هو حقيقي بالنسبة للحياة. اللعبة جديرة بالاهتمام لغاية الآن لأننا لا نعلم ما سيكون بالنهاية. حقلي هو تاريخ الفكر. الإنسان هو كائن فكري. الطريقة التي يفكر بها تعود للمجتمع، السياسة،الاقتصاد والتاريخ، وأيضا تعود بشكل عام جدا للتصنيفات العالمية، والبنى الشكلية. ولكن الفكر بشكل عام هو شيء آخر يختلف عن العلاقات الاجتماعية. الطريقة التي يفكر بها الناس بشكل حقيقي لم تحلل بشكل كاف عن طريق التصنيفات العالمية للمنطق. بين التاريخ الاجتماعي والتحليل الرسمي للفكر هناك مسار، ممر، محتمل أن يكون ضيق جدا- الذي هو المسار التاريخي للفكر.

س٣- في كتابك: “تاريخ الجنسانية”، أشرت إلى شخص « يفسد قوانين مؤسسة ما و بطريقة أو بأخرى يتوقع الحرية القادمة». كيف ترى عملك في ضوء هذا؟

-    ميشيل فوكو: لا. لحقبة طويلة، الناس سألتني لأخبرهم ما سيحدث، وأن أقدم لهم برنامجا للمستقبل. نحن نعلم جيدا إنه حتى في أفضل النوايا، هذه البرامج تصبح أداة، وجهازا للقمع. روسو، عاشق الحرية، استخدم في الثورة الفرنسية ليؤسس نموذجا للقهر الاجتماعي. ماركس خوف به عن طريق الستالينية واللينية. قانوني- وهذه كلمة مشددة جدا- لأن أري الناس كم هم أحرارا أكثر مما هم يشعرون، و إن الناس يقبلون بشكل حقيقة، ودليل، بعض الموضوعات التي أسست بلحظة معينة خلال التاريخ، وهذا الذي يدعى دليل من الممكن أن ينقد ويقوض. لأن تغيير شيئا في عقول الناس، هو دور المفكر.
س٤- في كتاباتك أنت تبدو مأخوذا بالصور التي تقع على هامش المجتمع: المجانين، المجذومين، المجرمين، المنحرفين، القتلة، المفكرين المغموين، لماذا؟

ميشيل فوكو: أنا أحيانا أعيد مقاربة المفكرين المهمشين بدلا من أخذ أمثلة من التيار السائد للتاريخ، إجابتي ستكون متضخمة: مستحيل أن ترى صور مثل بوب و ريكاردو على إنهم مغمورين.

س٥- ولكن ماذا عن اهتمامك بالمنبوذين اجتماعيا؟

ميشيل فوكو: أنا أتعامل مع صور، ومكونات المنبوذين لسببين:
الآليات السياسية والاجتماعية بواسطة الطريقة التي وضعت بها المجتمعات الغربية الأوربية بنظام وهي ليست واضحة جدا، نُسيت، أو أصبحت اعتيادية. هم جزء من معظم المشاهد الاعتيادية لنا، ولكنا لا نستوعبهم لحد الآن. لكن معظمهم بشر مصدومين قديما. إنه هدف من أهدافي أن أعرض للناس إنه الكثير من الأشياء هي جزء من مشاهدهم ـ إن الناس عالميا- هم نتيجة لتحولات اجتماعية دقيقة. كل تحليلي هو ضد الفكرة الخاصة بالضرورات العالمية في الوجود الإنساني. هم يعرضون اعتباطية المؤسسات، ويعرضون حجم الحرية التي لازلنا نتمتع بها، وكم من التغيرات الممكن القيام بها.

س٦- كتاباتك تحمل عاطفة عميقة وخفية وغير اعتيادية في التحليل الأكاديمي: معاناة في العقاب والمراقبة، احتقار وأمل في نظام الأشياء، الغضب والحزن في الجنون والمدنية.

ميشيل فوكو: كل أعمالي هي جزء من سيرتي الذاتية. لسبب أو لآخر كانت لدي المناسبة لأشعر وأعيش هذه الأشياء. لنأخذ مثالا بسيطا، أنا اعتدت أن اعمل في مستشفى للأمراض النفسية في عام ١٩٥٠. بعد دراسة الفلسفة، ذهبت لأرى كيف يكون الجنون: كنت مجنونا بشكل كافي لدراسة العقل: كنت عقلاني بشكل كافي لدراسة الجنون. كنت حرا في التنقل من المرضى إلى الحاضرين، لذا لم يكن لدي دور دقيق. كان هو وقت ازدهار جراحة المخ والأعصاب، وبداية علم الأدوية النفسية، وسيطرة المؤسسة التقليدية. في البداية قبلت الأشياء كضرورة، لكن لاحقا بعد ثلاثة أشهر (أنا بطيء التفكير)، سألت: « ماهي ضرورة هذه الأشياء؟». بعد ثلاثة سنين، تركت هذه الوظيفة، وذهبت إلى سويدن، مع ضيق نفسي عظيم، وبدأت أكتب تاريخ هذه الممارسات (الجنون والمدنية)، نويت أن يكون الجنون والمدنية هو المجلد الأول. أنا احب أن أكتب المجلدات الأولى، وأكرة أن أكتب الثانية. أُستقبل الكتاب وكأنه كتاب في الطب النفسي، ولكنه وصف من التاريخ. أنت تعلم ماهو الفرق بين العلم الحقيقي والعلم الزائف. العلم الحقيقي يتعرف ويقبل تاريخه من دون الشعور بالصدمة. عندما تخبر معالج نفسي مؤسسته العقلية أتت من بيت لازار، يصبح محتدا.
 
س٧- ماذا عن نشأة المراقبة والعقاب؟
ميشيل فوكو: يجب أن أعترف … , ليست هناك اي علاقة مباشرة بيني وبين السجن أو المساجين، رغم إني عملت كعالم نفسي في السجن الفرنسي. عندما كنت في تونس، رأيت أناسا مسجونين بسبب قضايا سياسية، وهذا أثر بي.

س٨- الفترة الكلاسيكية محورية في جميع كتاباتك، هل تشعر بحنين لذاك العهد،، لمرئية النهضة، عندما كل شيء يكون متحدا ومثبتا؟

ميشيل فوكو: كل هذا الجمال الخاص بالأزمنة القديمة هو أثر وليس سببا للحنين. أنا أعلم جيدا إنه اختراعنا الخاص. ولكن من الجيد أن نعيش هذا النوع من الحنين، فمثلا من الجيد أن يكون لديك علاقة بطفولتك إذا كان لديك أطفال. من الرائع أن تحن لبعض الفترات شرط إن يكون لها تتأثير على طريقة التفكير وعمل علاقة إيجابية بحاضرك. ولكن الحنين إذا كان سببا لأن تكون عدوانيا وغير متفهم للحاضر، لابد من استبعاده.

س٩- ماذا تقرأ من أجل المتعة؟

ميشيل فوكو: الكتب التي تجعلني أشعر بعاطفة أكثر: فوكنر، توماس مان،،كتاب مالكوم لوري تحت البركان.

س١٠- ماهي الكتابات التي استهوتك وأثرت على افكارك؟

فوكو: كنت مستغربا عندما كتب اثنين من أصدقائي في بيركلي شيئا عني, بأن هيدجر كان مؤثرا بي. بالطبع كان أمرا حقيقيا، ولكن لم يكن هناك أحد في فرنسا استوعب ذلك. عندما كنت طالبا في عام ١٩٥٠م، قرأت هوسرل، سارتر، ميرلي بونتي. عندما تشعر بأثر غامر، أنت تحاول أن تفتح النافذة. بتناقض كاف، هيدجر ليس من الصعب جدا أن يفهمه رجل فرنسي. عندما تكون كل كلمة لغز، أنت تكون لست في وضع سيء جدا لفهم هيدجر. الكينونة والزمن (كتاب لهيدجر) صعب، ولكن كتبه الصادرة حديثا أكثر وضوحا. نيتشة كان بالنسبي لي اكتشاف. شعرت بإن هناك شيئا مختلفا عن ما تم تعليمه لي. قرأته بشغف عظيم، وتحطم في حياتي، تركت وظيفتي في الملجأ، وتركت فرنسا، كان لدي الشعور بأني محاصر. من خلال نيتشه، أصبحت غريبا عن كل هذا. لحد الآن أنا لست متأكدا بإنني مندمج في الحياة الاجتماعية والفكرية الفرنسية. لو كنت أصغر، لهاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
س١١- لماذا؟

ميشيل فوكو:أنا أرى الاحتمالات. ليست لديك حياة فكرية وثقافية متماثلة معي. كأجنبي، ليس مطلوب مني الاندماج. لا وجود لأي ضغوطات علي. هناك الكثير من الجامعات العظيمة، كلها لديها اهتمامات مختلفة. ولكن بالطبع من الممكن أن أحرق بأكثر الطرق بشاعة.

س١٢- لماذا تفكر بأنك ستُحرق؟

ميشيل فوكو: أنا فخور جدا بإن بعض الناس يظن إنني خطر على صحة الحياة الفكرية للطلبة. عندما يبدأ الناس بالتفكير في الصحة في الأنشطة الفكرية، أعتقد إنه هناك شيئا خطأ. بوجهة نظرهم أنا رجل خطير منذ أن كنت ماركسي، غير عقلاني، وعدمي.

س١٣- من خلال قراءة «نظام الأشياء»، من الممكن أن يستخلص الشخص الجهود الإنسانية للإصلاح مستحيلة, لأن الاكتشافات الجديدة تملك كل أنواع المعاني و المضامين، صناعها لم يستطيعوا فهمها. في الجريمة والعقاب، على سبيل المثال، أنت تعرض إنه كان هناك تغير مفاجئ من سلسة العصابة إلى أقرب عربة شرطة، من مشهد العقاب إلى المؤسسات الانضباطية للعقوبة. لكن أنت أيضا توضح إن هذا التغيير، الذي يتضح بذاك الوقت إنه إصلاح، هو كان فعليا تطبيع لقدرة المجتمع للعقاب. لذا كيف يكون التغير الواعي ممكنا؟

ميشيل فوكو: كيف يمكن أن تتخيل ان ما أفكر به يبدو مستحيل , أن جميع ما قمت بتحليله عائد إلى الفعل السياسي؟ كل ما في المراقبة والعقاب كان محاولة للإجابة على هذا السؤال، وليوضح كيف يمكن لطريقة جديدة في التفكير أن تأخذ مكانها. كل منا هو موضوعات فعالة ومفكرة. ما أعيد التفاعل معه هو الحقيقة القائلة بإنه هناك فجوة بين التاريخ الاجتماعي وتاريخ الأفكار. من المفترض من المؤرخين الاجتماعيين أن يصفوا كيف إن الناس تتصرف من دون تفكير، ومؤرخو الأفكار من المفترض منهم أن يصفوا كيف الناس تفكر من دون فعل. كل إنسان يفكر ويفعل. الطريقة التي يفكر ويفعل بها الناس هي مرتبطة بطريقة التفكير و بالطبع التفكير يعود إلى التقاليد. ما حاولت تحليله هو ظاهرة معقدة جدا تجعل رد فعل الناس بطريقة أخرى للجريمة والمجرمين بفترة زمنية قصيرة. أنا كتبت نوعين من الكتب. الأول، نظام الأشياء، الذي يعتني بالفكر العلمي، والآخر، الجريمة والعقاب، المهتم بالقواعد الاجتماعية والمؤسسات. تاريخ العلوم لا يتطور بطريقة مماثلة للإدراك الاجتماعي. من أجل أن يستوعب كخطاب علمي، الفكر يجب يتبع معايير محددة. في المراقبة والعقاب، النصوص، والتطبيقات، والأشخاص تكافح بعضها البعض. في كتبي حاولت حقا أن أحلل التغيرات، ليس من أجل أن أوجد أسباب جوهرية ولكن لعرض جميع العوامل المتداخلة وردة فعل الناس. أنا أؤمن بحرية الناس. و بنفس الموقف، ردود فعل الناس تكون بطرق مختلفة جدا.

* هذا الحوار تم في مناقشة مع ميشيل فوكو، في كلية تكنولوجيا الذات، لندن (١٩٨٨)
- عن كتاب حوارات مع فوكو