محمود احمد السيد.. والقصة في العراق

محمود احمد السيد.. والقصة في العراق

علي جواد الطاهر
من اعلام الادب العراقي الحديث، لم ينل حقه من العناية، لذا، وجب خصه بدراسة جامعة تلتزم اصول البحث الحديث في الجمع والاستقصاء والمناقشة واذا ادعى انه (هاو)، فان ذلك تواضع وقول تمليه ظروف طارئة، فما هكذا يكون (الهاوي) ومن شأن (الهاوي ان يستمتع او يقلد دون ان ينتج او يدون والانتاج والابداع وليدا الجد والمثابرة والطماح (والموهبة)..

وكل ما في امر دعواه الهواية ان ينزه نفسه عن الرخص، وان يبين ان الاديب في عصره لايستطيع ان يعيش من قلمه، ثم ليبين انه لايدرس الادب منهجيا ولايدرسه وانما هو امرؤ يعيش من عمل اخر، هو الوظيفة في الدولة، ويبذل الجهد في هذه الوظيفة من اجل الارتقاء في المدارج الحكومية، وقد ارتقى فعلا، فقد وصل بجده وحتى بأدبه من حيث لايدري الى مركز مرموق هو سكرتارية مجلس النواب وراتب قدره 42 دينارا، ولم يستطع ان يصل الى ذلك اصحاب الشهادات الحقوقية، واللذين لا عمل لهم الا الوظيفة. لقد كفته هذه الوظيفة مؤونة العيش، واطلعته على اشياء كثيرة اثرت تجاربه ودخلت الى نتاجه. وكان عليه ان يذكر انه كان يرى نفسه اكبر من كل وظيفة شغلها، وان مصدر هذا، الشعور بانه اديب، وانه اكبر بأدبه من رؤسائه، هؤلاء (الرؤساء)، الذين يحتاجون اليه ويخطبون وده ويحتملون كبرياءه، ويستعينون بمواهبه فيستصغرهم، وكان يحز في نفسه ان يرى ما يدبجه لهم من مقالات وردود وخطب ينسب الى غيره من النواب والوزراء واصحاب الرياسة. وكان عليه كذلك الا يدع مجالا لشعور بنقص ازاء اصحاب الشهادات، وما قيمة الشهادة من حيث هي شهادة، وهل بلغ مجموع حملتها ما بلغه هو من فكر وعلم وادب، كان يعلم ذلك، وكان يقوله، ولكنه ظل حيث هو. وكان عليه الا يتضايق من المتقدمين في مدارج الوظائف، فلقد فاق العديد منهم، وما كان جديرا به ان يكون من شدة الحساسية في هذه الناحية بحيث يخشى من لم يبيت له المنافسة. ان ما لقي من ارتقاء واعزاز جدير بان يطمئنه ويرضيه ويدفعه الى العمل في تفاؤل وانشراح، ولكنه لم يتفاءل، بل كان من التشاؤم والسواد والكآبة بحيث يحس بانه مظلوم، وانه مهان، وكانت حساسيته الشديدة توقعه في كثير من الاوهام، حتى ليهم احيانا بالانتحار، ولايجدي معه نصح الناصحين وتذكير الاصدقاء بل انه لينقلب على هؤلاء الاصدقاء ويتعبهم ويحملهم على الابتعاد عنه- غير راضين. وفي ذلك ما يدل على ان حالته النفسية هذه عميقة الجذور، شديدة الغلبة على تصرفاته، ويزيدها ويرهفها ويؤججها طماح لايكاد يحد، وضمير لاينام. ويروي عارفوه والمقربون منه اصنافا من شذوذ الاطوار، ومن مناقضة بعض الاعمال لبعض الاقوال، ويروون قضايا تعزى الى الغرور والغطرسة، وحب الترف حينا، والى التهور طورا، والى بذاءه تارة، في الوقت الذي يتحدثون عنه بما يعاكس ذلك من التواضع والتؤدة والادب الجم، والدقة والتأنق مما يدعو الى التفكير بنوع من ازدواج الشخصية او من اختلاط عناصر هذه الشخصية واضطراب بنائها.. مما يرجع الى ظروف مختلفة مر بها، واراء متناقضة تبناها دون ان تكون منسجمة مع البيئة الدينية ذات التقاليد الثابتة التي حفت بنشأته وتربيته.. مثل هذه الأمور كثير في حياة محمود احمد، وفيها ما يضحك وفيها مايبكي، حتى ان الانسان ليعجب كيف يستطيع امرؤ على ماكان عليه هذا الانسان من التشاؤم والكآبة والحساسية ان يكتب وان ينتج وان يحكم في اسلوبه الارادة فيخرج الاثر متينا متماسكا، منطقيا ناصعا، وهذا ماحدث لمحمود احمد بالفعل، ان قارئه لايحس بالتناقض، كثيرا، وانه بعد ان يودع المرحلة الاولى من حياة الكاتب، يكاد يراه منسجما في دعوته الى التجديد والتطور وفي يتبنيه الافكار الحديثة وفي حماسته الى الاصلاح الاجتماعي، فهو كاتب شعبي، حتى قال يوما: نحن الشعب، وهو كاتب مبكر في خدمة الشعب والعمل على الارتقاء به الى مصاف البشر.. ولو انسجم محمود احمد تمام الانسجام مع آرائه، ولم يبد عليه تناقض بين القول والعمل، لكان توفيقه كبيرا في الانواع الادبية التي زاولها، اكبر كثيرا مما حقق وبات فيه اهلا للاعجاب والتقدير. ويمكن ان يعزى التجويد فيما جود فيه الى انه كان يكتب بعد ان تختمر الفكرة في نفسه وفي لحظات ينفصل بها او يكاد عما يحيطه او عما يكون له من رأس مناقض او عمل مخالف او راسب عتيق. لقد اعرب محمود احمد عن شخصيته الادبية باكثر من نوع، فقد كتب مقالات (اجتماعية) في قضايا الساعة، وفي موضوعات يومية فيذم مظاهر التأخر ويدعو الى الاصلاح، وقد يقترب احيانا من السسياسة فيلجأ في الغالب الى شتيت من التواقيع المستعارة، تتناسب طردا مع حدة المقالة. ويمكن ان تؤلف مقالاته مجلدا ضخما، ولو جمعت لكانت من الادلة على الفكر الاجتماعي في العراق الحديث، ولكنها لم تجمع، وكان صاحبها يرى ان المقالة ليست مما يجمع في كتاب كأنه يقصد منها ان تكون اعرابا عن امر عابر او عن حدث مر ورأي جريء، ولعله كان يستصغر شأن المقالة بين الانواع الادبية. ولم يقل ذلك بدافع التواضع، وربما عكس به جانبا من نظرة معاصريه الى هذا اللون الادبي الناشئ المرتبط بالصحافة اليومية.