جامع الخلفاء ومنارته

جامع الخلفاء ومنارته

د. قصي الحسين
 كانت قصور الخلفاء والدواوين والبساتين الملحقة بها، تشغل مساحة كبيرة من الأرض على ضفة نهر دجلة وقد بني حولها سور على هيئة نصف دائرة، فيه تسعة أبواب رئيسة. وأهم الأبواب في الجهة الشرقية من السور “باب العامة” و”باب النوبي”. وهما بابان كبيران. وكان بالقرب من الباب الأول منهما جامع الخلفاء أو ما يسمى ب”جامع القصر”.

وكان بين جامع القصر وقصر التاج الواقع على شاطئ النهر، نفق تحت سطح الأرض، يسير فيه الخليفة إذا ما قصد الصلاة في الجامع. وقد جعل هذا النفق أزاجاً، أي عقوداً طويلة.
 ويقول المؤرخون، إن هذا الجامع كان متصلاً بالقصر الحسني الذي ينسب إلى الحسن بن سهل والد بوران زوجة المأمون. وقد ذكرنا سابقاً أن الخليفة أحمد المعتضد بالله بن الموفق العباسي (892 – 902م)، قد نزل فيه وجعله مقراً للخلافة، وبنى عليه سوراً وحصنه، وأمر بأن تبنى فيه مطامير، وهي سجون في سراديب عميقة مظلمة، وجعله محابس لأعداء الدولة والمجرمين.
 وبعد وفاة المعتضد، صار هذا القصر إلى ابنه عليّ المكتفي بالله (289هـ / 902- 908م) فسكنه، وأمر بهدم السجون التي بناها والده، وبنى مكانها مسجداً جامعاً. وصار الناس يصلون فيه، كما كانت تقام الصلاة في جامع المنصور بالمدينة المدورة، وجامع المهدي في الرصافة. وذكر العلامة الألوسي جامع الخلفاء فقال: “إن هذا الجامع أنشئ على عهد المهدي في سنة 159 هـ”. ويناقش بعض الباحثين رأي الألوسي، ويردون عليه فيرون أن هذا يخالف الواقع الخططي والتاريخي، لأن المهدي إنما أنشأ الجامع المعروف بجامع الرصافة، ثم إن العمران لم يكن قد وصل في عهد المهدي إلى هذه النقطة التي شيد فيها “جامع الخلفاء”. وفي عهد الخليفة المستنصر (623هـ / 1226م) أعيد تجديد بنائه بصورة كاملة، ثم أعيد بناؤه في العهد المغولي ثم التركي، وظلت مئذنته القديمة محافظة على متانتها، وهي تعرف اليوم ب”منارة سوق الغزل” لوقوعها فيه.

تجديد بناء الجامع
 احترق الجامع عند سقوط بغداد على يد هولاكو سنة 656هـ / 1258م، غير أنه عند مغادرته بغداد أمر بإعادة بنائه إلى جانب بناء مشهد الكاظميين المطل على جامع الخلفاء. كذلك قام علاء الدين عطا بك الجويني صاحب الديوان في عهد أباقا بن هولاكو، بتجديد عمارة الجامع ومئذنته سنة 668هـ / 1269م ولكن المئذنة عادت فسقطت بعد شهرين من تجديد بنائها وذلك في رمضان بعد صلاة التراويح من دون أن يتأذى أحد من الناس.
 وفي زمن الوالي عطا ملك خدا بنده من العام 678هـ / 1279م، تمت إعادة بناء المئذنة بصورة متقنة وقوية ومتينة، وقد استغرق البناء نحواً من ثماني سنوات، بعدما اختصر حجم ومساحة الجامع. وقام الوالي العثماني سليمان الكبير سنة 1379هـ / 1802م بتشييد جامع لهذه المنارة، عرف ب”جامع سوق”. وقد تهدم هذا الجزء الصغير، سنة،1957 عندما تم فتح شارع الخلفاء، حيث بنت وزارة الأوقاف جامعاً فخماً بطراز عربي جامع لأجمل الزخرفات والكتابات ورممت مئذنته ترميماً كاملاً.
 والواقع، إن الأسس القديمة لمئذنة جامع الخلفاء، كانت قد ظهرت بعد أعمال الحفر بالقرب منها. ولهذا تمت إعادة بنائها بشكل مضلع ذي اثني عشر ضلعاً وتقوم عليها شرفة لها مدخلان للصعود إلى أعلى المنارة في جامع الخلفاء. الأول في الجهة الشرقية من المنارة، والثاني في الجهة الجنوبية الغربية منها. وهذان المدخلان يؤديان إلى سلمين يدوران في باطن بدن المنارة الأسطواني باتجاهين متعاكسين. فالصاعد من أحدهما لا يرى النازل من السلم الآخر. كذلك، فإن في داخل الأسطوانة توجد نوافذ صغيرة عدة للتهوية ولوصول النور إليها من الخارج نهاراً.
 ويقدر المهندسون الباحثون، أن محيط القسم الأسطواني من منارة جامع الخلفاء يبلغ نحواً من سبعة عشر متراً، أما ارتفاع هذا القسم الأسطواني فيقدر بنحو سبعة وعشرين متراً. ويقولون إن السلمين ينتهيان من الأعلى بمخرجين في شرفة أو حوض المنارة الأعلى. ومن وسط هذه الشرفة، ينحسر البدن الأسطواني، وينتهي كما يقول الباحثون، بقبة غير مدببة. وبذلك يصبح ارتفاع المئذنة الكليّ نحواً من خمسة وثلاثين متراً تقريباً عن سطح الأرض.

زخارف ونقوش بديعة
 وتعتبر زخارف ونقوش وحليات مئذنة جامع الخلفاء في بغداد من أهم وأجمل الزخارف التي عرفتها المنائر الإسلامية عبر عصورها التاريخية الطويلة. وأهم ما في زخارف المئذنة، المقرنصات التي بنيت بشكل محاريب متعددة الطبقات، متراكبة فوق بعضها بعضاً. ويرى المهندسون، أن هذه المحاريب على كثرتها، منحت محيط القسم الأسطواني المزيد من الاتساع.
 كذلك زين القسم الأسفل من هذه المحاريب، بحزام فيه كتابات كوفية مشجرة. وبالرغم من سقوط القسم الأكبر من هذه الكتابات بفعل ما جرى لها بمرور الأزمنة الطويلة عليها، فإن ما بقي منها يدل دلالة واضحة على عظمتها وجمالها، بحيث إن هذه الكتابات، كانت قد اتخذت أنموذجاً لزينة العمائر الإسلامية في العصر المغولي فيما بعد.
 ويتحدث العلماء عن أن بدن أسطوانة منارة جامع الخلفاء، كان قد زين بالزخارف الآجرية المخرمة، والتي تتكون من تلاصق قطع عديدة من الآجر بمختلف الأشكال والحجوم، وكل قطعة منها بدت وكأنها منقوشة نقشاً دقيقاً على غرار حفر النقوش على النحاس أو الخشب. كذلك فإن هذه القطع المتنوعة شكلاً ونقشاً وزخرفة تبدو مركبة بشكل دقيق للغاية. فكل واحدة تلاصق الأخرى، بحيث تؤلف من مجموعها منظراً ذا شكل هندسي رائع وأخاذ، يريح العين.