اين سامية جمال

اين سامية جمال

اين سامية جمال..؟
اين نجمة الرقص الشرقي، والافلام الاستعراضية التي اكتسحت الراقصات في مصر في وقت ما.. ثم خرجت لترقص في مدريد.. واثينا.. وباريس وعلى مسارح برودواي..؟ أين الراقصة التي عرضت عليها مسارح لبنان 100 جنيه في نصف ساعة وعرض عليها مخرج انجليزي 10 آلاف جنيه لترقص رقصة واحدة في فيلم عالمي..؟

اين هي الآن؟
لقد اختفت سامية جمال فجأة.. بعد النجاح المفاجئ المذهل..
بعد قصة طويلة.. ورحلة شاقة.. قصة مليئة بالاشواك.. وبالشقاء وبالدموع والبسمات!

كانت "زينب خليل ابراهيم" مجرد فتاة قروية بسبطة – تعيش حياة تعيسة وشاقة.. فاليوم الجديد في حياتها – معناه مزيد من المتاعب.. والعذاب.. مع زوجة الاب.. التي لا تعرف غير لغة العنف!!
مجرد فتاة قروية.. محدودة التفكير والطموح احلامها لا تتخطى حدود قريتها (الواسطي).. تنتظر مثل اي فتاة – ذلك اليوم الذي ستحظى فيه بالرجل (ابن الحلال) لتقضي بقية حياتها معه.. والانتظار صعب.. وشاق.. خصوصا مع زوجة اب قاسية.. والرجل (ابن الحلال) لا يجيء.. ويطول الانتظار.. ويطول العذاب ولكنها تعيش بذلك الامل.. المتجسد في ذلك المنقذ.. الذي سياتي ليخلصها ويسعدها..؟
ويدق الباب ذات يوم – ويدق قلبها بعنف نابضا بالفرح العميق.. والراحة بعد صبر طويل – ولكن الابتسامة تذوب فوق شفتيها.. ويتحول الفرح الى أسى عميق.. فذلك القادم ليس رجلها... ليس حلمها.. ليس منقذها الذي تتخيله وتحلم به.. لكنه بقايا رجل.. مجرد حطام.. جسد ضعيف"ظهر مقوس"شعر ابيض.. عيون قابلة فقدت بريقها وشبابها – مجرد حطام.. لكنه غني.. عمدة، يملك الارض والمال والخدم!!
ولكنها لم تكن تريد سوى رجل شاب قوي اي رجل قوي يحميها.. والحياة مع العمدة العجوز ليست سوى جحيم آخر.. ستنتقل زينب من عذاب الى عذاب.. ليلتها لم تتم.. بكت طويلا.. ولاول مرة – تتخطى افكارها حدود بلدها.. بعيدا عن الواسطي.. هناك في القاهرة.. وقبل ان تشرق شمس اليوم التالي كانت زينب تبحث عن الطريق للوصول الى القاهرة – لتعيش مع اختها الكبرى المتزوجة التي تعمل بحياكة الملابس.
لم تكن حياتها مع اختها سهلة.. بل اكثر مشقة.. ورضيت بهذه الحياة – فليس امامها طريق آخر.
وذات يوم – ذهبت مع احدى صديقاتها لتشاهد فيلم (ملكة المسارح) لبديعة مصابتي – وخرجت من دار السينما مذهولة.. مبهورة – بذلك العالم الساحر العجيب.. واصبحت تقف طويلا امام المرآة. وكانها اكتشفت فجأة ان لها ذلك الوجه الاسمر المصري الملامح.. وذلك الجسد الساحر المتناسق – منذ تلك اللحظة – عشقت زينب ابراهيم خليل فن الرقص.. احبت ذلك العالم المسحور.. وباتت تحلم به.
وتزداد المتاعب داخل البيت.. مشاكل لا تنتهي.. حياة مملة قاسية – وعرفت زينب طريقها.. لم يعد باقيا سوى ان تتحرك.. ان تسير – بحثا عن مستقبل افضل.. لتبحث عن نفسها.. عن كيانها.. وحريتها... ووجودها.

تلك الليلة المثيرة...
وتجد نفسها امام ملكة المسارح الاستعراضية تقف بخشوع امام (بديعة مصابتي) – التي تاملتها طويلا قبل ان تسألها عن اسمها – الراقصة القديمة المجربة ادركت ان في اعماق هذه الفتاة السمراء بذوراً صالحة لفنانة راقصة فقررت ان تضمها الى غرفتها – لتصبح من راقصات الصف الثاني – وبمرتب شهري قدره ثلاثة جنيهات. الى ان كانت تلك الليلة المثيرة – عندما قررت بديعة مصابتي ان تمنحها الفرصة – وتقدمها الى الجمهور.. اضطربت الفتاة السمراء واهتزت حتى الاعماق.. كاد الخوف يسحقها – عندما وقفت مرتعدة خلف الستار – استعدت الفرقة الموسيقية – وسمعت صوت مدير الصاالة في كازينو (اوبرا) – يعلن في الميكروفون – (اما الان فنقدم لكم مفاجأة جديدة) وبدأت الفرقة تعزف المقدمة الموسيقية وهي واقفة خلف الستار – وتعيد الفرقة عزف المقدمة الموسيقية.. وهي لا تتحرك.. ثم تعيد الفرقة عزف المقدمة الموسيقية مرة ثالثة – والراقصة الجديدة السمراء متجمدة في مكانها – كان قيودا ثقيلة تشل حركتها، لم تنتبه الا بعد ان دفعتها زميلة لها – فوجدت نفسها فوق خشبة المسرح – والصالة مزدحمة.. ومئات العيون ترقبها – وارتبكت اكثر.. والفرقة الموسيقية تعيد المقدمة الموسيقية ربما للمرة العاشرة.. والراقصة الجديدة السمراء واقفة كالتمثال.. وتعالت الصيحات والضحكات الساخرة من الصالة.. واسدل الستار بسرعة ووجدت نفسها امام بديعة مصابتي – التي راحت تصرخ فيها بشدة - كانت ليلة حزينة. ومثيرة.. بكت فيها طويلا كما لم تبك من قبل.

وداعا ايتها الاحزان..
كانت هذه التجربة كافية لتدميرها.. وتحطيم كل آمالها.. لكنها تماسكت.. وبدأت تبذل جهدا اكبر.. وراحت تستعد وتنتظر فرصة اخرى.. واكتشفت ان (الحذاء الفضي) الغالي هو الذي كان يقيد حركتها في المرة الاولى..
لذلك خلعته.. وكانت اول راقصة ترقص وهي حافية القدمين.. ليلتها ظلت ترقص ساعة كاملة – واسدل الستار - ودوي التصفيق صاخبا.. وتعالت صيحات الاعجاب.. واصر الجمهور ان ترقص مرة اخرى.. ويرتفع الستار من جديد.. وترقص لمدة نصف ساعة اخرى- وخلف الستار كان تقف بديعة مصابتي التي اخذتها بين ذراعيها باعجاب شديد.. وهي تلك الليلة ولدت راقصة جديدة غير عادية.. بل انسانة جديدة اسمها سامية جمال. وانتشر الاسم الجديد بسرعة كلحن جميل عذب.. وخطفت الراقصة الجديدة كل الانظار برقصاتها الرشيقة الجذابة وعرفت طريقها الى شاشة السينما – كان اول فيلم قامت فيه بالدور الاول فيلم (من فات قديمه) – وبعده تهافت عليها المخرجون ليوقعوا معها العقود لتظهر في افلام جديدة – واصبحت سامية جمال ملكة الافلام الاستعراضية – ونجحت كممثلة ايضا – وحققت افلامها الاستعراضية ايرادات ضخمة وسافرت الى الخارج – ورقصت بنت (الواسطي) في مدريد.. واثينا.. وباريس.. وعلى مسارح برودواي - ورقصت في افريقيا.. في ليبيريا وغانا.. وعرض عليها مخرجون عالميون العمل في افلام اجنبية.. وملأت صورها الصحف والمجلات العالمية.
وبعد كل هذه الشهرة.. والنجاح – اختفت سامية جمال – بعد زواجها من الممثل رشدي اباظة – اصبحت تعيش في الظل بعد ان كانت تغمرها الاضواء.. واصبح يتردد سؤال واحد – اين ذهبت سامية جمال؟ اين نشاطها الفني.. وافلامها الاستعراضية؟
وذهبت لالتقي بها.. لابحث عن اجابة لذلك السؤال الحائر؟

لماذا ترفض العمل؟
لم تتغير سامة جمال.. نفس الابتسامة الرقيقة.. والشخصية الجذابة والوجه الاسمر المصري الملامح.. وخفة الروح وطيبة القلب عندما سألتها عن سبب اختفائها المفاجئ – قالت بسرعة –
- انا نفسي لا اعرف.. بل اني احاول ان اجد اجابة مقنعة لنفس السؤال.. لماذا لا اعمل؟
قلت لها – كنت اعتقد ان زواجك من رشدي اباظة هو السبب في ذلك الاختفاء المفاجئ.. لتتفرغي للحياة الزوجية.
وقبل ان تجيب – دخل رشدي اباظة – وكانه سمع السؤال.. فقال على الفور.
- انا لم امنعها من العمل.. ان الذي يضايقني انها لا تعمل.. ولا اعرف السبب في ذلك.. ان العمر لم يتقدم بعد بسامية جمال على بطولة الافلام.. انها في عمر المع نجوم هذا الجيل.. ربما تكون اكبر في السن قليلا – لكنها ما تزال في قمة الانوثة..
ويضيف رشدي اباظة قائلا: ثم ان سامية لها تاريخ حافل.. ومايزال الجمهور يذكر افلامها الناجحة مع فريد الاطرش – بالاضافة الى افلامها الاخرى (احمر شفايف) و(نشالة هانم) و(زنوبة) و(قطار الليل) و(رقصة الوداع) و(الوحش) و(اسمر وجميل) و(الرجل الثاني) وغيرها.. فما سبب ابتعادها عن الشاشة؟ انها لم تمثل اي فيلم منذ عامين كاملين.. فهل هذا معقول؟
* ولماذا لا تنتج افلاما استعراضية
- هذا النوع من الافلام يحتاج الى نفقات كبيرة وامكانيات واسعة يصعب ان تكون في متناول اي منتج من القطاع الخاص – والمفروض ان يتولى القطاع العام هذه العملية.
ويتركنا رشدي اباظة ويذهب الى الداخل واسال سامية جمال.
* هل انت ست بيت مثالية؟
- قد لا تصدق اني استيقظ يوميا في السابعة صباحا لكي ارافق (قسمت) في ذهابها الى المدرسة – واكون في انتظارها ايضا عند خروجها لارافقها في العودة – اما شئون البيت فانا انفذها كلها بنفسي.
* هل انت سعيدة بهذه الحياة؟
- كل السعادة... انني احب رشدي.. وهو يجيب كل مطالبي.. ونحن متفاهمان جدا.. وهذا ما تتمناه كل زوجة.. اني اعتبر (قسمت) ابنتي تماما.. واحبها كثيرا.. وهذا يكفيني والان.. لماذا لا تعمل سامية جمال؟ لماذا لاتعود الى دائرة الضوء؟ الجواب ليس في يدها.. بالتاكيد..!
آخر ساعة/ شباط- 1967