سمفونية المدينة في اعمال الفنان راكان دبدوب

سمفونية المدينة في اعمال الفنان راكان دبدوب

عماد رمو
راكان دبدوب لا يخرج الان من البيت الا قليلا، انه معتصم في صومعته الفنية مع احلامه ولوحاته وتخطيطاته ومنحوتاته الكثيرة. الموصل هذه المدينة العريقة التي اسسها الاشوريون واتخذوا من نينوى عاصمة لهم اصبحت الان مدينة تعتق الفنان، اهملتهم وليس لهم اية قيمة. انه حزين على مدينته التي كانت يوما ما مركز الفن والحضارة.

لقد تعرفت على الفنان الوطني راكان دبدوب في بداية الثمانينات من القرن الماضي عندما كنت طالبا في جامعة الموصل / هندسة العمارة، حيث كان يدرسنا الرسم الحر لسنتين متواليتين. عرفته استاذا محبا للنشاط والتدريب والنظام، لم يغب يوما واحدا عن عمله لسبب ما، كان شعلة من النشاط والاستلهام. اما مرسمه في القسم فقد حوله الى متحف تراثي جميل نستلهم منه لوحاتنا الاسبوعية. الشكل، الضوء، التناسب والملمس كلها عناصر تعلمناها من خلاله، من خلال تخطيطاته التي كان يشاركنا بها. حينما كان يرسم الفنان راكان، كنا نتجمع حوله لنرى كيف تنساب الاشكال والظلال على الورقة البيضاء من خلال الاقلام.
لقد رسم الفنان التشكيلي راكان دبدوب « مدينته « الموصل في لوحات كثيرة معبرة جدا عن احساس هذه المدينة. في لوحاته الاربعة التي ستمر امامنا انتقال من هوية وعمق وعمارة المدينة الى تجريد كامل لبانوراما رؤيته المثالية لها. من مدينة ضبابية، شتائية بالوان داكنة حزينة وعمق ازقتها يطول ويطول وسماء بلون الارض، قبب زرقاء ترتفع منها ونوافذ موصلية مغلقة وثلاثة اشجار. انها حزينة حقا (مدينة رقم 1).
من مدينة شتائية ننتقل الى مدينة ربيعية هادئة في تكوين بديع وانتقالات لطيفة بين المدينة والافق في تكوين مثالي الشكل، قبب تُرفع منها الصلوات وابواب مفتوحة للجميع، نوافذ مضاءة بالوان زاهية. مدينة خضراء، انها ام الربيعين. الضوء الرباني الذي يشع من خلف المدينة يكَون سماءا ذهبية زاهية في لونها وصفائها. الخطوط المائلة التي احتوت ظلال البيوت والجوامع تحولت الى سطوح اضافت عمقا جديدا وحادا لهذه المدينة (مدينة رقم 2).
في مدينته (مدينة رقم 3) نجدها تلبس ثياب العيد حيث ابتهجت بهذه الالوان الرائعة. ندخل الى قببها وبيوتها، انتقال رائع من المنظور الخارجي الى المنظور الداخلي بمقطع معماري التكوين رائع في هندسته. لقد جمع بين تقنية اللون والشكل في جدارية رائعة تشع الفرح والبهجة من خلال نوافذها الملونة. طيارات العيد الورقية مزجت حركة المدينة مع استقرار التكوين واعاد راكان ذكرياته الطفولية عندما كان اطفال الحارة يتسابقون في الطيران باحلامهم الورقية.
هنا السماء في لون ابيض اقرب الى الرصاصي ينتقل الى اللون الازرق عند الافق. انه يختار اللون الذي له طعم جديد للمشاهد. الرصاصي عنده لون العقلاء.
في لوحته الرابعة (مدينة رقم 4) تجريد كامل وانتقال الى عمق واحساس المدينة في جدارية طويلة الشكل. امتزجت السماء بالارض وانعكس ضوء بيوت مدينته على النهر في لوحة بديعة. الازرق هنا يشكل اكثر من ثلثي اللوحة ولكنه تفاعل مع عمارتها واضاءت الالوان الاخرى الاشكال التي تتراقص في تشكيلة بنائية جميلة.
لقد تحولت العمارة بعمقها في اللوحات الثلاثة السابقة الى اشكال ثنائية الابعاد وخطوط ترسم حدود هذه المدينة. اشكال احادية المركز واخرى بعدة مراكز اغلبها عمودية تتقاطع جميعها مع خط الافق الوحيد الذي يقسم جداريته الى جزئان: ثلث للارض وثلثان للسماء.عمق في المدينة من خلال الفوهات الكثيرة وامتزاج الشكل مع اللون والملمس في بانوراما موصلية.
راكان دبدوب لا يرسم فقط في هذه اللوحات وانما يعزف موسيقى رائعة من خلال الاحساس الذي يمزجه ويضعه في التكوين الكلي والاجزاء واشكالها واللون وتدرجاته مع جدران تتمكن من لمسها بحيث تشعر احيانا بانك تتجول في مدينه من خلال ريشته.
هذه اللوحات تكون مع بعضها البعض سمفونية تشكيلية ولونية يعزفها مرة ثانية بريشته على قماش اللوحة. كل لوحة هي جزء ولحن من الحان مدينته، انه يعزف من خلال الالوان، وكما الموسيقى نفسها تبث في النفس احساسا معينا وتسرد قصة حب على الاكثر فهنا ايضا لحَن لنا دبدوب احدى سمفونياته الجميلة. سمفونية المدينة.
لقد خلد الفنان راكان دبدوب مدينته بهذه السمفونية التشكيلية التي ستبقى عالقة في ذاكرة التاريخ دائما. يبحث دائما عن التجديد ولا يحب التقليد ابدا وخلق لنفسه ولفنه اسلوبا مميزا لا يستطيع اي فنان اخر ان ينافسه عليه. لقد درس شكل الفوَهة كثيرا منذ ان كان طالبا في روما وقام بتطويرها واصبحت الفوهة مفتاح وختم لجميع لوحاته، فقلما تجد لوحة له لم يختمها بفوهة او اكثر، انها الختم الاسطواني له. لقد رسم الطبيعة كما هي ورسم التاريخ كما هو في الكتب ايضا. يرسم الاشياء ويبسطها الى درجة الكمال ثم يهب لها لونا وملمسا تشع منها الحان واشعار، اكثر الشعراء المعاصرين هم من اصدقاءه ومنهم نزار قباني نفسه ودواوينه الذي حفظ منها الكثير.
يقول راكان دبدوب عن نفسه: انا وجدت نفسي الان!! ارسم اشياء التي ابحث عن غرابتها واريد ان يكون رسمي غريب.