الفخ داعش .. الدولة الإسلامية أو عودة التأريخ

الفخ داعش .. الدولة الإسلامية أو عودة التأريخ

عرض وتقديم: د. جواد بشارة
بيير جون لويزار...منشورات لاديكوفيرت 2015
المؤرّخ والباحث الفرنسي المتخصص بالإسلام، وعلى نحو خاص بالإسلام الشيعي، بيير جون لويزار تتبّع في كتابه الأخير، مسار داعش وغاص في ديناميكيتها ووضعها في ظرفها الحقيقي. لقد عاد إلى مرحلة الاستعمار والهيمنة العثمانية على العالم الإسلامي. كما تمكن الباحث من إظهار كيف استفادت داعش من أوهام الدولة القومية التي سوّقها حزب البعث الحاكم لعقود طويلة،

وكيف استغل القلق والامتعاض المتولدين لدى سنة العراق، إثر فقدانهم للسلطة في أعقاب سقوط النظام الصدّامي، واستغلال داعش لتفكك البنى التحتية في العراق وسوريا وضعف نظاميهما بعد أن أغرقا في أتون الصراعات الطائفية والمذهبية، والدينية والقومية أو العرقية. بيد أن لويزار لايختزل أسباب نجاح داعش على العوامل والأحداث المشار إليها أعلاه، فهذه المنظمة الإرهابية تمتلك ستراتيجية، وتجيد حبك الاتفاقيات والولاءات العشائرية، وفرض الوصاية على المكوّنات السكانيّة المحلية وفرض الطاعة على الجماعات المسلحة المتمردة على الأنظمة القائمة في كل من العراق وسوريا.

ويلقي الضوء بعمق على مشروع إقامة أو تأسيس دولة عابرة للحدود تبنى على أنقاض اتفاقية سايكس بيكو، كما تفحّص بدقة، فرضية الفخ الذي نصبته داعش للمجموعة الدولية وأوقعتها فيه، حيث انزلقت المجموعة الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في عمل عسكري لا تريد تحمّل تبعاته كاملة، وبالتالي اللجوء إلى أطراف أخرى خارج معادلة الصراع، وهي لا تقدم أي أفق سياسي للسكان الذين تحالفوا مع داعش أو تحملوا عبء وجودها بينهم.
حبذ الباحث تذكير قرّائه، بأن الإعلام قد خدع الرأي العام وأوحى إليه، بأن هذه المنظمة الإرهابية قد ظهرت للوجود فجأة بين ليلة وضحاها، ولقد استفاق الرأي العام على صدمة المشاهد الوحشية المرعبة التي صوّرها مقاتلو داعش وهم يقطعون رؤوس أسراهم ورهائنهم الغربيين وغير الغربيين، مما حدّ من إمكانية التفكير والتحليل بطريقة عقلانية لهذه الظاهرة العنفية التي تحتاج للتفسير والتوضيح العقلاني والموضوعي بعيداً عن الانفعال العاطفي.
تتلخص أطروحة بيير جون لويزار، بأن الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروفة باسم داعش، هي ثمرة الاستعمار الأوروبي الفرنسي - الانجليزي على نحو أدق، الذي استمر على نحو أو آخر، بوضع المنطقة تحت الوصاية من قبل القوى العظمى، إبان الحرب الباردة، لتصل إلى الكارثة التي بدأت بالحرب العراقية - الإيرانية أولاً، ومن ثم الحروب الأمريكية والأوروبية على العراق وسوريا وليبيا وقريباً في اليمن، بعد أن انزلقت السعودية في حرب اليمن وهي متحالفة مع الغرب الذي سيهبّ لنجدتها إذا ما تعرضت لأيّ رد فعل انتقامي من قبل إيران أو غيرها.
يشير المؤلف في كتابه، إلى أن الحاضنة الاجتماعية لداعش في العراق وسوريا تتكون من جزء كبير من سنة البلدين، وهذا ما ساعدها في احتلال أجزاء كبيرة من الأراضي العراقية وبخاصة محافظات الموصل وصلاح الدين والأنبار، واقترابها من بغداد على نحو شديد الخطورة، ومن ثم سيطرتها على مساحات واسعة داخل سوريا وإزالتها للحدود القائمة منذ الحقبة الاستعمارية بين العراق وسوريا. فمصير المنطقة سبق تحديده بمؤتمر سان ريمو في 25 نيسان 1920 بغياب أيّ تمثيل عربي، حيث تقاسم المنتصرون في الحرب العالمية الأولى تركة الرجل المريض، أيّ الامبراطورية العثمانية، بحيث حصلت فرنسا على انتدابها على سوريا ولبنان في حين حصلت بريطانيا العظمى على انتدابها على العراق وفلسطين والأردن. ولترسيخ هيمنتها، عملت القوى الاستعمارية على استغلال وتعميق الخلافات والاختلافات العرقية والإثنية والدينية والمذهبية حسب القاعدة الاستعمارية الذهبية:”فرق تسد” وقد احتكرت السلطة من قبل المكون السني في العراق بدعم مباشر من البريطانيين رغم كونهم يشكلون أقليّة سكانية بالمقارنة بالشيعة والأكراد.
ثم استعرض لويزار في فقرات عدّة من الكتاب، أصل وجذر الخلاف السني - الشيعي في الإسلام، والذي استفاد منه المستعمر لتأجيج الخلاف. فرسالة التشيّع وممارساته وطقوسه قابلة لجذب الفئات المسحوقة والمضطهدة والضعيفة أو المستضعفة في المجتمع الإسلامي على أساس الواجب الشرعي الذي يقع على عاتق أيّ مؤمن حقيقي يثور ضد الظلم على غرار ثورة الإمام الحسين ضد الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، خاصة وأن غالبية المسحوقين والفقراء، في المدن وفي الأرياف، خاصة الفلاحين بدون أراضي، في العراق وفي لبنان أيضاً، هم من الشيعة. ولقد استمرت علاقة الهيمنة للأقليّة على الأغلبية حتى بعد انتهاء عهد الانتداب وتعزز ذلك بتأييد ودعم الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية لصدام حسين في حربه العدوانية ضد إيران، وبكافة الوسائل والطرق، خاصة إبان الحرب الطاحنة التي دامت ثماني سنوات من 1980 الى 1988، والتي خرج منها العراق مستنزفاً ومثخناً بالجراح والخسائر المادية والمعنوية، وما أن انتهت الحرب حتى تغيّرت المعايير واعتبر الأمريكيون أن جيش صدام حسين بما لديه من خبرة قتالية ومعدات وأسلحة خاصة المحرّمة دولياً التي وصفوها بأسلحة التدمير الشامل، بات يشكل خطراً وتهديداً على حلفائهم في المنطقة، والمقصود بهم دول وأنظمة الخليج، فقامت بتحريض هؤلاء على مطالبة العراق بتسديد ديونه والضغط على بغداد بهذا الاتجاه وخنق العراق اقتصادياً، وهم يعرفون أن تدمير البنى التحتية العراقية، لاسيما النفطية منها، وانهيار الاقتصاد العراقي، يجعل من هذه المطالب تعجيزية وغير قابلة للتنفيذ مما دفع العراق الى مغامرة كانت محسوبة ومتوقعة أو منتظرة لدى الدوائر الغربية منذ عقود طويلة قبل حدوثها، وتمثّلت بغزو العراق للكويت سنة 1990 وكانت نتيجة لسياسة الهروب إلى الأمام التي اتبعها صدام حسين حيال إفلاس الدولة العراقية ووشوكها على الانهيار.
الجميع يعرف ماحدث بعد ذلك أي حرب التحالف الدولي ضد العراق لإخراجه من الكويت والتي شاركت فيها فرنسا إلى جانب أمريكا وبريطانيا ودول أخرى كثيرة سنة 1991 ومن ثم فرض الحصار والمقاطعة والعقوبات الدولية التي كانت أبشع وأكثر دموية ومأساوية من الحرب الحقيقية خاصة بالنسبة للسكان المدنيين، وترك الحرية التامة لصدام حسين ليقمع الانتفاضة الشعبية الشيعية – الكردية، التي اندلعت ضد نظامه سنة 1991 وسحقها بالحديد والنار ولم يتردد باستخدام السلاح الكيمياوي الذي زوّده به الغرب نفس، وبخاصة أمريكا وفرنسا وألمانيا. وأخيراً حرب سنة 2003 التي أطاحت بنظام صدام حسين.
غيّرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر - أيلول 2001، المعطيات وكان لابد من إيجاد كبش فداء لذبحه انتقاماً لذلك الحدث الإرهابي المريع الذي قامت به منظمة القاعدة الإرهابية على الأرض الأمريكية. وقد تضافر البعد الأيديولوجي للمحافظين الجدد الذين كانوا يحكمون أمريكا مع الهواية وعدم الخبرة في إدارة دفة الاحتلال وما أعقب الحرب على العراق لجهل الأمريكيين التام بالتأريخ وبديناميكية العلاقات بين الدولة العراقية ومجتمعها الموزائيكي، وكان نظام صدام حسين آخر نسخة مشوّهة للنظام السياسي الذي أسّسه البريطانيون في العراق سنة 1920، وكان انهياره يعني على نحو ما، انهياراً للدولة العراقية وليس فقط للنظام، وقام الأمريكيون باستبدال السنّة بالشيعة والأكراد في أعلى هرم السلطة، محاولين فرض نوع من الحكم الفيدرالي ـ الاتحادي كغطاء للصورة الحقيقة للنظام البديل وهو نظام المحاصصة، والذي قاد إلى حدوث توترات واستقطابات طائفية دموية بين أعوام 2005 و 2008 وأدى إلى مقتل ونزوح وتهجير آلاف العائلات والأفراد. إن هذا الإحباط وخيبة الأمل السنيّة من التغيير السياسي، قد دفعهم للتمرد والانتفاضة على الحكومة المركزية ذات الأغلبية الشيعية والوجود السني الرمزي أو غير الفعّال في أعلى هرم السلطة، مما جعلهم يلجأون إلى قوى خارجية سنيّة مثلهم لخلق التوازن المسلح مع الميليشيات الشيعية الموالية للسلطة المركزية. هذا هو المناخ الذي جاء بداعش وحفّزها على خلق دولة إسلاموية على غرار دولة الخلافة.
وكانت ضربة داعش القوية والذكية هي بالسيطرة على المناطق السورية المحاذية والمجاورة للعراق وتشكل امتداداً له وإلغاء الحدود الاستعمارية القائمة بينهم وإعلان دولة الخلافة لتأكيد شرعيتها الدينية والثورية التي تعدت الحدود. الوضع في سوريا لا يختلف كثيراً عما هو في العراق، فالبلد يحكمه الجناح الآخر لحزب البعث، ويتبع نفس المنهج والأسلوب والشعارات والأهداف التي كانت مرفوعة من قبل نظام البعث العراقي. ولم يتعلم النظام السوري من التجربة العراقية واختار، مثلما فعل صدام حسين سنة 1991، القوة المسلحة والحديد والنار والقمع والتنكيل بالمتظاهرين والمنتفضين على نظام الأسد منذ سنة 2011 في سياق ما سمّي بالربيع العربي. واختار الأسد اللعب على حبل الطائفية والاختلافات الدينية، لحماية نظامه.
كان هناك الآلاف من السجناء والمعتقلين من الجهاديين والسلفيين التكفيريين في السجون السورية والعراقية والأمريكية في العراق، قد تم إطلاق سراحهم أو تهريبهم من السجون. ولقد انضموا إلى صفوف التشكيلات الإسلاموية المسلحة في العراق وسوريا، ووصلوا إلى المواقع القيادية العليا من بينهم الجولاني والبغدادي زعيما داعش، وجبهة النصرة الفرع السوري لتنظيم القاعدة، وهكذا أقنع الأسد العالم المرتعد من داعش بشعار:”إما أنا أو الفوضى والدمار الشامل على يد داعش”التي استمع إليها الغرب واقتنع بها، لكن ذلك لم يمنع الفوضى والدمار والخراب من الانتشار والامتداد داخل البلدين العراق وسوريا وبلدان أخرى كليبيا واليمن.
ولقد ركّز بيير جون لويزار، في فصول أخرى على كيفية عمل الدولة الإسلامية في العراق والشام”داعش”وتصرفها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها وتمكنها من وسائل الاتصال الحديثة والمتطورة واستغلالها للتكنولوجيا الحديثة في دعايتها وتجنديها للاتباع والأنصار والمقاتلين، وفي الكتاب مخزون هائل من المعلومات والتفاصيل التي استقاها المؤلف من مصادر وأشخاص من داخل مناطق الأحداث.
يتألف الكتاب من مقدمة وسبعة فصول وخاتمة ومصادر البحث.
في المقدمة يعرض المؤلف أسباب اختياره للكتابة حول هذا الموضوع ومنهجيته في البحث، حمل الفصل الأول عنوان: انبثاق الدولة الإسلامية مكونات نجاح دولة، أم منظمة إرهابية؟ ومحاولة تدويل الحرب.
الفصل الثاني حمل عنوان: من سايكس بيكو إلى العروبية عودة التأريخ أو الوعود المخذولة للقومية العربية.
الفصل الثالث حمل عنوان: في العراق دولة ضد مجتمعها، الولايات المتحدة العربية على النمط الأوروبي أم دولة سنية؟ في أصول الخلاف السني- الشيعي العودة الدامية للمسألة العراقية.
الفصل الرابع كان بعنوان: الدولة السورية استحكمتها الخلافات الطائفية، موزائيك طائفي وديني داخل حدود ضيقة، السد ونظامه الشمولي والعلويين.
الفصل الخامس جاء بعنوان: نحو خلخلة للشرق الأوسط، الدولة الإسلامية على أبواب لبنان، والأردن المرعوبة والعربية السعودية وملكها العاري وتركيا حيث وقع آردوغان في الفخ الذي نصبه لنفسه.
والفصل السادس حمل عنوان: فخ داعش، سوريا والعراق والتوسع المصاحب لذلك، الإرادة المعلنة لبناء دولة أم نحو دولة مستقبلية؟ دعاية واتصالات وأداء متمكن من التكنولوجيا، معاملة الأقليات كفخ للآخرين. ومن ثم الخاتمة وبعض التواريخ المهمة وتتابع الأحداث حسب تواريخها.