البعد التأريخي في عشاق وفونوغراف وأزمنة

البعد التأريخي في عشاق وفونوغراف وأزمنة

إشراق سامي
يشير فخري صالح في كتابه قبل نجيب محفوظ وبعده، الى الأهمية الكبرى للتأريخ في الرواية، إذ يستند الى وجهة نظر (كونديرا) في اعتماد التاريخ بوصفه وسيلة مهمة لتذوّق الفن بشكل عام، والرواية بطريقة اكثر خصوصية، فهي -أي الرواية- جزء من التأريخ وتعمل عليه بعناصره الصغيرة: تأريخ الوعي الفردي السيكلوجي الدقيق،

تاريخ الهواجس الداخلية، تأريخ الفئات والمجموعات الصغيرة في المجتمعات، كما تعمل على عناصره الكبيرة: تأريخ الشعوب والأعراق والثورات والتحولات الكبرى.
تمتد رواية لطفية الدليمي الأخيرة (عشاق وفونغراف وأزمنة) الصادرة عن دار المدى للطباعة والنشر، لأزمان متعددة من عمر مدينة بغداد، تنتقل بين الماضي والحاضر ضمن سرد مشوّق وجميل عبر أكثر من خمسمئة صفحة.
تتخذ هذه الرواية أكثر من خط سردي تجتمع كل الخطوط عند نهى الشخصية الرئيسة (نهى جابر صبحي الكتبخاني)، العراقية التي فرّت من جحيم الخوف والموت في بغداد، تفتتح لنا الرواية أولى مشاهدها بوجود هذه الشخصية في باريس ضمن إيقاع المدينة الغريبة بكل سحرها وبكل ثقل وحشتها عليها، وهي تردّد عبارة ابن سينا (المستعد للشيء تكفيه الإشارة) لكنها تعود الى الوطن بعد أن تتلقى ايميلاً يخبرها بسوء حالة أبيها الصحية وعند العودة تبدأ رحلة ثانية في العودة الى التأريخ، تأريخ عائلتها المنذورة للغرابة والألم والأحزان، تعود المغتربة لتنبش الماضي عبر مذكرات بعضها مدون بكتابة على شكل يوميات ومذكرات وبعضها مسجّل عبر فونغراف تجده مع الأوراق الصفر الباهتة التي يحملها أبوها جابر الكتبخاني، مسوؤلية إعادة تحريرها والمراجعة والطباعة لتظهر بصورة كتاب واضح عن تاريخ العائلة، هذا الفونغراف المكسور يحمل أسرار العائلة الكبرى، مثلما يحمل مفآجات عاطفية تغيّر مجرى أيامها بعد أن تحاول إصلاحه.
تركز هذه الرواية على تأريخ بغداد رغم مرورها بمدن أخرى مثل اسطنبول وباريس، بغداد أيام الحكم العثماني عن طريق حكاية يسردها الجد صبحي الكتبخاني، الحكاية تعتمد على المذكرات لتبدأ مع أول شبابه، فيرسم لنا خلالها صورة عن الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في بيوتات بغداد وفيها الكثير من الدقّة في التفاصيل التي تشي بأن الكاتبة قد اجتهدت في جمعها والبحث عنها لكن هذه الدقة والاقتراب من الواقعية، لم تكن على حساب الخيال الروائي ولم تسلبه سحره، بل كان الحوار بينهما شائقاً وممتعاً، الخيال في خلق وابتكار الشخصيات والفضاء والأحداث والدقة والواقعية في رصد التأريخ السياسي والاجتماعي للعراق.
ولأننا بذاكرة مثقوبة أو عوراء، فهي ذاكرة في الغالب لا تواجه نفسها، فتنفذ الى أعماق الماضي لتفهم وتستعبر، لذا تميل الروايات المستندة الى التأريخ، الى أخذ زمام المبادرة وتحريك الأفكار والمشاعر بالقص، فالفن ربّما اكثر قدرة على تمثيل المواقف والحقائق بأسلوب ناعم سهل من الممكن أن يتأمله الجميع..
في مسيرة لطفية الدليمي، لاقتناص التأريخ بحثاً عن الحاضر أو بحثاً عن الهوية، فإن ثمّة شبهاً من وجهة نظري، بين مشروع الكاتبة رضوى عاشور في البحث عن الحقائق التأريخية بالحكي الروائي خاصة في ثلاثية غرناطة، وأيضاً في رواية الطنطورية التي تصور التغريبة الفلسطينية، وبين مشروع لطفية الدليمي في كتابة التأريخ من وجهة نظر فنية روائيّة، فرواية عشاق وفونغراف وأزمنة، تبدو امتداداً لرواية سيدات زحل خاصة وأن الشخصية الرئيسة في تلك الرواية (حياة البابلي) كانت حاضرة في هذه الرواية أيضاً، في سابقة تقنية لتوظيف أو تناص مع شخصيات روائية لذات الكاتب، سيدات زحل كانت تركّز على الحاضر، لكنها تعتمد المورورث العرفاني لمدينة بغداد، باعتباره شكلاً هووياً يمتد عبر التأريخ ويوثّق لسيرة حياة هذه المدينة، لكن الكاتبة لم تكتف بهذا، بل كانت تعود الى الماضي عبر عاشق ومعشوقته مرّا بأزمنة بغداد جميعها، لكن بتقنية روائية مختلفة في (عشاق وفونغراف وأزمنة) فقد اعتمدت على فكرة المدوّنة التي تجدها العائلة، فتعود لقراءة تأريخها وازالة الغوش والبهتان عن أسطرها، فيما كانت سيدات زحل تغوص في الماضي دون مسوغات أو مبررات منطقية ليكون الحكي قريباً من الفنتازيا أو الحلم.
الحكايات الصغيرة التي انتظمت ضمن ايقاع المروية الكبرى عن عائلة الكتبخاني، كانت في الغالب تضيء الجوانب الإنسانية التي يعانيها الإنسان المقهور، الإنسان بشكل عام وإن كانت حصىة المرأة أكبر، فمن حكاية بنفشة (زوجة صبحي) الطفلة التي عانت من تأريخ الإماء والجواري والعبيد، فاقتيدت من ديارها لتنقتل بين منازل رجال تمَّ تعليمها كيفية إبهاج الوقت لهم وإسعادهم، مروراً بأمه التي تمارس وظيفة نمطية جداً من السلبية والضعف والقهر ثم اخته التي تدفع حياتها ثمناً لهواجس الوحدة والنبذ والتوحش الذكوري، في التأريخ أيضاً، ظلم للمواقف الناصعة، فالانتهازية والعمالة وسيلتان مضمونتان في الغالب للسيطرة والسلطة والمال. يقترب والد صبحي الكتبخاني من الوالي العثماني في بغداد، فيرشيه بإهدائه جارية، وحين تتحول السلطة للبريطانيين، يحاول أيضاً الاقتراب منهم ومجاراتهم، فيستبدل زيّه بما يلبسون ويسرع في تلبية دعواتهم للوجهاء في بغداد.
رغم الامتداد الزمني الطويل الذي تتناوله الرواية، إلا أن التتابع الكرنولجي، كان مسايراً للأحداث بطريقة تشبه الحكايات العربية القديمة، ألف ليلة وليلة على سبيل المثال، تتابعاً متوازياً لأكثر من حكاية في وقت واحد، هذا الإنسياب في الزمن واللغة الليّنة المتجاوبة مع الشخصيات والأحداث بحرفية صانع ماهر وذكي، جعل متابعة الرواية الطويلة أمراً ممتعاً ومثيراً لشغف المعرفة والإنصات الى الجمال، فقد خلقت الكاتبة بوعيها الفني والإبداعي المجتهد عالماً زاخراً ينسج لحظاته من تداخل الفنون البصرية والتشكيل والسمعية كالموسيقى والشعر، حتّى أن القارئ يشعر أنه يكاد يلامس الأمس البعيد بكل عطوره وذنوبه ووعوده، وهو يمضي بين أسطر هذه الرواية وقد يتطرف في تأويلها، فيجد أن الأمل يشرق في نهايتها بقرار نهى الزواج والسفر وإن المستقبل الذي يدركه الشباب بعيداً عن كل معوقات وعقد وتناقض التأريخ هو الوسيلة الأقرب للنجاة وللحياة.