كلمة اللجنة المركزية في الذكرى الـ83 لتأسيس الحزب:  نحو تضافر الجهود من اجل تحقيق بديلنا المنشود

كلمة اللجنة المركزية في الذكرى الـ83 لتأسيس الحزب: نحو تضافر الجهود من اجل تحقيق بديلنا المنشود

الضيوف المحترمون
رفيقاتنا ورفاقنا وأصدقاءنا الاعزاء
منذ العقود الأولى للقرن العشرين، وبتأثير تنامي عدِيد الطبقة العاملة في بلادنا، ونضجِها ونموْ حركتِها وتطورِها، وتزايدِ وعيِها بمصالحها وضرورة الدفاع عن حقوقها بوجه من يستغلونها، ومع تعاقب التأثيرات الايجابية لثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا،

 وانتشار الأفكار التقدمية في مناطقَ واسعةٍ من العالم،، وتنامي حركات التحرر الوطني في المنطقة والعالم، وما ارتبط بذلك كله وغيره من تطورات سياسية واجتماعية، تهيأت تدريجيا شروط ظهور الحزب الشيوعي العراقي. وخطوة بعد خطوة اخذ يتحقق حلم الكادحين العراقيين، بأن يكون لهم حزبهم الخاص بهم، المعبر عن طموحاتهم وأهدافهم الجذرية، والذي يقود نضالاتهم لتحقيق تلك الاهداف، وانتزاع الحرية للوطن والرفاه والسعادة للشعب.
هكذا جاءت ولادة حزبنا، ثمرة طبيعية لتطور نضال الشعب العراقي وحركته الوطنية والديمقراطية، وتجسيدا لمصالح شغيلته على اختلاف اطيافهم..
وجاء تأسيس الحزب بمبادرة كوكبة من الثوريين الرواد، يتصدرهم مؤسس الحزب وبانيه الرفيق يوسف سلمان يوسف - فهد عبر توحيد الخلايا والحلقات الماركسية المتناثرة في الناصرية والبصرة وبغداد. فكان ظهوره الأول في 31 آذار 1934 باسم”لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار"، ثم تحول بعد سنة واحدة إلى”الحزب الشيوعي العراقي".
واحدث الإعلان عن تأسيس الحزب في 31 آذار 1934، وانغماره في النضال على الفور دفاعاً عن مصالح الفقراء والمحرومين والكادحين، أصداءً وارتداداتٍ كانت بمثابة الزلزال في الحياة السياسية العراقية الراكدة آنذاك، والمحتكرة من قبل بعض الأحزاب التقليدية. لهذا تعاملت السلطات الملكية الرجعية مع الوليد الجديد بمنتهى الهمجية، وصار ذلك عنواناً ثابتاً لكل الحكومات اليمينية والديكتاتورية، المتعاقبة على حكم العراق، لا سيما في فترتي حكم البعث العفلقي، سنة 1963 وسنة 1968 وما بعدها. فهي كانت تعلم جيداً أن الحزب الشيوعي يشكل خطراً حقيقياً على مصالحها الطبقية والسياسية.
منذ البداية حدد الحزب المنطلقات الاساسية لنضاله، التي تطورت مع تطور مسيرته الكفاحية الشاقة والمفعمة بالتضحيات، واضعا مصلحة الشعب والوطن فوق كل اعتبار، ومكافحا لاستكمال استقلال البلاد وسيادتها الوطنية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، ومناهضا استغلال الانسان لأخيه الانسان، ومتصديا لجميع أشكال الحكم الاستبدادي، والتسلط السياسي، والتمييز القومي والديني والطائفي، ومصادرة الحقوق والحريات العامة أو الخاصة.
ومنذ البداية كذلك شدد الحزب على إنصاف الفلاحين، وضمان حقوق العمال وحرياتهم النقابية، وتأمين الحريات الديمقراطية لجماهير الشعب وأحزابها الوطنية، كذلك على نصرة الشعوب العربية خاصة الشعب الفلسطيني، وسائر الشعوب الاخرى، في نضالها من اجل التحرر والديمقراطية والعدالة، والخلاص من الهيمنة الامبريالية.
وفي الوقت ذاته ناضل الحزب بثبات ضد السياسات الشوفينية والتمييزية للحكومات الديكتاتورية المتعاقبة، ومن أجل تعزيز النضال المشترك والتآخي القومي، وفي سبيل تمتع الشعب الكردي وسائر القوميات الأخرى بحقوقهم المشروعة في إطار عراق ديمقراطي اتحادي موحد.
كما تمسك دائما باحترام الانسان وحقوقه حسبما عبّر عنها الإعلان العالمي والمواثيق والمعاهدات الاخرى ذات العلاقة. وفي الوقت ذاته عمل على تكريس مفهوم المواطنة ومبدأ المساواة بين المواطنين. ودافع عن حقوق المرأة ومكتسباتها، وعمل على توسيع دورها وإسهامها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما كافح من اجل ضمان حرية الثقافة والابداع، واحترام التعددية الفكرية والسياسية والقومية في ثقافتنا الوطنية والعمل على تنميتها، ورعاية الثقافة والمثقفين.
ان حزبنا الشيوعي العراقي هو حزب ديمقراطي في جوهره وفي أساليب نضاله، يجمع بين القضية الوطنية وقضية الديمقراطية، وينظر إليهما في إطار وحدة لا تنفصم.
وفي سياق مسيرته النضالية الطويلة والمجيدة قدم قوافل من الشهداء، منهم الرفاق الخالدون يوسف سلمان - فهد، زكي بسيم، حسين الشبيبي، سلام عادل، جمال الحيدري، محمد العبلي، عايدة ياسين، وشهداء الحركة الانصارية الباسلة، وشهداء ما بعد 2003 ومنهم الرفاق سعدون،كامل شياع، ابو فرات، قاسم عجام والكثيرون غيرهم. فضلا عن الآلاف ممن امضوا زهرات شبابهم في المعتقلات والسجون، او مختفين في البيوت البعيدة عن اعين الشرطة، او مكافحين في الجبال والاهوار ضد انظمة الطغيان.
واعتمد حزبنا خلال مسيرته موقفا مشهودا من الدين والمتدينين، تجسد في الاحترام الكامل له ولهم، والدعوة إلى التسامح والتعايش بسلام بين الأديان والمذاهب، وضمان حقوق الجميع في ممارسة الشعائر والطقوس الدينية بأمان وحرية، وعدم زج الدين في الصراعات السياسية. فمن شأن ذلك أن يشكل إساءة إلى الدين نفسه، خصوصاً اذا ما اقترن بالتعصب الطائفي. وهو ما يؤدي في المطاف الأخير إلى تناحرات خطيرة قد تصعب السيطرة عليها، مثلما نشهد اليوم للاسف الشديد.

الضيوف المحترمون
الرفيقات والرفاق الاعزاء
نحتفي اليوم بعيد حزبنا، ونحن لا نزال نعيش اجواء نجاح مؤتمره الوطني العاشر. وبوحي من هذا النجاح نسعى الى المزيد من الانجاز على شتى الصعد، لكي نكون جديرين بثقة شعبنا، وجديرين بحمل راية من ضحوا بارواحهم، من شهداء الحزب والشعب.
ويتركز عملنا ونشاطنا اليوم على تحويل شعار المؤتمر”التغيير- دولة مدنية ديمقراطية اتحادية وعدالة اجتماعية"الى منطلق ومرشد وهدف، نسعى الى بلوغه عبر النشاطات والفعاليات والنضالات والمبادرات الجماهيرية المختلفة، ليس من طرف الشيوعيين فقط، بل ومن قبل كل القوى التي تدعو الى الاصلاح والتغيير، وتعمل على انقاذ بلدنا مما هو فيه.
فالتغيير غدا ضرورة بالنظر الى اوضاع البلاد الراهنة وتعمق أزماتها، وتحولها إلى أزمة عامة ذات طابع بنيوي، وتفاقم آثارها على مختلف المستويات، مقابل تمسك المتنفذين بنهج الحكم القائم على المحاصصة الطائفية والأثنية في ظل دولة المكونات. وان من شأن هذا ان يدفع باوضاع البلاد نحو مزيد من التدهور، ويجعل التطور فيها مفتوحا على أسوأ الاحتمالات.
من جانب آخر كشف استمرار الحراك الشعبي والتظاهرات الاحتجاجية، على مدى سنة ونصف السنة تقريبا، وبصورة منتظمة وبمشاركة جماهيرية واسعة، بلغت الملايين في بعض الفترات في معظم محافظات العراق، كشف عن وجود امكانية فعلية للضغط الجماهيري المؤثر والفاعل، ولتطور حركة الاحتجاج ونموها واتساعها، وجذبها المزيد من الجماهير الى صفوفها.
ان الطريق الى الاصلاح والتغيير الحقيقيين واقامة الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية التي تكفل العدالة الاجتماعية، يتطلب نضالا حثيثا متواصلا من اجل احداث التغيير المطلوب في موازين القوى السياسية، لصالح اصحاب مشروع التغيير وأنصاره. ويمكن تحقيق ذلك عبر اقامة تحالفات واصطفافات وطنية عابرة للطوائف، وحشد طيف واسع من القوى الداعمة للاصلاح والتغيير، وتعزيز دور التيار الديمقراطي والقوى المدنية الديمقراطية والوطنية المعتدلة، ومواصلة الضغط الجماهيري السلمي المنضبط والمنظم، وتوسيع صفوفه، وضم طاقات وامكانات جديدة اليه، بما فيها التعامل مع شرائح شعبية جديدة، وبضمنها قواعد الكتل المتنفذة التي لها (اي القواعد) مصلحة موضوعية في تحقيق الاصلاح، وهو المقدمة الضرورية لأية مصالحة مجتمعية ووطنية حقة.
وفي هذه المناسبة نعلن اعتزازنا واشادتنا بانتصارات شعبنا، وما تنجزه القوات المقاتلة على اختلاف تشكيلاتها وصنوفها في المعركة ضد داعش ولتحرير الموصل، وصولا الى تحرير كافة مناطق بلادنا التي ما زالت تحت سيطرة التنظيم الارهابي. مشددين على مواصلة الخطى نحو دحر الارهاب وتجفيف منابعه عبر منظومة متكاملة من الخطوات والاجراءات. ومؤكدين ضرورة حماية المدنيين، وانصاف ضحايا الارهاب ورعايتهم وتقديم كل اشكال الدعم لهم، وتسهيل عودة النازحين الى مناطقهم المحررة، وقبل كل شيء توفير المأوى الآمن لهم والطعام والرعاية الصحية، سواء من الجهات العراقية، ام من المنظمات الدولية.
وتشكل محاربة الفساد وفضح ومحاسبة رؤوسه، عنصرا رئيسا في الاصلاح والتغيير المطلوبين. ولأجل انجاز هذه المهمة بجدية وفعّالية، فان من الواجب ان تبدأ من قمة السلطة، وان تشمل جميع المسيئين والمتلاعبين بالمال العام، بغض النظر عن مواقعهم الوظيفية ومسؤولياتهم السياسية والاجتماعية والدينية. كما يتطلب الامر ارادة سياسية حازمة، وعملاً متكاملا ذا أبعاد سياسية وتشريعية وقانونية وإدارية وتنظيمية، وانسجاماً بين مؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث.

ضيوفنا الكرام، رفيقاتنا ورفاقنا الأعزاء
في هذه المناسبة وأمام حشدكم الكريم، يجدر التذكير بالنداءات الثلاثة التي اطلقها مؤتمر حزبنا الوطني العاشر قبل اربعة اشهر. وكان قد وجه أحدها إلى الشيوعيين الذين يقفون خارج الحزب داعيا اياهم الى اعادة التواصل معه، ووجه الآخر إلى القوى والشخصيات المدنية الديمقراطية لتجاوز حالة التشتت وتوحيد جهودها، تعزيزأ لدورها السياسي ومن أجل الخلاص من نهج المحاصصة، والتوجه نحو بناء الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية. فيما وجه النداء الثالث إلى المثقفين ودعاهم فيه الى تفعيل دورهم المرتجى في معركة شعبنا ضد الفساد والمحاصصة والطائفية السياسية، ومن اجل الاصلاح والتغيير.
ومنذ اطلاق هذه النداءات، والحزب يبذل جهداً مثابراً، بالتعاون مع حلفائه فى التيار الديمقراطي، وبالتنسيق مع قوى وشخصيات مدنية ديمقراطية أخرى، لجمع الاطراف ذات المصلحة في التغيير والمطالِبة به، وحشد القدرات معها، سعيا الى تشكيل كتلة وطنية مدنية ديمقراطية عابرة للطائفية، تخوض الاستحقاقات الانتخابية القادمة. وسيعمل حزبنا بجد من اجل ان ترى الأسابيع القادمة المزيد من الخطوات الواعدة على هذا الطريق.
فلتتضافرِ الجهودُ وتتعاظمْ من اجل تحقيق بديلنا المنشود في اقامة الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية، دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.
تحية للعيد الثالث والثمانين لحزبنا الشيوعي!
تحية لرفاقنا في الحزب الشيوعي الكردستاني الذين يشاركوننا الاحتفال بهذه المناسبة المجيدة ويواصلون النضال بثبات في مواجهة التحديات الكبيرة في الاقليم.
المجد والخلود لشهداء الحزب والحركة الوطنية العراقية وليعش حزبنا الشيوعي العراقي!