العندليب.. سيرة فنان.. أم سيرة مرحلة؟

العندليب.. سيرة فنان.. أم سيرة مرحلة؟

د. حسين علي هارف
اكثر من عشرين عاما  هي العمر الفني للعندليب حليم والتي تزامنت معها احداث سياسية كبرى شهدتها مصر(ثورة تموز / العدوان الثلاثي / الوحدة بين سوريا ومصر / حرب اليمن/ نكسة حزيران / وفاة عبد الناصر / حرب تشرين) فكان المسلسل بحق حكاية شعب وحكاية ثورة لاحكاية مطرب حسب. ونزعم ان الربط بين ولادة حليم(الفنان) وولادة ناصر(الثائر)

 كان منطقيا وموضوعيا من خلال الصلة الروحية بين حليم والثورة التي ظهر في اجوائها وفي ظلها فتبنته ودعمته كنموذج لجيل الثورة والمطرب(الشعبي) الذي يمثل الفقراء والفلاحين والشبيبة بديلاً لمطربي السراي والملك والباشوات. وليس مصادفة ان يكون الظهور الحقيقي والمؤثر والانطلاقة الاولى لحليم في العيد الاول(وربما الثاني) للثورة وبدعم من مجلس قيادة ثورة تموز 1953.

وقد عمق المسلسل هذا(الربط) من خلال احد الخطوط الدرامية الثانوية للمسلسل المتمثل في صراع حليم مع زوج حبيبته(جيجي) الذي رفض تطليق زوجته التي صارحته بحقيقة مشاعرها ورغبتها بالانفصال للارتباط بحليم. فكانت المواجهة والصراع الذي كشف عن صراع طبقي واجتماعي. وقد عبر الزوج(الثري والمتنفذ) عن طبيعة هذا الصراع في مشهد ساخن محتدم مع الزوجة بقوله:(الصراع بين جيش الباشوات واوبرا عايدة وبين جيش العسكر الفلاحين الحفاة)!! ويقصد ناصر وحليم. فناصر قد سلبه النفوذ والثروة والجاه وها هو حليم يحاول سلبه حبه وزوجته التي تعلقت بحليم الانسان والفنان الذي رأت فيه حلمها وبذلك اصبح حليم مطرب(الشعب) والفقراء والفلاحين والطبقة المتوسطة(الصاعدة) بعد ان كان المطربون يرتبطون بالسراي والملك والباشوات من امثال زوج (جيجي) قبل ثورة تموز. كما ومثل حليم في الاتجاه ذاته رمز الشباب والثورة والتمرد والرومانسية من خلال افلامه ذات الطابع الشعبي واغانيه التي بحثت عن اشكال وقوالب غنائية جديدة ومبتكرة ومتنوعة وفي الجانب الاخر استطاع هذا الخط الدرامي(حليم - جيجي - الزوج) ان يعمل على تاجيج ومن ثم تصعيد(الدراما) داخل حلقات المسلسل وخلق مستويات متعددة من الصراع(الداخلي والخارجي) فلقد كانت الزوجة العاشقة من دقة موقفها وحراجته فاتخذت موقفها الايجابي في تصحيح تهورها ونزقها لكن حليم ادانها من منطلق ومنطق(العبيد والسادة) الذي اوحت له به(عودة الى الصراع الاجتماعي والطبقي) وكان مشهد مصارحة جيجي لحليم في صحوة ضميرها من اجمل المشاهد الدرامية في المسلسل وقد اجادت الممثلة(هاديدي)(جيجي) في انفعالاتها وقد فجر هجر جيجي لحليم،ووفاتها اثر مرض عضال فيما بعد صراعا داخل حليم واحدث تغيراً في حياته العاطفية والفنية والاجتماعية وقد جسد المخرج وكاتب السيناريو هذا الجانب بشكل واضح من خلال مشاهد الاستذكارات والتداعيات والـ(فلاش باك) حتى الحلقة الاخيرة بل المشهد الاخير. واذا كان عبد الحليم حافظ الفنان قد صنعته ظروف بلد ومجتمع ومعاناة وعذابات كما يقول صلاح جاهين صديق عمره في احد مشاهد المسلسل فان المسلسل قد عرض لنا بدقة اهم عذابات حليم وصراعاته لاسيما مع المرض الذي كان ينخر جسده حتى مماته، او مع منافسيه الذين سبقوه او عاصروه او ظهروا فيما بعد ومنهم(محمد رشدي / محمد قنديل / حسين السيد / محرم فؤاد) اضافة الى كمال حسني الذي شكل ظهوره كمنافس خطا دراميا صعد وفجر صراعا دراميا ملحوظاً من خلال محاولة الصحافة انذاك والمنتجة(ماري كويني)(التي رفض حليم التعاون معها ليرد لها صفعة رفضها له في بداياته) خلق منافس يزيح حليم من عرش نجوميته او يزاحمه عليه وقد فشلوا غير ان الصراع التنافسي الاعظم الذي اخذ القسط الاكبر من التركيز الدرامي في المسلسل كان ذلك الصراع الشديد المتعاظم بين العملاقين حليم وام كلثوم والذي اخذ شكلا وديا حينا وغير ودي حينا اخر وكان حليم يسعى الى اخذ فرصته الكبيرة والحقيقية في ظل نجومية ساحقة وطغيان حضور ام كلثوم اجتماعيا وفنيا وسياسيا فقرران يكون لها نداً وكان بداية الخلاف وبذرته في احتفالات عيد الثورة(1964) وقد عالج كاتب السيناريو(د. مدحت العدل) هذه الصفحة من الصراع معالجة درامية جيدة عبر حلقة كاملة(تقريباً) اذتقرر ام كلثوم تضييق الخناق على فرصة حليم في الغناء في حفلة عيد الثورة بالاتفاق مع المشير عبد الحكيم عامر المتعاطف مع كوكب الشرق. وهنا يتهور حليم ويهاجم ام كلثوم على الهواء وامام الملأ وامام مجلس قيادة ثورة تموز وناصر وعبدالحكيم عامر فتثور ثائرة ام كلثوم وعبد الحكيم عامر المشير الذي حرص المسلسل على تقديمه بشخصيته الصارمة والحادة والفظة احياناً مع الجميع وحتى مع عبد الناصر ذاته وقد افرد المسلسل مساحة شاسعة(كان يمكن ضغطها واختصارها) لهذه العلاقة المتوترة بين ناصر وحكيم عامر لاسيما بعد نكسة حزيران والتي انتهت بانتحار المشير ومرض عبد الناصر. ولم يهدأ حليم ولم يستكن في الحرب بينه وبين ام كلثوم فقرر اللجوء الى الرئيس عبد الناصر ذاته كيف لا وهو ابن الثورة.