كتاب لن انساه : (فنان الاختفاء) للكاتبة أنيتا ديساي

كتاب لن انساه : (فنان الاختفاء) للكاتبة أنيتا ديساي

علي عبد الأمير صالح
يُعد كتاب (فنان الاختفاء، 2012) أفضل ما أصدرته الكاتبة الهندية أنيتا ديساي منذ روايتها (صيام، ولائم، 1999)، ويشترك مع روايتها الاستثنائية (نار على الجبل، 1977) في النظرة الرؤيوية إلى عالمنا المعاصر. في هذا الكتاب تحديدا يتجلى نقدها اللاذع للثقافة الاستهلاكية المعاصرة، حيث التعاطي الرأسمالي مع الثقافة، بشكل صريح وواضح،

ولكنه بعيد عن الانفعال والمباشرة والارتجال والشعارات. إنها تعالج مواضيعها بروية، وبلاغة لغوية، وبراعة أسلوبية، طالما عرفناها في آثارها الإبداعية الغزيرة.
يضم كتابها الجديد (فنان الاختفاء) ثلاث روايات قصيرة هي على التوالي : (متحف الرحلات الأخيرة)، و (المترجِمة مترجَمة)، و (فنان الاختفاء).
تشيد أنيتا ديساي فضاءها السردي التخييلي في هذه الروايات الثلاث ضمن جغرافية الهند، البلد العريق، متعدد القوميات، والثقافات، والأديان، واللغات، والذي اشتهر بملحمتيْ (المهابهاراتا)، و(الرامايا)، وعُرف كذلك بجبال الهملايا، و(تاج محل)، الصرح المعماري الرائع الذي شيده شاه جيهان تخليدا لزوجته ممتاز محل التي شغفها حباً.
أبطال وبطلات رواياتها القصيرة الثلاث في كتابها الجديد أناس عاديون، من عامة الشعب، لكنهم مبدعون، ويمتلكون موهبة ما ؛ إنهم يهوون الفن والأدب، ويقرؤون الكتب، بل يكتبون أيضا، وبعضهم يقيمون علاقات طيبة مع الآخرين، لكنهم سرعان ما يصطدمون بالواقع القاسي، فينكفئون، وينزوون، ويتوارون عن الأنظار، ويختارون العزلة والوحدة، ويعيشون بعيدا عن المجتمع المعاصر الذي تسوده القيم المادية، وعن العالم الذي تستحوذ عليه الثقافة الاستهلاكية الفجة، التي لا تكترث بالقيم الإنسانية، ولا تأبه بالثقافة الرفيعة والنبيلة التي دافع عنها شاعر الهند الأكبر طاغور.
ثمة قاسم مشترك يربط هذه الروايات القصيرة الثلاث، ألا وهو : التعلق بالفنون، لكنها – أي الروايات – في الحقيقة، تصف ذواتنا – ذواتنا البشرية التي تجرؤ على التمني، والتي تطمح باستماتة أن تكون مختلفة عن الذوات الأخرى، لكنها، بعد حين، تُصاب بخيبة الأمل، وتتراجع إلى الوراء، وتختفي عن الأنظار، وتبدأ بممارسة الحياة العادية، المألوفة، الأفقية، شأنها شأن السواد الأعظم من الناس.
إن شخصيات روايات ديساي الثلاث التي ترسمها بأسلوبها المألوف الذي يمزج السخرية بالعاطفة المرهفة هم أناس ينظرون إلى الصور واللوحات الفنية، ويقرؤون الكتب : الأثرياء الذين يجمعون الأعمال الفنية ويهملونها، الموظفون الحكوميون الذين يستحوذ عليهم الإحباط والملل والرتابة، المترجمون من اللغات الثانوية إلى اللغات الرئيسة والنقاد والناشرون الذين يجتمعون حول الحافات، تعكر نقاشاتهم المتواصلة حدود تلك الحافات، وتطمس ملامحها. وفي الرواية الأخيرة في الكتاب (فنان الاختفاء)، تكتب ديساي عن ذلك الجزء السري من النفس البشرية، الجزء الذي يستطيع أن يبدع، ويبتكر، بغض النظر عن الخراب الذي آلت إليه الظروف المحيطة بنا، الخراب الذي ذكره قسطنطين كفافي في قصيدته الشهيرة :”وكما خربت حياتك هنا، في هذه الزاوية، فهي خراب أنى ذهبت.”.