كلاكيت.. فن التركيز والعناية بالجوهري

كلاكيت.. فن التركيز والعناية بالجوهري

ناجح المعموري
ما زلت أتردد كثيراً وألتقي بكل الأصدقاء ومكوثي مع الأخ علاء المفرجي أطول، وأحاديث كثيرة أودعه ومع أكثر من كتاب هدية. وفي زيارتي الأخيرة قدّم لي كتابه كأول”كلاكيت”المطبوع ضمن منشورات مكتبة عدنان. قرأت الكتاب واستمتعت به كثيراً، لأنه مختلف تماماً عن كتب النقد السينمائي التي أعتدنا عليها في السبعينيات، حيث الدراسات الطويلة للغاية،

ويبدو أن العمل الصحفي واحتراف كتابة العمود المألوف يزوِّد الناقد بحرفة لا تتوفر بيسر لغيره من الأدباء والمثقفين وهذا ما لاحظته في كتاب المفرجي، المتميز بمقالاته القصيرة المشبعة تركيزاً، لكنها لم تغادر الحيوي، أو تهمل الجوهري في الموضوع المتناول ودائماً ما يكون عن السينما. انه كتاب يوفر للقارئ معلومات ثقافية وفنية متنوعة عن فن السينما والعناصر المشاركة بإنتاج الفيلم. مثل كتاب السيناريو / التصوير / الشخوص / الرواية / المخرج وقد استعادني هذا الكتاب إلى الحوارات المهمة لعدد من المخرجين المشهورين، كان بعضهم حاضراً في كتاب علاء المفرجي، وقد استفدت من آراء خاصة جديدة عن الصورة، والضوء، الظلمة وكيفية التعامل معها ومنحها خيطاً من النور بلمحة في قاعة أحلام رولان بارت التي تعرّف عليها صدفة، وأهم المحطات في حياة الانسان هي التي نجدها أو نتعرف عليها في لحظة لم تكن محسوبة، أو متوقعة. غرفة بارت المملوءة بالاحلام المتضارعة، هي عوالم ساحرة، مدهشة، مبهرة، ينبثق من عمقها المظلم تنطوي.
كلمة رولان بارت على بلاغة وعمق، لأن الاحلام نتاج الظلمة، وهي ظلمة التعطل الكامل عن الحياة والذهاب بعيداً نحو أحلام يوحي ما قاله رولان بارت بأنها أحلام سعيدة التي هي عند بورخي – كما قال الناقد علاء المفرجي – رواية تشبه عالم الشاشة الفضية، فالسينما كلمة تنفتح على عالم سحري لا، بل عوالم مثيرة تعطي ما لا يتوقعه الانسان وهو يراقب الحركة على الشاشة المكتظة بالفرح والكآبة اللا نظام والمرتب، الجميل، والقبيح، هي القادرة على قلب الصفات الثابتة، المتعارف عليها من قبل الانسان، تحوِّل الكراهية إلى حُب، الصمت على الصراخ، التلاعب بالازمنة مثلما انها يريد لها المخرج، الأكاذيب تصير حقائق كل شيء قابل للتغيير في السينما التي تنفتح على السعادة والحب والبغض والكراهية، تعيد بناء العدو إلى صديق تماماً مثل كالفينو في إحساسه ان ما يشاهده على الشاشة فقط هو الذي يمتلك المميزات المطلوبة من العالم: الامتلاء، الضرورة، الانسجام، وأحلام اليقظة، ببساطة ملاذ مصطنع تشاغلنا به الحياة”
****
ولأن السينما تأخذنا دائماً لما هو غير متوقع ومعروف، تقذف بنا وسط سردية تنفتح على سرديات عديدة يرتبط بمشترك بسيط يتعمق ويصير عصيباً حساساً، موحداً بين كل تفاصيل السرد، هكذا تنوّع كتاب علاء المفرجي واتسع جداً على الرغم من التعامل معه من خلال مقالاته المركّزة وكأنها رسالة موجزة تفيض بشفرات فنية، حافلة بالمعنى وتنوعاته، من خلال لغة بسيطة، وسهلة، لكنها تحتوي على ما يريده هو في أفكار وأخبار وبأسرار وكأنه يسجل وقائع السردية بوسائله الخاصة. فالتاريخ حاضر، والشعر له قائمة ولأن السينما تنتجها وبغيابها تتعطل السينما، وتظل شريطاً متلاصقاً لا يفضي للحظة المشدود لها المشاهد كي يمسك بما يريد من أجل استكمال الواقعة.
ما يُثير في كتابات”كلاكيت”تنوعاته الفقيرة ومحارة المفرجي بالتركيز والاكتفاء بما هو جوهري من التفاصيل، وسأحاول متابعة قضايا مهمة في السينما، مثل بعض الاسماء الفنية المشهورة جداً، لا، بل سأذهب نحو أكثرها شهرة وحضوراً ومتابعة المدينة في السينما، واعتقد بأن بغداد تستحق مثل هذه العناية على الرغم من قلة الافلام المنتجة عنها لكتب ما زلنا نتذكر المهم منها والحاضر بالذاكرة، كذلك السينما الوثائقية وما أنتجت من أهم الافلام التي نجح بإنتاجها عدد من الفنانين العراقيين وعن أسماء لامعة جداً ما زالت حاضرة بالذاكرة العراقية، وعلى سبيل المثال الفنان والقاص يحيى جواد، الذي كنت منذ أشهر مهتماً باستحضاره من خلال فعاليات اتحاد الأدباء الاستذكار وبقيت اسأل عن مَن هو يعرفه ليحاضر عنه، إلى أن وجدت ترصد النقاد الشباب معنياً به وأمر مثير، ودهشني أكثر عندما قال الاستاذ علاء المفرجي حاولت السينما الوثائقية الاقتراب من كل ما ذكرنا – يقصد الذاكرة الحية – ولكنها لم تقنعها جمالياً أو فكرياً.. الاستثناءات قليلة، وربما، يحضرني هذا الاستثناء رائعة بسام الوردي ورياض قاسم (حكاية المدى) حيث شواكة كرخ بغداد، رمز من رموزها الشامخة”يحيى جواد”اتمنى الحصول على نسخة من هذا الفيلم من أجل تنظيم احتفاء متنوع بمبدع عرفناه، لكنه لم يأخذ معه من الاحتفاء بوصفه نحاتاً وقاصاً مهماً وحتماً سيكون علاء المفرجي مشاركاً معنا للاحتفاء الاستذكاري بالكرخي المُبدع يحيى جواد.