من الاعمال الخيرية في العقود الماضية.. خانات ايواء المسافرين بين بغداد والمدن الاخرى

من الاعمال الخيرية في العقود الماضية.. خانات ايواء المسافرين بين بغداد والمدن الاخرى

د. محمد حسن مجيد الحلي
ذكر المؤرخ إبراهيم الدروبي في كتابه : (البغداديون – أخبارهم ومجالسهم) أن بعض الموسرين من المسلمين كانوا يقومون بأعمال ومشاريع خيرية، منها : (الخانات) وكان بعض هذه الخانات كبيرة والبعض الآخر صغيرة، وفيها الغرف والأواوين والمخازن. وغالباً ما تكون خالية من الآثاث.

ذكر الشاعر حيدر الحلي (ت : 1887م) في كتابه : (العقد المفصّل) أن بعض الموسرين من أسرة آل كبة ببغداد شيدّ من الخانات لايواء المسافرين والزوار على طريق بغداد – كربلاء، وبغداد – الحلة، وبغداد – سامراء، وقال : ((وقد بنيتْ تلك المنازل في مفاوز قاحلة يكثر قطع المسافرين لها في حين يقيل به مسافر من هاجرة ولا مأوى يعرّس فيه أحد من أعيان أو خوف000)). لقد كانت هذه المنازل مؤسسات قائمة متطورة وذوات نفع عام ووظائف مهمة تؤديها للمسافرين والتجار والناقلين وانها ضرورية للسفر والتجارة وهي لم تكن من مستحدثات العصور المتأخرة او القرن التاسع عشر. انما كان بناؤها والاهتمام بها منذ زمن قديم في العراق. فقد ذكرت المصادر أسماء الكثير ممن شُيّد منها في العصور السابقة. فقد ذكر اليعقوبي (ت : 284هـ) في (تاريخه) خاناً في بغداد يُعرف بـ (خان النجائب)، كما اشار ياقوت الحموي (: ت 626هـ) الى وجود خان يسمى : (خان وردان) كان يقع شرقي مدينة بغداد، قال عنه انه يعود الى العصر العباسي الاول. ومن اشهر الخانات الماثلة حتى اليوم ببغداد : (خان مرجان) الذي يعود تاريخ انشائه الى سنة 760هـ/1358م، الكائن في سوق البزازين في محلة : (باب الاغا) حالياً، وقد أمر ببنائه حاكم بغداد : (أمين الدين مرجان) في عهد السلطان أويس بن الشيخ حسن الإيلخاني، وكان يُعرف بـ : (خان الاورتمة)، أي الخان المسقوف – بالتركية – وانه يتكون من طابقين الاول يحتوي على 23 غرفة، والثاني 22 غرفة وكان التجار والمسافرون يشغلون غرف الخان، وتجري فيه وفي ساحته الوسطى عمليات البيع والشـراء مـدة تقارب من سبعة قـرون.
ومن الخانات المشهورة ايضاً : (خان چغان) ويعود زمن بنائه الى أيام السلطان مراد الرابع العثماني، وقيل انه شُيدّ على نفقة (چغاله زادة سنان باشا) والي بغداد بين عامي (999-1001هـ) الذي بقي يُعرف باسم مؤسسهِ الى الوقت الحاضر، والذي بقي على حاله حتى سنة 1929م حيث هُدِم، وغُمّرتْ مكانه أسواق ودكاكين. كما ذكر السياح الأجانب أسماء الكثير من الخانات واوصافها، مما لم يبق لقسم منها أثر الآن، إذ اندرس الكثير منها بفعل عوامل الطبيعة ومرور الزمن وحوادث التخريب والغارات والمعارك. فقد ذكر الرحالة الفرنسي (تافرينيه) الذي زار العراق في القرن السابع عشر الميلادي وجود عشرة خانات كانت بحالة جيدة غير أن اثنين منها كانا يوفران الامن والراحة للمسافرين، كما اشار الرحالة الالماني (كارستن نيبور) الذي زار العراق سنة 1766م الى وجود 22 خاناً، وكان اربعة منها تقع في ضواحي بغداد والباقي في داخلها، وكان قسم منها جيد البناء واسع المساحة يسكنه التجار وقسم آخر صغير.
اما الرحالة الانكليزي (بكنغهام) الذي زار العراق في مطلع القرن التاسع عشر 1816م، فقد اشار الى وجود خانات كثيرة في بغداد، وعلى الطرق المؤدية اليها، وقال : انها عموماً متشابهة في بنائها، وانها تشبه الى حد كبير الخانات الموجودة في ديار بكر، ثم تحدث عن (خان مرجان) بإسهاب، كما تحدث عن قسم من هذه الخانات الرحالة الانكليزي الآخر (جيمس بيلي فريزر) في رحلته الى العراق سنة 1834م في كتابه : (رحلة فريزر الى العراق)، ومثله ما ذكره الرحالة الفرنسي (پيير دي فوصيل) في رحلته الى العراق في كتابه : (الحياة في العراق منذ قرن) الذي ذكر فيه الكثير من هذه الخانات.
قلنا : ان سبب كثرة هذه المنازل والخانات وانتشارها في بغداد وبين المدن، يعود الى كونها شرطاً اساساً في استمرار التجارة ومواصلة التنقل والترحال والسياحة والزيارة والحج، ولسنا الآن في صدد تعدادها أو إحصائها بقدر ما نهدف الى عرض فكرة عن وجودها واهميتها وكثرة عدد ما شُيّد منها في العراق، فقد ذكر احد الباحثين المحدثين ان عدد خانات بغداد اواخر العصر العباسي بلغت 980 خاناً، وهو عدد هائل لو صحّت الرواية – وذلك يدل على اهمية ما تقدمه من خدمات للناس، وقد ذكر الباحث نفسه انه بقي منها في القرن التاسع عشر 118 خاناً، كان اكثرها خاصاً بـ (المكارية) – عمال النقل على الحيوانات – وأيواء الدواب وحفظ الاموال، والمهم منها ما كان في الأسواق لخزن البضاعة وحفظها، وكانت مشغولة من قبل التجار، وذكر أسماء 24 خاناً، حّدد مواقعها وذكر وظائفها، ومعالم بنائها وأسماء بُناتها وأصحابها وتاريخ بنائها، هذا في بغداد وحدها يُضاف الى هذا العدد، الخانات التي كانت مشيدة على الطرق الخارجية بين كل من بغداد وكربلاء. وبغداد والحلة وبغداد وسامراء وكربلاء والنجف وغيرها مما ذكره الرحالة والمسافرون والشعراء والكُتاب في أشعارهم وكتاباتهم، وسجلته كتب الأدب والتاريخ ودواوين الشعراء وعمن بناها من المحسنين والموسرين. اما من حيث انظمة هذه المنازل وآدابها، فقد ذكر الرحالة الانكليزي (السير واليس بدج) الذي زار العراق سنة 1888-1889م في كتابه : (رحلات الى العراق) : ان النازل في الخان لا يدفع اجراً، سوى ان العُرف يقضي بأن يُكرِم النازلون فيه الشخص الذي يقوم بخدمة الخان وادارته قدر ما يستطيع النازل نظير ما يقدمه للمسافر من خدمات، ولما يقوم به عادة باستئجار جماعة تلقى عليهم مهمات تنظيف الخان وحراسته. كما يقوم ايضاَ بتزويد النزلاء بالحبوب والاطعمة والوقود والكثير من اللوازم التي يحتاجونها، على أن تدفع له قيمة هذه المواد، كما وصف الرحالة (بدج) في كتابه هذا تلك الخانات وصفاً دقيقاً مما رآه في تجواله في العراق وتحدث عن إدارتها وعمن يقوم ببنائها وطريقة النزول فيها. ونوعية الخدمات التي تقدمها للمسافر والنزيل، كما تحدث عن هندستها وطرُز بنائها، وعدد الغرف فيها، وأقسامها المختلفة وطوابقها التي غالباً ما لا تزيد عن طابقين، كما ذكر أسماء العديد من الخانات التي نزل فيها، ووصف كل واحد منها من حيث سعتها وأماكنها.
وإذا كان لمنازل الطريق هذه كل تلك الأهمية الكبيرة في خدمة السياحة والسفر، ويقوم بانشائها محسنون من سُراة الناس، او ملوك أو حكام أو ولاة مقتدرون، فانه يكون من الطبيعي ان تُحظى باهتمام الأدباء والشعراء ويتناولونها في أشعارهم وفي كتاباتهم على مرّ العصور بالوصف والاشادة بها وباصحابها، وان الكثير من اولئك الادباء نزل فيها خلال تجواله، وان يشيدوا بأولئك المحسنين، ولا اذيع سرّا حين اقول ان اكثر ما جاء في قصائد الشعراء في وصف تلك المنازل وفوائدها جاء ضمن قصائد مدح بُناتها المحسنين، والقليل منها ما جاء في وصفها بقصائد مستقلة الغرض فيها وحدها، لان ما جاء فيها وفي وصفها وبذكر اصحابها أدب كثير وشعر وفير.
كان الشاعر محمد بن الخلفة الحلي (ت1247هـ/1831م) اكثر طرافة في وصفه لرحلة قام بها من الحلة الى بغداد، واجمل وصفاً واكثر ذكراً لمجموعة من منازل الطريق التي مرّ بها وشاهدها في رحلته هذه، ومن غير مدح لبناتها. وصفها باسلوب الرحالة الخبير المجرّب والمسافر الدؤوب الذي عرف الطريق وخبَرَ الناس، فوصفها وصفاً يدل على شعور بمتعة الرحلة، والاحساس بالامتنان، وهو ينزل في قسم منها لما يقدمه القائمون عليها من خدمات طيبة واستقبال حسن وما يلقاه النزلاء عموماً من أمان وطعام وشراب. كما ذكر في قصيدته من تلك الاماكن ما لا يحسن النزول فيها او التوقف عندها، اما لسوء خُلق القائمين عليها لتقصيرهم في خدمة النُزال، او لعدم توفر الراحة والأمان فيها، كل ذلك وصفه بنوع من الشعر الجديد (المستحدث) الذي سُمي بـ : (شعر البند) او : (فن البند)، والبند هو نوع من الشعر المعرب أُستحدِثَ في العصر الوسيط، وشاع النظم فيه في وسط العراق وجنوبه، وفي بلاد الاحواز منذ او قبل القرن السابع عشر الميلادي وكثر النظم فيه في القرن التاسع عشر لخفته وسهولته وطرافته ؛ لأن النظم فيه يقوم على أساس التفعيلة بدل الشطرين وعدم الالتزام بوحدة القافية، وهو يشبه الى حدّ كبير الشعر الحر في العصر الحديث، أو هو أساس الشعر الحديث الذي تطور عن البند حسبما زعم احد الباحثين المحدثين، ولكنه يُكتب على شكل أسطر النثر، وليس على شكل أبيات غير متساوية الطول كما هو في الشعر الحر.
ان قصيدة الرحلة هذه لابن الخلفة ووصفه لمنازلها، هي في الاساس قصيدة في (المدح الديني)، مدح بها الإمامين الكاظميين (ع) وهو يتجه اليهما، وبعض الائمة في بغداد، فكأنه يريد ان يشرح لمادحيه المكرَّمين شدة معاناته وتحمله الصعاب من أجل الوصول اليهم وزيارته لهم، وربما هي تشبه بشكل من الأشكال (لوحة الرحلة) الى الممدوح في الشعر العربي القديم.
بدأ ابن الخلفة قصيدة الرحلة بوصف مسهب لجواده الذي رافقه في السفر، وشكله وقوّته، وكثرة تحمّله، في وصف طريق ندَرَ مثيله في وصف الخيل في أدب الرحلات في الشعر العراقي في هذه المرحلة، وهي جزء من وصف المنازل والطرق ووسائط النقل في الرحلات حين يرسم له صوراً اخّاذة جميلة تدل على معاناة حقيقية خلال السفر، وإلفة مع الحيوان وقربٍ منه، وان تلك الأوصاف وان كانت تقليدية، الا انه وضعها في اطار ممتع من الخيال الطريف والمحتوى الجديد والقالب الشيّق والألفاظ السهلة، ويبدو ان الرحلة تمّت في العقد الثاني من القرن التاسع عشر ؛ لانه ذكر فيها اسم الوالي (سعيد باشا) الذي كان والياً على العراق بين سنتي 1813-1816م، ونلاحظ من وصف ابن الخلفة لجواده ما يدل على بداية رحلة نشيطة وعزم مندفع للسفر وثقة كبيرة برفيق الطريق، وقدرة على مواصلة الرحلة الطويلة المضنية الى نهايتها، لذلك أطرى جواده وفصّل في أجزائه ووقف عند خصاله وميزاته من قوة وسرعة وجمال وأصالة، وهكذا تبدأ الرحلة بقوله : ((أيا مرتقياً سَرَج جَوادٍ من جياد الخيلٍ جمّاحُ.رُباعياً من الضمرَّ في غرّته النجمُ اذا لاحْ، طويلُ العُنقِ والساق. سريُع الخطو سبّاق قصيرُ الاذنِ والظهر وسيعُ العينِ والظهر. فلا الريحُ تباريهِ إذا غار. ولا السهمُ يجاريه إذا سار. ولا الطيرُ يحاذيه وانْ طار. ولا يُسبَقُ إن مَر. ولا يُلحقُ إن فَر. ولا يصعبهُ الحر ولا يتعبه الكر – ولا يكلفُهُ البَرْد. ولا يبلغهُ الطرد من الجرد العتاقِ الشهب ان أقبَلَ كالسيل. وان ادبرَ كالبرق إذا أومضَ في الليل، ثم يبدأ بوصف الرحلة وتعليماتها، إذ يقول : ((وسرْ يحفظك الحافظ من كيد ذوي الغدر. لئام القوم كم خانوا وكم ما بينهم ضاع دم هدر. واياك ومكرِ السيُّ الخلقِ. فلا تصحب سوى السيف. وكن فرداً وحيداً حذراً حتى يراكَ الناس كالطيف، وعوّد نفسك الغربة واقطع مهمة البيد، وجرّد صارم العزم من الحزم، على غاربِ مهريّ لقد فصّلهُ الصانع في أحسن تفصيل... فحركه من الجسر. لكي يخترق الارضِ كما النسر. وان جئت الى (النيل) وجاورت (المحاويل). فلا تأوِ الى خان. ولا ترفق بمن خان سوى (خان ابن نجار) شريف تاجرٍ أشرف تجار. سقى الله. على تربته مرنة غُفران. من الرحمةِ مالم يُسقها من قبل انسان. وأعلى قصره في جنة الخلد بفضلِ منه ما دام وإحسان. فبُت فيه ولا تبرح حتى مطلع الشمس، ورح بالك لا تذكر ما صابكَ بالامس، وقم وأسرع بمسراك ولا تمش على مهلْ. ليطوى لك بالمسرى جميع الوعر والسهل. وان جئتَ الى (البير). تجنبها فما فيها اهل تدبير نعم في (خان زاد) استطعم الزاد هنيئاً واصطبحُ.

عن مجلة القادسية للعلوم الانسانية 2010