وصفة عبد الله العروي

وصفة عبد الله العروي

أحمد الخمسي
تنبأ المفكر عبد الله العروي منذ 1967، مع”الإيديولوجيا العربية”و"أزمة المثقفين العرب”و"العرب والفكر التاريخي"، باستمرار تأثير السلفية في المجتمع العربي.
واليوم، وفي ضوء كلام مفكر من طراز عبد الله العروي، حول استحالة ضمان الاستحقاق الجدير بتاريخ المغرب، دون التوجه نحو الملكية البرلمانية، لا يمكن للمغاربة إلا أن يتوقفوا عند هذه الوصفة المقدمة لضمان تجديد أسس النظام السياسي.

وطبعا، لا يمكن لمغربي أو مغربية أن يدعي ثقل مهمة التفكير في رأي عبد الله العروي، مثل ما يمكن لورثة الحسن الثاني أن يشعروا به من هم، قصد إيجاد المعادلات المركبة، والضامنة لكل التوازنات.
ولا يمكن لوارث العرش أن يفكر في رأي العروي دون أن ينفرد بثقل القرون الأربعة، على كاهله، بكيفية فريدة. فكل خلف لا يستطيع الحفاظ على التركة ينظر حكم شجرة الورثة في مختلف فروعها. ناهيكم عن كون امتدادات الشجرة موجودة في الحركة المجتمعية بيسارها وأصولييها ويمينها. ولكي يتحول الوعي بثقل”الماضي الذي لا يمضي”بصيغة المركز المتوسطي للذاكرة والمستقبل، يجدر بالمعنيين مباشرة كورثة بيولوجيين أن يشعروا بنفس الشعور الذي تطمئن به العائلات الملكية في أوربا الغربية وفي اليابان والكامبودج....
ففي وقت من الأوقات، لم يكن في العالم من هو أكثر شعورا بالاستقرار بين الأنظمة السياسية فوق الكرة الأرضية، مثل الأمبراطور هيلاسيلاسي في إثيوبيا والشاه رضى بهلوي في إيران. لكن الزلزال الفيتنامي بعد هزيمة أمريكا هناك، لم يتوقف دون أن يشطب نظاميهما قبل انتهاء السبعينات نفسها (إثيوبيا في 1974 وإيران في 1979). ومن غريب السلوك التاريخي للشعوب، الاستقرار الذي تمتعت به أقرب مؤسسة ملكية للزلزال الفييتنامي، الملكية في الكامبودج، دون الحاجة لذكر الأمبراطورية في اليابان. لسبب واحد هو السند الدائم الذي مارسه الملك الحكيم الكامبودي الفريد من نوعه، نورودوم سيهانوك. والذي زهد في السنوات الأخيرة في العرش وتركه لأحد أبنائه. وبالرغم من فهمه لمجرى التاريخ وتبنيه للملكية البرلمانية رفقة هيمنة اليسار على الطبقة السياسية، فقد بقيت كلمة سيهانوك هي العليا في لحظات الأزمات السياسية العويصة في البلد. لذلك، وحفظا للود ولجميل تصرف الملك المتنازل عن العرش، لم يشعر الشعب الكامبودي ولا طبقته السياسية بحاجة إلى إسقاط العرش من على رأس الدولة. في المقابل، عندما انتقل التهور إلى أفراد العائلة المالكة نفسها في النبال، ها نحن نجد أنفسنا أمام نظام جمهوري في هذا البلد الأسيوي الهندي الشكل الصيني الهوى.
واليوم، وقد تفاقم التناقض بين حيوية الملك وتفكك المؤسسات السياسية، لا توجد بين الملك والشعب ممرات مؤسساتية صلبة المعدن ضامنة لصبيب الثقة بالتجدد والتردد في الاتجاهين. وأصعب ما تبلغه الدولة في هشاشة علاقتها مع الشعب هي الاختناق التام وانقطاع الحقنة الاعتيادية من الثقة.
هذا التناقض بين جودة صورة الملك وتدهور أوضاع المؤسسات من حوله في أعين الشعب، يوازيه تناقض مواز، من جهة صبر الدولة على تغيير العلاقة بينها وبين الشعب من علاقة الخوف إلى علاقة الاطمئنان، بدليل المساحة من الحرية التي توفر للرأي العام تأكيد أخطاء قاتلة في سجل الراحل الحسن الثاني، مع تجديد التذكير برجائه في عفو الشعب عنه. وهو ما يفتح للدولة باب التكافؤ في الاعتبار مع الشعب. تحسب للملك ولورثة الحسن الثاني أجمعين، وعلامة على فكر التنوير بين ثلة الأمراء (مقال إيمانويل كانط حول مفهوم التنوير). مع ما ينتظره الشعب من التكافؤ لفائدة الأميرات مع الأمراء في العلاقة مع العرش، في أفق ما بعد الحسن الثالث، أي خلال النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين.
مقابل إمساك قبضة اللوبيات والاحتكارات على الصفقات والشرايين الاقتصادية الأساسية في البلاد. وتبعا لهذا التناقض، فمما لا ينتظر إلى النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين، كإصلاح، فهو تقوية اختصاصات البرلمان وتحويل الوزير الأول إلى رئيس للوزراء، دون المس بالدور الحاسم للملك، لأن المغاربة مثل كل الشعوب، يلمسون سواء عبر التحليل الأكاديمي أو عبر المتواتر من الإحساس والحدس، ما هي المواقع التاريخية بين المغاربة، التي تتملك الخبرة قبل القصور والدواوين، خبرة لا يمكن الاستغناء عن الماسكين بأسرارها وأرصدتها، والأمراء إحدى قلع الخبرة السياسية التاريخية في المجتمع المغربي.
ثم والحالة معولمة في السياسة الدولية والاقتصاد والتثقيف اليومي عبر الفضائيات والأنترنت، فالإصلاح الجاري عبر العالم يقتضي إعادة الاعتبار للجهات بالكيفية المعبر عنها في الخطاب الملكي الأخير (6/11/2008)، متقدمة ومتدرجة على المستوى الدستوري والسياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وقد أصبح المجتمع ذا فعالية متجددة غير مسبوقة. إذ لم يسبق لحركة اجتماعية أن تجرأت للدفاع على”الغراق"، أي ممثل النيابة العامة في الجهاز القضائي، وقد فعلت عندما مس الأنترنت بالحياة الشخصية لوكيل الملك في إحدى المدن المغربية قصد التشويش على مساره المهني.
إن الدولة التي تظهر مرونتها تجاه الرأي العام العالمي وتعمل على تجديد ميكانزمات العمل ببطء، تستطيع أن تتحمل تعديلا دستوريا ولو ببطء، من داخل الفصل 19، ليس بإضعاف اختصاصت الملك في النص الموجود، بل بالتنصيص على سيادة الشعب، كأرضية متينة لسيادة الأمة. ليستقيم منطق”الممثل الأسمى للأمة”وليستند على وجود ممثلي عاديين للشعب باختصاصات حقيقية، تزيد من قوة الممثل الأسمى للأمة عندما يأتي دور تحكيمه الاستثنائي لفائدة تصويب التوازنات الكبرى، عندما تعجز النخبة الحاكمة عن ذلك بموجب سلطات الحكم البرلماني العادي في الدول الديمقراطية.
ألا يستحق أحفاد شعب محمد الخامس نظام حكم برلماني ينتمي للعصر، بجهوية متقدمة، خصوصا بعدما أظهر حفيده توفره على التكامل بين طيبوبة الجد وحركية الأب؟
عن اخبار الادب المصرية