خمسون عاماً على غياب”الأمير”جان كوكتو.. الوليد الرهيب في رحلة البحر الزمردية

خمسون عاماً على غياب”الأمير”جان كوكتو.. الوليد الرهيب في رحلة البحر الزمردية

رلى راشد
يروق لمجلة”لو ماغازين ليتيرير”الأدبيّة الفرنسية أن تختار لغلاف عدد تشرين الأول عنوان”كوكتو الكوكبة"، في بحث دؤوب عن تحديد لفظيّ يفي لما أنجزه جان كوكتو، روائيا وشاعرا ومسرحيا وسينمائيا وفنانا في المطلق. يصيب التعبير الى حدّ بعيد في الإحاطة بما انصرف إليه”أمير الشعراء”الذي يجعله عام 2013 مصدر احتفاء في ذكرى رحيله الخمسين.

نتذكّره واحدا متعددا، هائما في تلك الرؤيا الحلمية المتخفّفة من كل ثقل، كما في جدارياته في مقر بلدية مدينته بالتبنّي، مانتون. هناك انسلّت السطور وتشابكت من تلقاء نفسها على قوله، كأن الصورة تصلح لافتة تعريفية عن منجزه المأخوذ الى تحولات لا تستكين.

كانت أذرع كوكتو كثيرة كأنه انسان بجسد أخطبوط ابتكاري، أُخذت كل ذراع بمهمة: القراءة ثم القصّ والكتابة وصنع الأفلام وصولاً الى تدخين السجائر. من طريق الخارج على المألوف والمختزل والعبثي والفكاهي، فلش هذا الخلاّق الفرنسي أعمالاً بحثت في سرّ الشعر، مستخدما عبارة”واقعية لا واقعية"، امتدت لتشمل الجزء الأوفر من تمارينه تقريبا. في المسرح وجد المكان الأكثر رحابة، فتوزّع مؤلفا وممثلا ومصمم ديكور وملابس ومخرجا. أما في المجال التشكيلي فافتتن بأشكال التعبير المختلفة وتقرّب من ماتيس، أحد رموزها الأكثر نتوءا. جمعت بين الإثنين غواية البحر الأبيض المتوسط التي كان من شأنها أن تعمّق أحياناً، اختلافاتهما أيضا. حاكى كوكتو صديقه الآخر الإسباني بيكاسو، عبر إدخال موضوع مصارعة الثيران الى قصائده وخزفيّاته على السواء، فصار الثور نواة تأمل في قدر حيوان استحال أسطورة. حلّت العبقرية عند بيكاسو مكان الذكاء، في حين حلّ الذكاء مكان العبقرية، قال كوكتو في شأن صديقه، في شيء من الفكاهة التي عصي عليها إخفاء الإنبهار. فليس مباغتا أن يدخل كوكتو صديقه بيكاسو حكايته”رحلة البحر الزمردية. يوميات أورفيوس II”ليصير احدى شخصياتها. تعود القصة الى حزيران 1951 لكنه أفصح عنها قبل شهور فحسب لتأتي بمثابة احتفال مبكر بخمسينية رحيل الفرنسي في 1963. في النص الذي ظل مجهولا لوقت طويل، نحاذي، الى بابلو بيكاسو، بول ايلوار وجان لوي بارو، ناهيك بالقبطان كلابيه الذي عرفّنا إليه كوكتو للمرة الأولى في نص كتبه لعرض الباليه”ثنائي برج ايفل”في 1921.
اهدى كوكتو نص”رحلة البحر الزمردية. يوميات اورفيوس II”الى صديقته فرانسين فايسفيلير وابنتها كارول اللتين نسيتاه تماما، قبل أن تُخرجاه الى النور أخيرا. ربطت كوكتو علاقة عاصفة بفايسفيلير التي التقاها خلال تصوير”الأولاد الرهيبون”في 1949، واقام في فيلاّ تملُكها حيث اندفع يزيّن حيطانها بجداريات ضخمة. هذه هي التفاصيل الزمنية، أما تفاصيل الحكاية الأدبية العائدة من نسيان، فمشروع يستدعي المغامرة والفكاهة والتهكم. تنطلق القصة يوم الأربعاء 13 حزيران 1951، عندما يتلقى أفراد طاقم سفينة”أورفيوس II”برقية بعث بها أحد الكهنة الأرثوذكس متمنيا لهم سفرا موفقا. تشرف السفينة على الإنطلاق عند الحادية عشرة قبيل الظهر، من سان جان كاب فيرا. تبدو الظروف ملائمة، لكن تبرز مشكلة في مرساة السفينة الشراعية العالقة تحت سلسلة مرساة أحد اليخوت الإنكليزية. لا يلبث الأمر أن يثير حنق القبطان فيلعن انكلترا التي أعاقت مشروعه. النص حكاية خرافية هدفها اثارة الضحك، بل انها أشبه بنكتة ذكية أو ربما محاولة فانتازية تندرج في مناخ كتابات كوكتو تماما. ها هنا أوديسيّة تتقدّم بشكل يوميات، بين الثالث عشر والخامس والعشرين من حزيران 1951، على متن سفينة”اورفيوس II”الشراعية. القصة نزويّة ومفككة ومحشوة بفيض من الإلماحات وبكلمات يجري التحايل عليها، كأنها محاكاة لألبومات تان تان المصوّرة أو لنصوص سويفت أو ستيفنسون. أما الطاقم الذي يجوب السفينة فيتألف من السارد ومن إحدى النساء النبيلات المنهمكات في البحث عن مجوهراتها الزمرديّة ومن ماركيز وبحارين اثنين يصطادان جراد البحر مستخدمين طعما من المايونيز والزيتون، ناهيك بقبطان أخرق لا يتوقّف عن التعثّر.
في الرحلة بين سان جان فيرا وكورسيكا، وبينما تمخر السفينة البحر يواجه المسافرون عقبات لا تحصى وخارجة من خيال كوكتو الخصب، كمثل الضباب الإصطناعي والألغام العائمة. أما في سان تروبي فتستضيف نساء من السكان الأصليين المسافرين، يصرخن: سارتر! سارتر!”ما معناه باللغة المحلية على ما يوضح كوكتو،”صباح الخير"! الصورة وكلامها التهكمي كافيان ليوفر النص مدخلا الى ذهن الكاتب الهازئ واللعوب، الذي يقدّم ها هنا تجربة إضافية في مختبر أفكار الغد، وإن في نبرة غير جدّية.
لا تنحصر الذكرى الخمسون لرحيل كوكتو بنشر قصة البحر الزمردي بل تشمل معارض عدة وإصدارات من بينها سيرة”جان كوكتو او رواية البهلوان”(منشورات”دو روشي"). في النص تروي دومينيك مارني سيرة شقيق جدّها لوالدتها جان كوكتو، حيث تعمَد إلى التعتيم على التفاصيل السطحية لمصلحة استبقاء الأساسي، أي الإتيان بالبرهان على ان كليشيه الرجل الإجتماعي، أخفى شخصاً ممزّقا، افترسه ألم في الروح، فجَمّل مأساته من طريق الخفّة البرانية. إنتحر والد كوكتو وهو لم يبلغ العاشرة بعد، فوشمه الجرح الى الأبد ليعزز عنده إحساسا بالتخلي وخشية أن لا يحظى بمقدار كاف من الحب.
في أيار 1958، كتب كوكتو في دفتر يومياته:”من الأرجح ان إعادة قراءة هذه اليوميات المشرفة على النهاية ستدفع بي الى تدميرها، لأنها تروي مرحلة كريهة. لكن ليس في مقدورنا أن نتصرّف كما يحلو لنا، فنحسّن ما يسيء إلى صورتنا. إن ذلك لأمل بعيد المنال".
تلك سطور على شجاعة جميلة نقرأ من خلالها ماضي الكاتب الفرنسي غير الناقص. في عام كوكتو، نتذكّر مواطنه اندره مالرو القائل ان المتحف يحوّل العمل الفني الى شيء. عسى أن لا تتحول ذكرى رحيل كوكتو الى غرض احتفالي فحسب.
عن جريدة الرياض