فعل العمارة.. ونصها .. قراءة في عمارة الحداثة... وما بعدها

فعل العمارة.. ونصها .. قراءة في عمارة الحداثة... وما بعدها

 مراجعة: فريدة الأنصاري
في رسوم تخطيطية يرسم المعماري في مخيلته تصميماً معمارياً لبيت سكني أو  مدرسة أو جامع..لينفذه على الأرض، مضيفاً عليه ما يتطلبه البناء المراد  تصميمه وتنفيذه، فينتج تصميما معماريا شفهياً، يتسم بالجمال والكمال مؤكداً  على العلاقة الوطيدة المتماسكة بين أسلوب الرسم المعماري والناتج المعماري  وارتباطهما بالزمن  والمكان والحداثة.

في هذا الكتاب الذي حمل عنواناً »فعل العمارة... ونصها» يحاول المهندس المعماري خالد السلطاني دراسة وتحليل النصوص المعمارية الخالدة بغية تجسير الهوة بين الفعل المعماري وبين مستغلي هذا العمل ومتلقيه»كما يذكر في مقدمة الكتاب»وصولاً إلى تبيان قيمته وأهميته المعرفية من جهة، وإثراء معارف المستخدم والمتلقي لذلك الناتج بمعلومات إضافية من جهة أخرى». فجاء الكتاب زاخراً بدراسة وتحليل عدد من الناتج المعماري الموسوم بالحداثة وما بعد الحداثة في مراحلهما المتعددة وأماكنهما المختلفة  لعدد من المعماريين سواء كانوا عراقيين أو عربا  أو أجانب، مزوداً القارئ بصور لعدد كبير من تصاميمهم. وتولت دار المدى طبعه وفق مواصفات عالية تتسم بالجودة في نوع الورق وطبع الغلاف.
  في الفصول الأولى من الكتاب تطرق إلى العمارة العراقية، وأبرز الشخصيات المعمارية العراقية مثل جعفر علاوي وهشام منير ومعاذ الألوسي وعلي الشوك وزهاء حديد ورفعة الجادرجي وناظم رمزي وغيرهم من المعماريين الذين تركوا بصمتهم المميزة في تاريخ العمارة العراقية.
     يبين في الحقبة الأولى من فعل العمارة، كيف أن العراق الحديث لم يعرف معماراً عراقياً مهنياً إلا بعد تأسيس الدولة العراقية سنة 1921. وأما قبل هذه الفترة فقد عرف نتاج معماريين لجنسيات مختلفة.وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت أحداث كثيرة أثرت بعمق على منتج الممارسة المعمارية العراقية لتضع اسس الحداثة.
   وتميزت الحقبة الثانية - نهاية الأربعينات إلى نهاية الخمسينات- بانتشار مفهوم التحديث في مختلف مجالات الحياة العلمية والثقافية وأصبحت بغداد مختبراً معمارياً تجريبياً وطليعياً لعموم القطر، فأنشئت مناطق سكنية حديثة، ومدت شوارع جديدة،رافقتها حملة كبيرة لتصميم وتنفيذ مبان بوظائف جديدة.وكان المعماريون العراقيون رغم انتمائهم إلى المرجعية البريطانية الكلاسيكية ادركوا أهمية اللحظة التجديدية إياها، فلم يقفوا موقفاً معادياً لدعوات الحداثة التي شارك بها معماريون ألمان وفرنسيون وروس. وفي هذا السياق يشير بالصور والأسماء إلى تلك التصاميم الأسماء المعمارية البارزة التي أسهمت في نص العمارة الحديثة منذ منتصف القرن الماضي.
   بعد أن يسلط  المؤلف الضوء على فعل العمارة في فترة الحداثة وما قبلها ينتقل إلى فترة ما بعد الحداثة.ولعل من أبرز الأعمال المعمارية التي تعد طفرة نوعية في هذه الفترة المعمارية العراقية زهاء حديد، تلك المعمارية التي هزت العالم العربي والغربي بجمالية لغتها المعمارية،وفنها الذي أعلن قطيعة تامة مع كل ما هو تقليدي ومعروف في المشهد المعماري وخطابه من قيم ومبادئ لترسم نهجاً خاصاً بعيداً عن نطاق التصنيفات وأنساق الطروحات،متوافقة مع روح العصر وثقافته،والبيئة المتحكمة بها الإلكترونيات،مما حفز المؤلف للوقوف طويلاً وبانبهار عند اعمالها وقراءة نصوصها وتزويد القارئ ببعض تصاميمها. مخصصا القسم الكبير من الفصل الأول عن هذه الأعمال، ومقراً بالوقت ذاته صعوبة إيصال المفاهيم الزهائية لغوياً إلى المتلقي.
 فتصميم زهاء الكثير من المشاريع ذات الوظائف المتنوعة في مجال الإسكان والترفيه والأبنية الثقافية والتجارية والإدارية... الخ غطت بقعة جغرافية كبيرة في اسيا وأوربا وأفريقيا، بخلفيات ثقافية واثنيه متباينة ادهشت العالم بلغتها المعمارية المتجددة التي تبدو كما يذكر المؤلف»فنتازية»، مما دعا البعض لوصف اعمالها بأنها معنية  بترتيب الشكل الخارجي أكثر من الداخل بكثير. وهنا يقف المؤلف لينقل رفض زهاء لوجهات النظر هذه في احدى  مقابلتها الصحفية  (يشير إليها في ص 161 من الكتاب) مشيرة إلى فضل اللغة العربية بتجسيد التعبيرات المنحنية   ويمضي المؤلف وهو المهندس المعماري بتحليل فن وروح العمارة الزهائية مؤكداً بأن مقاربة زهاء يمكن أن تصنف ضمن المقاربات التي تعيد البشرية بين الحين والآخر.
 في الفصل الثاني من الكتاب يقدم لنا قراءة خاصة لأفكار لوكوربوزيه  المعمارية وفيلا شودهان في الهند»أحمد آباد”1952-  1965باعتبارها متعة معمارية فريدة وظفها  الكثير من المعماريين في مشاريعهم وتصاميمهم. في قراءة المؤلف لهذه الفيلا يركز على »المسقط الحر» ومفهومه، ومفردة »الكاسرات» وأهميتها في الحل التصميمي.لينتقل بعد ذلك إلى بيان جماليات مباني ناطحات السحاب، ليعود بعد ذلك إلى أرض الوطن ليدرس ويحلل تربة قبر زمرد خاتون ببغداد لمميزاته المعمارية والأساطير العديدة التي حيكت حوله.فبناؤه الشاهق ونوعية توقيعه كونه مبنى منفرداً قائماً بذاته وأسلوب عمارته، تجعل منه حدثاً مهماً في المشهد العراقي الحضري لبغداد في العصر العباسي ليكون حاضراً عند معظم الدارسين والسائحين والرسامين ممن زاروا هذا المبنى. وضمن هذه القراءة يسترسل المؤلف في دراسة قبر زمرد خاتون والذي يطلق عليه ايضاً قبر الست زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد مشيراً إلى الكتب التي تناولت هذا الصرح الشاهق سواء من كتب التراث والرحالة أو كتب المستشرقين، مشيراً إلى خصائصه ولغته المعمارية المتميزة.
 في موضوع لا حق يتطرق المؤلف إلى التشويه الحاصل في العراق على بعض المنجزات المعمارية السابقة مثل مشغل الهلال الأحمر وجامعة آل البيت في الأعظمية وعمارة الدفتردار وشارع الرشيد مطالباً السلطة والجهات المعنية بوقف هذا التشويه على العمارة وغلق باب الانتهاكات. 
 في الفصل الثالث من الكتاب (الفصل الأخير) يتطرق إلى مفهوم فعل العمارة ونصها،وتأثيره الحاسم في تغيير ظروف البيئة، وتحديد اهمية المنتج المعماري.ويعرفنا ايضاً بمفهوم عمارة  ما بعد الحداثة ووصالها،مرجحاً استعمالها إلى الناقد الأمريكي شارلز جينكز في كتابه (لغة عمارة ما بعد الحداثة) في سنة 1977. مشيرا الى التطورات الحاصلة في مجال الكومبيوتر وأنظمة البرمجيات،والاستفادة من أحدث تقنيات محاكاة الكومبيوتر للقوى الفيزيائية والبيئية التي بامكانها التأثير على مبنى معين.
    ومن المواضيع التي تستوقفنا في الفصل الثالث ”العمارة الساخرة» وفيه يقدم لنا قراءة كتاب »اكشاك تلفون” للمعمار ستيف شيخر  وفيه يحثنا على وجوب الاستمتاع بالحياة، والتمعن في بواعث الضحك وإنتاجه.فينظر إلى العمارة نظرة مواربة لا تخلو من المراوغة تؤكدها طبيعة الرسومات التي تؤلف كتابه والتي تشكل اكشاك التلفون موضوعاً رئيسياً لرسوماته التي يشير اليها د. خالد السلطاني بالتحليل مشيرا على تأثره بتصاميم المعمار لوكوربوزيه المؤمن بأن الفعل المعماري ليس إلا استجابة إنسانية لتشييد المباني المبتدعة عن طريق التلاعب في الضوء للكتل المنحوتة. وفي هذا السياق يؤكد بأن طروحاته في العمارة والتخطيط كرست قيم عمارة الحداثة ومبادئها.وعند هذه النقطة اتوقف لأترك القارئ متابعة تحليلات د. المعماري خالد السلطاني لقراءاته للنماذج المعمارية المتميزة التي نجدها في طيات كتابه المتميز ايضاً بتقديمه الرسومات والتصاميم المتميزة وبتحليلاته لنص العمارة وروحها ليكون مرجعاً مهماً لطلاب العمارة بجميع مراحلهم خاصة، وللمكتبة المعمارية عامة.