تنويعات اللغة المعمارية في العمارة العربية الإسلامية

تنويعات اللغة المعمارية في العمارة العربية الإسلامية

خالد الحلي
في كتابه «رؤى معمارية”الذي جاء اقرب الى موسوعة منه الى كتاب، يقدم الدكتور خالد السلطاني قراءة جديدة للعمارة العربية ـ الاسلامية، عبر النظر بعمق واستشراف الى نتاجها المعماري الغني والمتميز والمتنوع بوصفه حالة ابداعية تختزن قيما تكوينية متفردة قابلة للتفسير والتأويل، عبر ما تنطوي عليه من قيم ومفاهيم بمقدورها ان تلون المشهد العربي المعماري المعاصر بنكهة خاصة،

 قريبة من اذواق مستخدميها، وغير بعيدة عن مفهومه لدى متلقيها، فضلا عن اغنائها للفضاء التصميمي العالمي واثرائه بنسيج تكويني متميز.
وفي تقديمه للكتاب يقول المعماري جعفر طوقان الذي امضى اربعين عاما وهو يعمل في ميدان العمارة في معظم الدول العربية، ان رحلته العملية الطويلة افرزت صورا مقلقة عن حالة العمارة العربية المعاصرة، مردها تلك العلاقة العضوية العميقة بين الثقافة والعمارة، وانه بدأ يتضح له تدريجيا ومع مرور الايام مدى ارتباطهما الحميم، والخطورة الكبيرة التي يتعرض لها الناتج المعماري بسبب الانحباس الثقافي.
ويعبر المعماري طوقان عن سعادته بصدور كتاب الدكتور السلطاني، لطرحه موضوع العمارة الاسلامية ليس بالاطار المتواتر المألوف، وانما من منظور جديد ايجابي، يصل هذا التراث بفعل الحاضر، مصرا على انطلاقة حرة لعمارتنا ذات الملامح العصرية الواضحة تستلهم العملية الابداعية للتراث وليس حرفيته.
ولعل هذا لا يبدو غريبا اذا ما عرفنا ان المؤلف يحمل شهادة اختصاص عليا في هذا الميدان، وانه عمل استاذا للهندسة المعمارية او رئيسا لقسمها في كليات الهندسة بجامعات بغداد، آل البيت، البلقاء التطبيقية، وان «العمارة» تظل تمثل بالنسبة اليه «ظاهرة حضارية نافذة، تستمد حضورها وتأثيرها من فعل الغايات المزدوجة التي تؤديها: فعل تحقيق النفعية الفطنة، وفعل ما يولده ذلك من شعور جمالي رفيع يكون مفعما بالبهجة والمفاجآت غير المتوقعة».
ان كنوز العمارة العربية ـ الإسلامية ونماذجها قد تناولها بالبحث كثير من الكتاب و الآثاريين والمعماريين من العرب والمستشرقين الاجانب. ويؤكد المؤلف ان احكام واستنتاجات هؤلاء عنها جاءت متضاربة اشد التضارب بحكم اختلاف المنازع والثقافات التي يرتكزون عليها، اذ جاءت آراء المستشرقين الذين تناولوا موضوع العمارة العربية في وقت مبكر قياسا بالباحثين العرب، متسمة في اغلب الاحيان باللاموضوعية والتحليلات المبتورة بتعمد، بل انه يسف احيانا الى مستوى الافتراءات المفضوحة وغير العلمية، ولا يستثني من ذلك سوى قلة منهم تناولت هذه الروائع بروح نزيهة تنشد الوصول الى نتائج منطقية وعلمية متجردة.
ويعزى سبب هذه الحالة الى ان اول من اهتم بالثقافة العربية ـ الاسلامية بصورة عامة والروائع المعمارية العربية على وجه الخصوص، هم المستشرقون الاوروبيون والمعنيون بالآثار منهم، وفي وقت وظرف كانا يتسمان بروح المغالاة والاعتداد بالثقافة الاوروبية ومحاولات تزييف الثقافات الاخرى وطمسها والسعي الى اذابتها.
وفي اطار تصديه الى تفسير العمل المعماري وادراكه، وربما تأويله، يقول المؤلف ان هنالك تعددا في التفاسير والرؤى يكون معه من الصعب بمكان الجزم بأهلية هذا المفهوم وايجابياته وسلبية ذاك المفهوم ونقائصه. فالمهم هو شكل التعاطف الشخصي لاي طرح من تلك الطروحات المتنوعة. وطبقا لهذا فمن المبرر ان يثير المنتج المعماري المحدد ردود فعل متباينة لدى متلقيه، الامر الذي يبدو معه ذلك المنتج وكأنه فعالية مشوبة بالغموض، وحدث غير قابل للافصاح.
ويرى ان ضرورة تجاوز ظاهرتي عدم الوضوح والاستغلاق اللتين تكتنفان الفعالية المعمارية، دفعت منظري العمارة (واحيانا مصمميها)، الى الدأب على تبيان مرامي تلك الفعالية ومقاصدها عبر كتابات نصية حرصت على تسهيل مهمة ادراك الفعل المعماري وتوضيح ناتجه، حتى باتت ظاهرة الكتابات المعمارية في ثقافات بعض المجتمعات ظاهرة مألوفة ومعروفة، تكون عادة مواكبة للنشاط المعماري واحيانا تسبقه مؤدية دور البشير والداعية لما سيأتي، الامر الذي اسهم اسهاما عميقا في ادراك كنه الممارسة المعمارية وجلاء مقاصدها.
وعلى طرف نقيض آخر، يبين ان «العمارة» بقيت في مجتمعات كثيرة اسيرة الغموض والابهام، حتى بات النشاط المعماري فيها يعد نشاطا «نخبويا» يهم فئة محدودة جدا من الناس، فئة مكتفية بذاتها ومقتنعة بانجازاتها ومولعة بطقوسها، خالقة في الوقت نفسه لغتها الاصطلاحية وتعابيرها الخاصة وحتى رطانتها، مما ادى الى قطيعة تامة بين منتجي تلك العمارة ومتلقيها، وساهم في حضور التباسات عديدة عن فحوى العمل المعماري ومهامه.
ومن هنا جاء الكتاب بـ709 صفحات من الحجم الكبير، حي التواصل في مجال تخصصه، ثر التصورات والافكار والآراء والاستنتجات في ميدانه وقد استند المؤلف فيه الى العديد من المصادر العربية والاجنبية المهمة وتضمن صورا وتخطيطات معمارية جميلة ومعبرة من الماضي والحاضر، ليس للاستشهاد فقط، بل للمناقشة وابداء الرأي والاستنتاج والمحاججة ايضا.
يتألف الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تشعب عنها واحد وثلاثون جزءا غطت الموضوع بشكل شامل وواف. وقد كرس المؤلف الفصل الاول لمنجزات العمارة العربية الاسلامية، مشيرا الى ان هذه العمارة ما فتئ ينظر اليها والى انجازها عبر خطاب يتسم بقدر كبير من السطحية، وبتناول لا يتعدى مهام توثيق التسجيلات الوصفية ـ التصويرية. اذ يحولها هذا الخطاب الى كياني، تجريدي، ماضوي، سري، لا يمكنه بأي حال من الاحوال ان يمد تأثيراته في العمق الزمني، الامر الذي ادى الى تكريس شيء من «القطيعة» الثقافية بين منتج تلك العمارة وهموم الممارسة التصميمية الآنية.
وهكذا تعاطى المؤلف مع تلك الطروحات بصيغ جديدة تنزع الى تخطي تلك «القطيعة» وتعمل على ردم «الفجوة”الزمنية التي جاهدت الدراسات الكثيرة والخاصة بالعمارة العربية ـ الاسلامية الى تكريس حضورها وتثبيت قيمها. وقد تناول في هذا الفصل عمارة مسجد قرطبة الكبير، مباني القصور الاموية، عمارة المسجد الاموي الكبير في دمشق، عمارة قبة الصخرة في القدس، مسجد المدينة المنورة، عمارة مسجد الكوفة، مبنى قصيرة عمرة شرق العاصمة الاردنية، وعمارة خربة المفجر (قصر هشام في اريحا).
وخصص المؤلف الفصل الثاني للعمارة العراقية الحديثة، فبعد دراسة في عمارة العراق الحديث ما بين الحربين العالميتين تحدث عن المشروع التخطيطي والانجاز لجامعة آل البيت في بغداد، ودرس التأسيس الاول للعمارة الحديثة في العراق، والسياق المعماري والنسق التصميمي لعمارة الثلاثينات في بغداد، وعمارة الخمسينات في العراق، وواقع العمارة العراقية المعاصرة في العقدين الستيني والسبعيني وتصاميم جامع الدولة الكبير.
وهو اذ يتناول هذه العمارة كناتج زمني مرصود بتتابع زمني، فانه يؤكد انه على الرغم من اهمية الانجاز الثقافي (والحضاري ايضا) للعمارة العراقية الحديثة كاحد المرتكزات التي نهضت عليها الحداثة العربية، فان منجزها ظل امرا منسيا بعيدا عن دائرة ضوء الاهتمامات التي حظيت بها مرتكزات الحداثة الاخرى.
ولم يكن هدفه من تناول العمارة العراقية الحديثة الخروج بسجل توثيقي يشمل جميع النتاجات المعمارية منشأ وراء منشأ او مبنى، بل قدم نماذج مهمة من الانتاج المعماري العراقي الحديث، ونجح في تجسيد ما شكله ذلك النتاج من عطاءات مهمة، وربما ظواهر جلية زخرت بها المسيرة التطويرية للعمارة العراقية.
اما الفصل الثالث من الكتاب فقد كرسه لتنويعات «اللغة» المعمارية، وتناول فيه مواضيع متنوعة ومتعددة وقد تكون متباينة في اهميتها ومرجعيتها، ولكنه سعى الى ان تكون «الثيمة”الاساسية لها مطبوعة بهاجس الاهتمام والاحترام والتبجيل، الذي حاول ان يسجله للعمارة الناجزة ولاولئك المبدعين اصحاب المنجز المعماري المتناول.
وقد حاول من خلال التناول الواسع والعريض الذي انطوى عليه الفصل تكريس ظاهرة ثقافية ـ نقدية، عبر عن حرصه في ان يكون حضورا في السلوك الثقافي العربي، وهي وجوب الالتزام بالمنتج المعماري كونه حدثا ثقافيا وحضاريا في آن، كما ينبغي لزوم الاعتناء بالمصممين ذاتهم خالقي هذا المنتج ومبدعيه.
تميز هذا الفصل الاخير من الكتاب بوقفات ذكية عند بعض الاعمال الفذة لعدد من المعماريين العرب والاجانب بينهم: السويسري لي كوربوزيه، العراقي عبد الله احسان كامل، الاردني جعفر طوقان، العراقي رفعة الجادرجي، الفنلندي الفار التو، العراقي جعفر علاوي، العراقي قحطان عوني، الهندي جارلس كوريا، العراقية زهاء حديد.