العدالة التأريخية لدى رونسينو.. الأدب ضد أمرين: النسيان وصمت الدولة

العدالة التأريخية لدى رونسينو.. الأدب ضد أمرين: النسيان وصمت الدولة

عادل العامل
يهتم التاريخ بالأدب القصصي في بعض الأحيان كي يدفن أشباحه، يقول كارلوس فونسيكا في عرضه النقدي هذا. ويبدو أن الأدب الأميركي اللاتيني يتفق مع هذه الفكرة. فمن بيدرو بارامو لخوان رَلفو إلى وجوه في الزحام لفاليريا لويسَيلي، يظهر لنا أن الأدب القصصي الأميركي اللاتيني هو الأرضية الأخيرة التي يمكن مسرحة الكفاح من أجل العدالة التاريخية عليها. ورواية (غلاكسو Glaxo) للكاتب الأرجنتيني هيرنان رونسينو

 تعيد إحياء هذا التقليد القوي من خلال غمرنا في عالم تتلوث فيه إمكانية العدالة والتسامح على الدوام بالندم والانتقام. ففي أحد المنولوجات الأربعة التي تؤلف هذه الرواية القصيرة، والمكتوبة بشكلٍ مبهج، نجد فاردمان ــ حلاق البلدة ــ  يتطلع من نافذته، ويشهد ولداً يلعب في الخارج:
[ ثم رأيت ابنَ بيتشو سوزا، وحيداً، يتحرك خلال المطر ومعه بندقية رش خضراء، مصنوعة من البلاستيك، وهو يلعب لعبة الحرب ويتواجه بعد طول انتظار مع تلك الأشباح التي لا نهاية لها في حقل القصب. ]
ويلخّص المشهد، في حدة خياله، قدرة الرواية على مسرحة العنف كشيءٍ موروث، ومكرر، ومنقول displaced. وكما هي حال ابن بيتشو سوزا، فإننا جميعاً أولاد جاهلون بالألعاب الخطرة التي يلعبونها. ومثلما تمثّل مشاهدة فاردمان المؤلمة لولد يلعب لعبة حرب، يُطلب منا نحن القرّاء أن نواجه أشباح التاريخ الأرجنتيني التي لا نهاية لها. وبعملها هذا، ترسم (غلاسكو) تخطيطاً لقصة جريمة شبحية حيث يتجسد التاريخ ضمن مشهد ملموس مبتلى بالذكرى والشعور بالذنب.
وتدور الرواية حول إحداث كمون محسوس: سر، ورغبة مستحيلة مع هذا، لدى شخصياتها الرئيسة لتجسيد ذكرياتها المؤلمة. فنجد المؤلف هنا يتخيل موطنه بلدة تشيلفيلكوي مشهداً يلازمه تاريخ جريمة سري. وتقوم الرواية ــ التي تسردها أربعة مونولوجات مرعبة غير مرتبة زمنياً ــ كموزائيك تعبيري من أصوات تستكشف ما بعد هزات حدَثٍ ترك جرحاً مفتوحاً.
ويتخيل المؤلف هنا، وبدقة شعرية تبقى سليمة على امتداد ترجمتها إلى الانكليزية، ما أعقب مجزرة خوزيه ليون سوريز عام 1956، التي خلَّفت خمسة قتلى وسبعة ناجين بيرويين بأرواحهم من تلك المجزرة. وقد تم إسكات التقارير المتعلقة بالحادث بأمر السلطات الدكتاتورية العسكرية حتى ظهور كتاب (مجزرة أوبيراسيون) لرودولفو وولش عام 1957، الذي استعاد تلك الليلة المشؤومة وكشف بدوره، الستار عن الفظاعات التي ارتكبتها السلطات الأرجنتينية. فالأدب يخطط ضد أمرين معاً، النسيان وصمت الدولة.
وبإيماءةٍ تصور قدرته الاستثنائية على طي التاريخ السياسي في التاريخ الأدبي، يبدأ رونسينو (غلاكسو) باقتباس رسم بياني من كتاب وولش. فإذا ما زعم وولش أن ما أدى به لتأليف كتابه هذا كان تعبيراً تناقضياً سمعه بعد ستة أشهر من الحادث ــ”أن أحد المعدومين حي”ــ فإن رونسينو يبدأ روايته باقتفاء أثر الصورة الظّلية الملطخة بالدم للحارس الذي أخطأ فظن أن هذا الرجل ميت. وحول هذا المشهد من القراءة الخاظئة والاستمرار في البقاء، حيث يتطابق الأدب والسياسة في صحة غريبة، يقيم المؤلف قصة جريمة دقيقة تظل أدباً بشكل عميق في كل موضع منها. ويستطيع القارئ تقريباً، في الحوارات الداخلية الأربعة للشخصيات الرئيسة، أن يسمع الضجة الصاخبة الحاصلة وراء مسار صوت التاريخ الرسمي.
وتصور الرواية العزلة المؤلمة لعالمٍ حل فيه التداول المتبلد للانتقام  محل إمكانية العدل. ونجد في صفحاتها التراجيديا التي تختفي وراء الكثير جداً من جرائم وقتنا هذا: استحالة إغلاق دائرة العنف. وبدلاً من هذا، هناك مشهد تلازمه إمكانية الاستمرار في البقاء واستحالة الصفح:
[ لم يعد حقل القصب موجوداً، أزالوه تماماً، وحيث كانت هناك دروب، يوجد الآن طريق جديد، طريق اتصال، يلوح أشبه بجرحٍ مندمل. إنه طريق يبدو كأنه ذكرى جرحٍ في الأرض لن يشفى. ]
في عصر”غاتسبي العظيم”لفيتزجيرالد و”تحويلة مانهاتن”لدوس باسوس، كان وليام فوكنر يدفعنا جنوباً، إلى الريف، عبر ذلك الجرح المفتوح الآخر الذي حدده خط مَيسون ــ ديكسون، في مشهد ما تزال أشباح”الحرب الأهلية”تقيم فيه. وكان يعرف أن  باستطاعته هناك بالذات أن يجد الأطياف المعتَقة لأولئك الرجال والنساء الذي كانوا قد كوّنوا الأمة، ثم راحوا يرقصون في مانهاتن. ويجب القول إن رونسينو قارئ ووارث عظيم لفوكنر، الذي لابد وأن تخطر على البال ملحمته (وأنا أستلقي محتضراً As I Lay Dying) عند قراءة (غلاكسو).
وفي هذا العصر الذي تقوم فيه بوينس آيرس كما يبدو بمخاطرة أن تصبح مترادفةً مع الأدب الأرجنتيني، يمضي بنا رونسينو بعيداً عن العاصمة إلى سهول الأرجنتين المعشبة. حيث يجد، في بلدة تشيلفيلكوي النائية وبأسلوب يحيلنا لمؤلفين مثل خوان خوزيه سير بل ولأعمال للمخرج السينمائي لوكريسيا مارتيل، العنف الشبحي تحت تأسيس الأرجنتين السياسي والأدبي أيضاً. وكما يذكر فاردمان الحلاق والضحية غير المباشرة  لعنف البلدة:
[ ذلك حين أبدأ بأن أحلم بالقطارات، بالقطارات التي تجري خارج السكة. فهي تتمايل من جانب إلى جانب قبل أن تسقط. وتدمّر السكة. ويتطاير الشرر. ثم يأتي ذلك الضجيج، الحاد جداً، قبل أن تتوقف بالضبط. حاد جداً لدرجةٍ تؤذي أسنانك. يزحزحك من مكانك. ]
وكما كان جويس يعرف جيداً وكما يبدو أن شخصيات رونسينو تحدس على الدوام في حواراتها الداخلية: إن التاريخ كابوس نحاول أن نصحو منه، كابوس تسكنه أصوات معتَقة تومئ نحوها رواية (غلاسكو) في الآخر.
عن / Bomb