الترحال عشقا لمدن يحكمها الجمال

الترحال عشقا لمدن يحكمها الجمال

د.فائق مصطفى
عرف الانسان السفر والترحال منذ عهد مبكر من عمر البشرية لأغراض وغايات عدٌة، لعلٌ في مقدمتها البحث عن الطعام والكلأ والأمان، لكن الانسان ذا الشخصية العميقة مارس الترحال بحثا عن التغيير وهربا من الملل والرتابة في الحياة التي يعيشها وجريا وراء الحقيقة التي لايجدها في أرضه مثل رحلة كلكامش ورحلات السندباد السبع. قال أبو تمام:

وطول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتـيه فاغـتـرب تـتجـدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة الى الناس أن ليست عليهم بسرمد
وفي مسرح الكاتب الامريكي يوجين اونيل، ينجم بؤس الانسان وشقاؤه من بقائه طوال عمره في ارض واحدة دون رحيل الى غيرها. وهكذا نجد ان للترحال دورا كبيرا في تجديد روح الانسان وتثقيف عقله وتعليمه قيمة التسامح نتيجة رؤيته التنوع الخلاق الذي يسود كل أوجه الحياة البشرية: الأديان واللغات والثقافات والفنون...الخ. وهذا كله ادى الى ظهور (أدب الرحلة) الذي يكتبه عادة الادباء والفنانون عندما يخوضون تجارب السفر والرحلة.
صدر في أدب الرحلة، العام 2016، لمبدعتنا الكبيرة لطفية الدليمي، كتاب (مُدني وأهوائي) الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2016-2017، دوٌنت فيه يومياتها عن رحلاتها التي قامت بها في عشرات مدن العالم عبر زمن مديد. جاء في تقديم الكتاب:”تبدو الكاتبة ميالة الى وصف يبعث في الاشياء أنوارها الخفية، ويستكشف فيها أبعادها اللامرئية، فتنطق الامكنة بما تكتنزه من أسرار، وتحدث بما لا تبوح به من أسرار الجمال إلا لعاشق خبير بالجمال". وقد تحقق ذلك بوساطة الاسلوب الشاعري الساحر للكتاب، الاسلوب الذي جعل كل شيء: المدن والانهار والبحار والاشجار حية تنطق وتتحرك وتشعر وتصدر موسيقاها الخاصة وروائحها المتنوعة. وهذا كله جعلنا نحيا، بكل ما تعنيه هذه الكلمة، في هذه الامكنة، ماضيها وحاضرها، ونتفاعل مع مكامن الجمال فيها، ونتعرف أسرارها وخفاياها، ونصادق أدباءها وفنانيها، ونغدو – فيما بعد- عشاقا للسفر والرحلة الثقافية.
يكشف الكتاب عن عشق غريب لكل ما يمت الى الثقافة والجمال بصلة مثل عشق الطبيعة والادب والفن والعمارة. ففيما يخص الطبيعة تقول الكاتبة:”عندما كبرت لم أستطع الكتابة في القطارات، ولم أمسك كتابا لأنهمك فيه: كنت اقرأ البشر، اقرأ كتاب الطبيعة، اتصفح الغابات والانهار والسفوح، أتملى الكاتدرائيات وقصور القرون الوسطى، اقرأ الحقول والقرى وأشجار الجوز والبحيرات وغسق المساء وأمتٌع بصري برؤية الوعول البرية والأوز والقنافذ وهي تعبر الطرقات بين غابة وأخرى. للكتب أوقاتها وطقوسها في غرفنا، وللطبيعة ان لانخونها بلامبالاتنا بها”(الكتاب-33). أما مشاعرها الجياشة تجاه المدن التي تحبها، فتتمثل في قولها:”تسحرني المدن التي تغـفو على همهمات نهر وتنعكس على نهرها زرقة السماوات وتشكلات الغيوم ورعشة النجوم. يملأني أحساس بالكدر في المدن التي لاتعانق نهرا، أجدها عمياء، ضريرة القلب فلا تنعكس عليها توهجات الشمس أو أنوار القمر”(الكتاب-111). وأما علاقتها بـ(الدهشة) التي تكمن فيها جذور الفنون والآداب والفلسفة، فنقرأ عنها:”لم أتوقف يوما عن إندهاشي بما يروقني من أشخاص وأمكنة وأفكار، الدهشة كانت وستبقى دافعي للسفر والحب والقراءة واكتشاف النفوس وأسرار الامكنة. مرة واحدة توقفت عن الدهشة عندما كنت لاجئة وحيدة في فرنسا، لم أعد أندهش وأنا المجروحة بالعنصرية والوحدة المطلقة”(الكتاب-77). وفي الكتاب مقارنات عميقة بين الامكنة والاشياء التي تراها في المدن المختلفة، مثل المقارنة بين دجلة والنيل”نزهة في النيل –نهر السماحة والفيض- تأخذني الى دجلة، رائحة النهر والطمي ذاتها وأشجار الشاطيء والسمك المتقافز باستثناء البيوت العائمة تلك العوامات الطافية كوعود كاذبة بالفراديس، لم تعرف دجلة هذا الترف المديني للعوامات المخصصة لليالي المتع، فعلى شواطيء دجلة الصيفية حين يتناقص ماء النهر الى حد كبير وتظهر الجزر الرملية وتتسع الشطآن كانت تقام أكواخ من سعف النخيل والحصر وأغصان التوت والصفصاف وتسمى (الجراديغ)”(الكتاب-62).
والكتاب، فوق ذلك، تنطق سطوره بـ(التسامح) بشكل مباشر او غير مباشر، فالتنوع الذي تتحدث عنه الكاتبة في الطبيعة وثقافات الامم ولغاتها وفنونها وعماراتها، إنما يشير الى أن (التسامح) هو سُنّـة الكون وحقيقته الشاملة، وأحيانا تأتي الكاتبة بأقوال الفلاسفة والادباء في التسامح”تردد في مسمعي، وأنا اقرأ ما دونته عن إبن سينا في دفاتري، مقولته البليغة في شأن مجتمعاتنا وغلوها وأعتقادها بأنها الأعلى والأقرب الى ملكوت السماء وبأن خيرهم هي الفرقة الناجية، قال إبن سينا وكأنه يرى ما يحدث لنا الآن (بُلينا بقوم يظنون أن الله لم يهدِ سِواهم)..”(الكتاب-80).
وبعد فالكتاب زاد ثقافي غنيّ يغذي العقل ويشبع العاطفة والشعور، ويروي الظمأ الى الثقافة والمعرفة على نحو عام. وأتمنى أن نقرأه جميعا نحن العراقيون عسى ولعل أن تتغير رؤيتنا الشائعة للسفر كونه وسيلة لإشباع نزعتنا الإستهلاكية التسوّقيّة، لتسود عندنا الرؤية الثقافية للسفر. وتحية الى مبدعتنا الكبيرة لطفية الدليمي.