المكتبة.. كما هي في  كافكا على الشاطئ

المكتبة.. كما هي في كافكا على الشاطئ

ترجمة / عادل العامل
لو سألتَ موقع ”صور غوغل” ما هي المكتبة library، ستحصل على جواب واضح جداً: كتبٌ على رفوف في مبنى عموديّ الواجهة، كما يقول تيم غوريتشاناز في مقاله هذا.
ومعظمنا، مثل غوغل، يفكر بالمكتبة كمستودع للكتب. ونحن معذورون للتفكير هكذا. فكلمة library في الانكليزية، (مكتبة)، تأتي من librarium اللاتينية، وتعني خزانة كتب.

وهي المرادف نفسه لما تعنيه المكتبة في اللاتينية واليونانية ــ الذي يؤدي إلى الكلمة التي تعني مكتبة في معظم اللغات الهندو ــ أوروبية الحديثة. كما يجدر بالذكر أن الكلمة للاتينية التي تعني كتاب، liber، كان يشير في الأصل إلى نوع من قشرة الشجر المستخدمة في إنشاء الكتب. ونعني بهذا كله أن تصورنا للمكتبة قائم مفاهيمياً على لغة الأشياء المادية ــ قشرة الشجر، كتب، رفوف، مباني.
وهكذا، فإننا نميل لصبغ المكتبات باللون الماوي من أجل عشاق الكتب. خذ، على سبيل المثال، رواية (كافكا على الشاطئ)، لهاروكي موراكامي، التي يهرب فيها”كافكا تامورا”من البيت في عيد ميلاده الـ 15. وكافكا هنا صبي ذو عضلات ولطيف المظهر، لكنه منطوٍ على ذاته ومولع بالكتب. وهو يقول،”منذ أن كنت صغيراً وأنا أحب أن أقضي الوقت في غرف المطالعة في المكتبات.. وحتى أيام العُطلات، تجدني ألتهم أي شيء وكل شيء ــ روايات، سيَر حياة، تواريخ، أو أي شيء في متناول يدي. وحالما أنهيت جميع كتب الأطفال، مضيت إلى المؤلفات العامة وكتب الكبار". وبطبيعة الحال، وجد كافكا، كنوع من الهروب، ملجأً له في مكتبة. (ويجدر بالذكر أن الكلمة التي تعني مكتبة، في اللغة اليابانية، توشوكان toshokan، تشير إلى بناية للكتب).
فإذا كانت المكتبة هي المكان الذي يحفظ فيه المجتمع كتبه، يسهل علينا عندئذٍ أن نفهم لماذا لم يعد الكثير من الناس يرون المكتبات ذات علاقة بهم. فقديماً كانت البناية المليئة بالكتب رمز واضح للمعرفة الجماعية. لكن المعرفة اليوم لم تعد مرتبطة بالصفحة المطبوعة، والأشكال الألكترونية واللا نصّية من التكاثر الإعلامي. وما عادت معرفتنا الثقافية تتمثل أساساً كنصٍّ ضمن كتب. والأكثر من ذلك، أن بإمكاننا، مع الأنترنت، الحصول على معرفتنا الثقافية المتعددة الوسائل الإعلامية من أيّ مكان فعلياً.
وليس سراً أن المكتبات تعاني كثيراً اليوم. فالتمويل في أدنى أحواله في الكثير من أنظمة المكتبات العامة عبر البلد، حيث لم يعد الرأي العام ينتفع كثيراً من مستودعات الكتب المركزية هذه. ويقول الناس أموراً مثل،”لماذا نحتاج للمكتبات بعد اليوم ولدينا غوغل؟”.
بل أن النظام الأكاديمي المكرّس في العادة لدراسة المكتبات يبدو في حالة تراجع. فقبل قرن، كان يدعى علم المكتبات؛ وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبح يُعرف بعلم المكتبة والمعلومات؛ وعلى مدى العقود القليلة الماضية، اضمحل استعمال الكلمة (وغالباً ما تُختار كلمات مثل كومبيوتر ومعطيات). وفي مؤسستي، على سبيل المثال، أعيدت تسمية”مدرسة علم المكتبة والمعلومات”فأصبحت”كلية دراسات المعلومات”في عام 1985 ــ واليوم هي”كلية عمل الكومبيوتر Computing وعلم المعلومات". وهي، في وقتنا هذا، تشتمل على صف من برامج التأهيل العلمي أوسع كثيراً مما كان هناك في العقود السابقة.
لكن المكتبات ما تزال لها أهميتها، وذلك لأنها ليست مستودعات للكتب أصلاً ــ بالرغم من الاسم وافتراضاتنا الثقافية الطويلة الأمد. ونحن نبدأ برؤية هذا في مثال رواية (كافكا على الشاطئ)، إذا ما نظرنا إلى ما وراء السطح. وهذا ليس لمجرد أن كافكا كان يدور في المكتبة لأنه يحب الكتب. فقد كان يلفّ في المكتبة لأنه لم يكن لديه بيت آخر، وكانت المكتبة توفر له فضاءً آمناً، حراً. فكافكا، في الواقع، يأتي، إضافةً للكتاب، لمعرفة أصحاب المكتبة، وينتهي به الأمر للعيش هناك في غرفة احتياطية. فالمكتبة ليست مجرد ملاذ للعقل، وإنما للشخص كله.
وكثقافةٍ، نبدو مترددين في الاعتراف بسعة وعمق ما تقدمه لنا المكتبات. فمثلاً، حضرت في السنة الماضية مسرحية”Spine"، لكلير برينان، التي تسعى لكشف القيمة الخفية للمكتبات. وكانت هناك في أعقاب العرض جلسة أسئلة وأجوبة مع عناصر من الفرقة المسرحية وجهاز المكتبة العامة. وقد سخر رجل من الجمهور من فكرة أن المكتبة ينبغي أن توفر غرف نوم للمشردين. فالمكتبات تخص الكتب!
لقد قلّلنا من قيمة المكتبة على الدوام. وذلك جزئياً، كما أرى، لأننا بالغنا في تقييم الكلمة المكتوبة، وبوجهٍ خاص لتأثيرات وتصورات دينية. ومع أن الثقافة الشعبية فقدت بعض هذه القشرة الروحانية منذ حركة النهضة، فإن تقديس الكتب لم يتوقف: وفي التقليد العلمي الحديث، ما عادت المعرفة في رأينا سوى تلك القابلة للنقل عبر النص. وهي نظرة بائسة تماماً إلى ما يمكن أن تكون عليه المعرفة الإنسانية.
وفي عصر الطباعة ظللنا متذبذبين في ما يمكن أن تفعله الكتب ونسينا ما لا يمكنها أن تفعل. ومن أجل أن تتكشف المعلومات ويقودنا ذلك إلى الفهم، علينا أن نفكر بالمعلومة باعتبارها عملية أكثر من كونها شيئاً، و بالتأكيد ليس عملية ترتبط بشيءٍ خاص.
وفي (كافكا على الشاطئ) هناك مشاهد كثيرة نجد كافكا يقرأ فيها. وحين نجرب القراءة إلى جنب كافكا، فإنها كما هو واضح ليست مسألة نقل معلومات بسيطة. فمادة قراءة كافكا ــ وألف ليلة وليلة هي المفضّلة ــ تستثير معانيَ من ماضي كافكا ومستقبله، ويصبح من خلال القراءة يفهم حاضره بشكل أفضل. فالقراءة، إذن، عملية تحويل لشخصٍ ذي ماضٍ، وحاضر، ومستقبل من خلال ارتباط تجريبي بكتاب له أيضاً ماضٍ، وحاضر، ومستقبل.
لكن حتى مع أخذنا في الاعتبار قوة النص المحركة، فإن كافكا يعلم أن للكلمة المكتوبة تقييداتها. وعند الاقتراب من نهاية الرواية، يجد كافكا نفسه يمضي للخلف وللأمام بين عالم القراءة والكتابة وعلم الكينونة بأكملها. وفي محاولة منه لوصف تجربته، يستنتج كافكا:”لا أحد منا يمكنه أن يعبّر عن ذلك بالكلمات. فالتعبير بالكلمات سيدمّر المعنى... فالكلمات لا تمتلك حياةً في ذاتها". ونحن جميعاً نعرف هذا بديهياً: فما كل شيء يصاغ بالكلمات. لكن في الوقت نفسه، وكما يعرف كل شاعر، يمكن للكلمات أن تعبّر أكثر مما يبدو أنها تقول.
إن الأساسي فيما يتعلق بالمكتبات ليس كونها تحفظ أشياءً، أو حتى طبيعة تلك الأشياء، وإنما كيف تُستخدم تلك الأشياء. ومع أن الكتب هي أول ما يخطر للذهن، فإن المكتبات تحفظ ما هو أكثر بكثير من مجرد كتب. فهناك أيضاً أشياء مثل أقراص السي دي والدي في دي، ومجلات، وصحف، وخرائط، ونتاج فني، وقاعدة بيانات ألكترونية، وكومبيوترات، وطابعات. لكنها توفر كذلك أشياء لا نميزها سريعاً كأشياء، مثل: المكان، العلاقات، الثقة، الفهم، والفرص. وعلينا الإقرار بأن المكتبات تخاطب الشخص كله وليس عقله فقط.
وحين يدرك كافكا ذلك، يتغير نسيج المكتبة بالنسبة له. وتقول له امرأة شابة،”أهم شيءٍ بالنسبة للحياة هنا أن الناس يدَعون أنفسهم تمتصها الأشياء. وما دمتَ تفعل هذا، لن تكون هناك أية مشاكل... وذلك يشبه حين تكون في غابةٍ، فتصبح جزءاً غير متميز منها. فحين تكون في المطر، فأنت جزء من المطر. وحين تكون في الصباح، فأنت جزء غير متميز من الصباح. وحين تكون معي، تصبح جزءاً مني".
فما هي المكتبة؟
إنها، في القرن الحادي والعشرين، مكان يساعدنا في إدراك أن الواحد منا جزء لا يتجزأ من الآخر.

عن/ Lines of Spines