قراءة في رواية (اللاأين)....

قراءة في رواية (اللاأين)....

د. عقيل مهدي يوسف
مسار الرحلة..
يقترن (اللا أين) بذكره لفظاً صريحاً في الرواية ؛ بالنجوم، والفِرار، وشعلة البحر، والمهربين وتعاقب الأيام، والطائفية، وانطواء دقائق فريدة. حتى بات (اللاأين) يشكّل (حافزاً) لافتاً للانتباه، ومتكرراً.

وجاء على النحو الآتي”النجوم لألئ ومّاضة متدلية من (الأين) و (اللاأين) في اقطاب السماء، تعرّش على رؤوسنا ولا أراها”(انظر: ص24).

(--) لو كنا نعيش في بلد بهذا الفيض، هل كنّا سنفزع الى (اللاأين)، بكل رعبه (ص:33).
(--) اننا ننهزم فنفر الى (اللا أين) (الصفحة نفسها).
(--) لسوف يتراءى للناظر انها شعلة انبعثت من سطح البحر في ذلك (اللا أين) (ص:58).
(--) في بلدنا الذي نفحنا المهربين كل ما نملك من اجل تهريبنا الى (اللا أين) (ص:164).
(--) الأيام في (اللا أين) تترنح وهي تتعاقب (الصفحة نفسها).
(--) حسان ابعد هابوه وامه خوفاً عليه من تصفيات طائفية عمياء، وبكر مهرّب بمباركة أمّه، وأبيه للسبب ذاته.هو متلبّث هنا في (اللاأين) (ص:230).
(--) انطوت تلك الدقائق الفريدة ونحن في (اللاأين) وتؤشر الرواية كذلك احداث الرحلة البحرية، فيما يخص قرائن الذاكرة، والتواصل، والمقدّس على النحو الآتي : (عند حافة الجرف، قذف بالساعة، والهاتف والكتب (الثلاثة) نحو موجة مقبلة) (ص:5)
(--) البديل هو خيار لن يعيدهم الى بلدهم الذي يفضلون عليه الموت واللجوء الى الجزيرة اللامأهولة (ص:30).
(--) (تكدس ليل كثيف مابين مدخل الكهف والبحر) (ص:214).
(--) أمجد مخاطباً زينة، تضبطين ساعتك على الساعة اثنتي عشرة ودقيقة، لتكون بداية يومنا الجديد (ص: 248) على ارض هذه الجزيرة، المنقطعة عن العالم.
(--) (على الرغم من السعلات، والاحتناقات، اتدبر قطف العنب والتفاح) (ص:290).
(--) (اغترف كل منا بجرّته، ما اغترفه من شراب الدن) (ص:304)
(--) (نحن قررنا أن نصنع، ان نشكل وطناً خاصاً بنا، نشكله من الصفر لناس ينتصرون لكرامتهم) (ص:323).
(--) (الوطن ليس أرضاً، يعيش عليها شعب، الوطن فكرة لا تورّث.. الوطن لايورّث، والوطن يكتشف أبداً من جديد في كل مرّة) (الصفحة نفسها).
(--) (ظرفنا خاص، كل البشرية لمّا يولدون يجدون وطن جاهز، لأن آباءهم كانوا مواطنين، والنوع الآخر) (ص:325). يهربون من وطنهم الأم، ويهاجرون الى وطن آخر.
الطائفية :-
ويتأطر كذلك التمعن في (ظاهرية) الطائفية والأديان التي باتت قدراً وجودياً ماحقاً حيث يحلم (دانيال) المريض بعمائم تحجب عين الشمس، تطيرها الزوبعة، ويظهر اسم (امجد) الذي سيكون له شأن مستقبلي في بناء الرواية، ونسيجها، وهو الباحث في (تاريخ الأديان)، الذي يرجع اسم دانيال، الى نبي، او رجل مقدس، ويدعو الى نسيان كلمة (عدو)، للبدء من الصفر.
وصاحب المركب، زويل آغا، كانت عائلته التي تعود بأصولها الى بلدنا، ضحية لمؤامرة سياسية ذات أساس (ديني). (انظر: ص ص:66.68.85.109.205.230.342).
السياسي الحاكم والمحكوم:
وتظهر الفكرة الأيديولوجية السياسية متذبذبة مابين مفهوم المافيات الحاكمة، وصراعها مع الآخر، لِلَمسْ في كرامة المناضل الذي يأبى المساومة والمغريات، فيصبح شهيداً. فالمجموعة تردد أغنية (احنا مشينه للحرب) وهم يقهقهون. ويأتي ذكر شرطة خفر السواحل، وهم يقتلون الركاب المهربين الى الجزيرة، ولا يفرقون بين رجل وامرأة وطفل، وتهشم رؤوسهم، بأعقاب البنادق.. في حين يفكر (أمجد) بصياغة رؤية نظرية، خلافاً للحزبي الذي يمثل رؤية عملية للحزب، في حين يتميز (القائد) عنهما في قدرته على تغيير الواقع الخاص بالمجتمع.(انظر: ص ص:010، 15، 18، 109).
ثم يخاطب عز الدين، دانيال، بأننا نحن الذين نخطط لحياتنا، ونسيّرها (مو غيرنه يفرض علينا، شلون نعيشها) ذلك لأن مأزق البلد يرجع الى عدم وجود من يصحح العور السياسي، لسلبيتنا نحن الشعب، وغياب النضال الجمعي، ضد عصابات سرقة ومافيات. (انظر: ص ص:220، 260).
في المقابل يعرّج على شخصية ايجابية، اسمها الحركي (سلام) يصفه الراوي، بأنه (شاب شعبي، ورجل بسيط، كان بطلاً قطّعوه بالسجن، وما حصلوا منه على شيء) (ص:262). ما اعترف على أي رفيق من رفاقه، ولا سمح لهم أن يذلّوه).
رمزية الإسم :-
ويختم السرد، بلحظة وجه البطل الذي اسمه (وطن) في عيني (محب) قبل ان يطبق اجفانه الى الأبد.
في الرحلة نفسها، تجري المقارنة بين نجوم واقمار سماوية ساطعة، واخرى خافتة فوق المياه واليابسة، فالقارب يضم (54) انساناً، اسم السائق (اوزيل) واسم مساعده (نجدت) (ص:6).
ويحسب أن الأكثر رعباً في هذه الرحلة، من مواجهة ذئاب جائعة هو السير نحو ليل دامس (ص:9).
يتعلق الضوء، الساطع، بكشاف القارب، الذي يتحكم فيه سائق القارب (ص:10)، والرقعة الضيّقة في القارب، بات ركابه، يوشكون على الرقص، واجسادهم (منحصرة) (ص:11).
وثمة انتظار (لسائق) آخر، يأملون، أن ينقلهم الى عمق جزيرة، يجتازونها، كما يتمنون، الى بلاد أخرى (ص:12)
لكن، النجوم، لاتعدل مجتمعة ضياء القمر (ص:24).
البطل المحوري :-
ويمهد الروائي لشخصية (امجد)، ليصبح بطلاً محورياً في سرديته، ويصفه (رأسه مكور، ونصف اصلع، وجهه احمر بشارب اسود كث)، وينصح دانيال بأن لا يأخذ الدواء، على معدة فارغة (ص:43).
وتتكاثر فضائل وقدرات (امجد)، ويبدو كأنه ربّ أرضي، يخطط لبناء معمار الجزيرة القادم، ويغذّي يوتوبيا بنيتها القادمة. ويبدأ بمخاطبة اوزيل آغا صاحب القارب، أن يجلب الماعز والدجاج وكيس الحنطة المعفّرة (ص:106) ويرى كذلك، أن السيّاح ينبهرون بالجهد العضلي والجمالي الذي يبذله الانسان حتى يقيم الصرح الآثاري العظيم (ص:256).
ومن خلال بضعة مواقف، تؤكد الرواية على ضرورة اقتران (العقل) بالجهد (التجريبي)، لتحقيق التوصل الى (نتائج) مختبرية نافعة، وتوظيف القوانين (الوضعية) لمآرب انسانية. (فالعقل)، ان لم يكن بيت الداء، فهو الدرب الى كل الأدواء (ص:51)، حتى (الملح) الذي سنقشطه من قاع (القِدْر) سيكون ملوثاً بالقصدير (ص:217).
خلفية السرد :-
كتب دانيال دوفو، عام (1715) رواية روبنسون كروزو ليؤسس بداية للرواية (الانكليزية) – بمثل ما فعل الروائي الاسباني (جراسيان) في رواية (الكرتسيون) بوصفها أدباً متفلسفاً، وهي مثل (حي بن يقضان) لأبن طفيل، التي قاربت (عزلة) الإنسان في (جزر) مقطوعة نائية، يبكي فيها فرقة الاحباب، وفراق الروح للبدن.
الرواية :-
علينا أن نسأل، هل اراد (طه شبيب) في رواية (اللاأين) أن يسرد لنا، كيفية الاهتداء بطريقة مثلى، الى التفوق على (الذات، للفرد، واجتماع (النحن) فيما يخصّ (الجماعة)؟ حيث سيكون الاختبار، رهن تجربة بحرية حاسمة ومريعة، يوظف الروائي طاقة رمزية، تخص ضرباً من الوقوف في وجه الاشرار الذين يدمرون (أين) الوطن، مما يجعلوا الناس يضطرون للهروب الى (اللاأين) بوصفه وطنأ بديلاً.
حلقات السرد :-
ارتبطت مفاصل الرواية، بالأيدلوجي الحزبي والديني، والعلمي، والثقافي، في رحلة بحرية عاصفة، ورسمت سمات البطل الرئيس، بنسق روائي يمثل نفسه، تابعنا فيه، مكابداته من داخل البنية النصية للرواية واطلعنا على تكثيف خبراته في عرض البحر، والرسوّ على شواطئه، وحطّ الرحال على الجزيرة (المصير)، بدينامية جسدية وروحية يخوضها الابطال، ضد متغيرات البيئة المهددة لوجودهم، مما يقودنا الى تبيان مواقفهم من جريان الاحداث، وضغوط الظروف الطارئة، والصراع المستميت مع الطبيعة، المائية، والبرية، والبشرية بصياغة ترميزية، وكأنها تحيلنا الى (آدم) في اول عهده بالخليقة البشرية على (الارض).
ولكن مع فارق جوهري، فآدم لا علم سابق له بالحياة الارضية، في حين أن (بطل) الرواية، ينتقل من أرض بشرية معمورة، الى آخرى قاحلة، وبالتالي يمتلك خزيناً من الموروث المدني، الحضري، المتقدم. وبذلك تنتقل معه خبراته العرقية، والسياسية، والعلمية، بطريقة تفاعلية مع الجماعة، والاحتكاك معها عاطفياً، وعقلياً، في محاولة منه لتثبيت (آثره) التغييري في السيطرة على (الطبيعة) الغفل.
إطار الجزيرة :-
يحيلنا السرد الى زمن الاحداث، ومكان الأفعال، بطريقة محددة وملموسة في اطار الجزيرة، التي ستبنى عليها (يوتوبيا) جمهورية جديدة، تتطلع لأن تكون مبرّأة من الحيف العرقي، والطائفي، والتطاحن السياسي، وصراع النفوذ. في رغبة منها لإقامة حياة انسانية حرّة على جزيرة ما كانت مأهولة من قبل. توفرت السردية على عناصر ماثلة في التركيب الداخلي للرواية ؛ حدثاُ، وشخصيات، وتخييلات، ولغة جامعة للفصحى والمحلية الدارجة التي تنقلنا من الواقع الحقيقي، الى المجاز السردي المفترض. وهي رهن متاهات الماء واليابسة، للبحث عن حقيقة انسانية لا تهمّشها (التابوات)، ولا تقمعها عوامل قهرية سلطوية.
كرامة الانسان :-
تتعزز جوانب ايجابية في ذاكرة الأبطال، يمليها التحصيل الحضاري السابق، وهم يقتدون برجال نذروا انفسهم للدفاع عن حقوق (الأغلبية)، دون أن يهدروا (كرامة) أحد من الناس بحجة (الأقلية)، أو بمعايير العنصرية المقيتة.
فالناجون حين وصلوا الى الساحل، تفتحت آفاق لغتهم الإنسانية، على بعضها البعض، ليكرسوا مظاهر مدنية من نمط أعلى جديد، ببعد (فلسفي) يخصّ كينونة الانسان، وسؤاله الوجودي، لإظهار كيفية ارتسام صورة مبهرة للوطن الذي يبتغون، بلا مواعظ شيطانية، أو سرقات للمال العام، أو هدر للحريات.
مناخ الرواية :-
كتبت الرواية، بمكاشفة واقعية، تعرّي نواقص فردية ومجتمعية محض أزماتنا الوطنية الداخلية. من خلال (يوتوبيا) بديلة، تهدف الى زعزعة الأسس (القيمية) العتيقة، (فالبطل) يقدم مشوراته (للجماعة) التي يقودها، تارة بشكل صريح وأخرى بشكل خفي، طارحاً لهم مشروعه لاستمالتهم، موظفاً صورة متخيلة جذابة للخروج من محنة الفرقة والتمزق، والفقر، والإذلال، لتخفيف كوابيس الهجرة، وتابوات المقدسات الزائفة، التي اودت بضحايا أبرياء.
ناموس القمع المطلق :-
تحيلنا (مضمرات) الخطاب السردي الى مكنونات داخلية مُتحكّمة بالظواهر السياسية (الأيدلوجية) التي تقود (العالم) اليوم، ونظنهّا نحن مندرجة في (عولمة) الاقتصاد الرأسي والأفقي للشركات العملاقة، بآليات مشبوهة، وسرية، لتفتت المجتمعات وترسخ ثقافة الاستهلاك، وتعمم (قيم) سطحية، لتبخيس قيم الديمقراطية الحقّة تارة بأتمتة تكنولوجيا علمية ماحقة، وأخرى، بأسلحة دمارها المروعة.
التقنية السردية :-
حاول الروائي (طه شبيب) أن يتبنى طريقة جديدة في (رؤيته) للحدث المأساوي الخاص بغرق اللاجئين العراقيين، بصورة سردية مؤثرة، لتصبح مادة انطلاق اولى او (موتيف) محفّز لإستكمال السرد، وتشكيل نسقه لدى (المتلقي) والاهتداء الى نظائر بشرية واقعية، أو مفترضة، مرتبطة بالذاكرة التاريخية والاجتماعية أو منقطعة عنها، لكنها سردياً، حافلة بتنغيمات وتشخيصات تصف مصائر الأبطال المتوزعة بين كورس يحميهم، أو (فرد) ينفرد بقيادته لهم، خارج نظام الفضاء والزمن الذي عاشوه في الماضي، وكأنه يصنع تاريخاً ملحمياً جديداً، تتشكل فيه فئات وديانات واعراق متنافرة في وحدة عضوية مغايرة، وغبطة من الحرية، والانسجام، بلا إكراهات التعصب والتهميش، والتقتيل والتهجير.
صفات البطل :-
سيكون هذا البطل، كما تتبعنا تطوراته عبر جسد السرد، انساناً، مثقفاً، عارفاً، وهو كفء وقادر على انقاذ المستوطنين الجدد، من الحيرة، أو الخوف من التهلكة التي تنتظرهم. حيث نراه يناغي رغباتهم في الخروج من صحراء التيه، باقتراح مشروع تداولي، يحسبه قابلاً للتطبيق المستقبلي. وبذلك يصبح مبرزاً في حبكة الشخصية، فهو قيادي، استثنائي، يحوز الإعجاب والانتصار لخياراته، وايضاً في السرد، تأتي حبكة (الحدث) حيث تتغير احوال الشخصيات في الجزيرة، من الشقاء والمعاناة، الى ضرب من السعادة، والأمل.
وأخيراً حبكة (الفكرة) بانتقال معتقدات (الجماعة) من الفوضى والتنافر، الى الانسجام والوحدة، أي، الى الاحساس الجديد بالمواطنة، حيث تفرز (وجهات نظر) الأبطال، وكذلك (مواقعهم) الخاصة بكل واحد منهم في رصده لعالمه الجديد في الجزيرة، بأسلوب (التناوب) الذي شمل سردية الرواية، منذ بدايتها، وحتى ختامها، فنرى ضرباً من (ايقاف) سرد الحكايات الفردية، ومن ثم العودة الى (استئنافها) من جديد، لتنتهي في ختامها، الأسماء كلها الى مغزى واحد، ولفظ واحد هو (الوطن).