لويس عوض يكتب عن الثورة الفرنسية

لويس عوض يكتب عن الثورة الفرنسية

الكتاب بالأصل عبارة عن مقالات مطولة نُشرت عام 1989 م في جريدة الأهرام بمناسبة مرور 200 عام على الثورة الفرنسية. وهو آخر كتاب من تأليف لويس.يتحدث الكتاب بالتفصيل عن الثورة ومسبباتها ونتائجها , وأهم شخصياتها القيادية.في موسوعة ويكبيديا , المعلومات المذكورة عن سجن الباستيل تم اقتباسها بالكامل من كتاب الثورة الفرنسية للويس عوض , دون إشارة إلى المصدر!

لويس عوض مفكر و مؤلف مصري , حاصل على الماجستير في الأدب الانجليزي من جامعة كامبردج , والدكتوراة في الأدب من جامعة بريستن عام 1953.
وقبل سرد ما يحتوية الكتاب يجب إلقاء نظرة عن العصر الذي قامت فيه الثورة الفرنسية, والفلسفة التي كانت سائده ذلك الوقت. أتحدث عن عصر التنوير وما جرى فيه من التقاء لنقاط مشتركة بين عدد من الفلاسفة التنويريين أمثال فولتير مونتسيكيو وروسو وغيرهم.
بعد الفيلسوف هيوم كان المنهج الفلسفي الرئيسي هو منهج عمانويل كانت. لكن فرنسا عرفت في القرن الثامن عشر عدة مفكرين. ويمكن القول أن مركز الفلسفة الأوربية هو انكلترا في البداية, فرنسا في الوسط, وألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر. في الرواية تم تلخيص النقاط الأساسية المشتركة بين فلاسفة عصور التنوير الفرنسيين. أمثال مونتسيكيو وفولتير وروسو وغيرهم. النقاط المشتركة هي :
1- التمرد على السلطة
2- العقلانية
3- فكر عصور التنوير
4- التفاؤل الثقافي
5- العودة إلى الطبيعة
6- الديانة الطبيعية
7- حقوق الإنسان.

- التمرد على السلطة -
لجأ عدد من الفلاسفة الفرنسيين إلى بريطانيا, التي كانت تنعم في ذلك العصر وعلى عدة صُعد بحرية أوسع مما في بلدهم, وبهرهم العلم التجريبي البريطاني, خصوصاً نيوتن وفيزياؤه الكونية. كذلك فلسفة لوك ونظرته السياسية. مما جعلعهم يثورون عند عودتهم إلى بلدهم فرنسا. على السلطة القائمة القديمة. اتجه هذا التمرد ضد السلطة بكل أشكالها إلى الكنيسة والنبلاء. فكانت النتيجة أشهر ثورة في تاريخ أوربا الحديث”الثورة الفرنسية”
- العقلانية -
لا يمكن التغاضي عن تأثير فلسفة الفيلسوف لوك البريطاني على فلسفة عصر التنوير في فرنسا. كان لوك يرى أن الله وبعض القواعد الأخلاقية موجودة بالفطرة في عقل الإنسان. وهذا ما هو موجود في صلب وأساس فلسفة عصر التنوير في فرنسا. ولكن فلاسفة عصر التنوير يختلفون عن الفلاسفة التجريبيين الأخرين بأنهم أكثر عقلانية. فعندما يتحدث الإنجليزي عن الأمور البديهية, يفضل الفرنسيون التحدث عن الدليل المحسوس. ويمكن أن يترجم ذلك بـ”ما يفرض نفسه بوضوح على الفكر”أي العقل.
- فكر عصور التنوير -
يندرج فلاسفة عصور التنوير في خط الفلاسفة الإنسانيين في العصور القديمة مثل سقراط والرواقيين. من حيث إيمانهم المطلق بعقل الإنسان. وذاك ما يجعل الكثيرين يطلقون على عصر التنوير لقب عصر”العقلانية”. فبعد أن أرسى العلم التجريبي مبدأ كون الطبيعة تسير وفق قواعد دقيقة تماماً , أخذ الفلاسفة على عاتقهم مهمة ارساء قواعد الأخلاق والدين. وهذا يقودنا إلى فكر عصور التنوير بمعناه الحقيقي0 أي تميز طبقات الشعب الدنيا كشرط أساس لبناء مجتمع أفضل, ولم يكن البؤس والاضطهاد بنظرهم إلا نتيجة الجهل والشعوذة بين الناس. لذلك علق فلاسفة عصر التنوير على تربية الأطفال والشعب مما لا يجعل من قبيل المصادفة أن يعود علم التربية إلى عصر التنوير.
- التفاؤل الثقافي -
العمل الرئيسي الذي ميز عصر التنوير هو موسوعة كبيرة صدرت بين عامي (1751-1772م) في ثمانية وعشرين جزءاً. وبتعاون جميع فلاسفة عصر التنوير. يوجد فيها كل شيء. من طريقة صنع ابره إلى طريقة تذويب مدفع حسب تعبير جوستاين غاردر. ما هو مثير للإهتمام أن المؤلف لم يذكر مصير هذه الموسوعة الكبيرة التي تناوب على كتابتها فلاسفة عصر التنوير. في كتاب الثورة الفرنسية للويس عوض. تم ذكر أن هذه الموسوعة تعرضت للمصادرة وصدر قرار بإحراقها قبيل الثورة الفرنسية. وأُحرقت في ميدان الجريف بباريس.
- العودة إلى الطبيعة -
كان فلاسفة عصر التنوير يعتقدون بأنه يكفي أن ننشر العقل والمعرفة لتقدم البشرية بخطى عريضة. ولتصبح مسألة ايجاد حلول انسانية مستنيرة مكان الجهل والشعوذة مسألة وقت فقط. كلمة طبيعة مرادفة بنظر هؤلاء الفلاسفة لكلمة”عقل”. إذ أن عقل الإنسان هو عطاء من الطبيعة, وكان شعار جان جاك روسو هو”علينا أن نعود إلى الطبيعة”ذلك أن الطبيعة خيرة والإنسان بطبيعته خير والشر كله يكمن في المجتمع. ويجب برأيه أن يكون للطفل الحق في أن يعيش أطول فترة ممكنة. وعليه يعود طرح فهم خاص للطفولة إلى عصر التنوير.
- الديانة الطبيعية -
في حين كان عدد من الفلاسفة الطبيعيين الحقيقيين لا يؤمنون بأي إله, ويعلنون الحادهم الواضح. وجد فلاسفة عصر التنوير أنه لا يمكن تصور العالم بدون الله. لأنه خاضع للعقل بحيث لا يترك مجالاً لتصور كهذا. كان نيوتن يشاركهم وجهة النظر هذه. بحيث يجب على الدين أن يعيد اكتشاف جذوره العقلانيه وإزالة الغبار عن المسيحية. هكذا ناضل عدد من فلاسفة عصر التنوير لفرض ما يمكن تسميه”ديانة طبيعية”.
- حقوق الإنسان -
امتلك الفلاسفة الفرنسيون في عصر التنوير حساً تطبيقياً أكثر من معاصريهم الإنجليز. كانوا يناضلون في سبيل الإعتراف بالحقوق الطبيعية لكل فرد, والتي لا يجوز التصرف بها, والمترتبة له لمجرد كونه وُلد انساناً.بدءاً من الرقابة. أي حق التعبير عن الرأي في مجال الدين والأخلاق والسياسة. بحيث يجب أن يتمكن كل فرد من التفكير بحرية, والتعبير عن آرائه بحرية , وانتقالاً إلى النضال ضد العبودية وتخفيف معاملة المجرمين0 كان أول تطبيق لهذا النضال في عام 1789م حين تم عرض مبدأ تحريم انتهاك حرية كل فرد في نهاية إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي شرعته الجمعية الوطنية الفرنسية.

بالنسبة لحقوق المرأة في عام 1787م نشر الفيلسوف كوندورسي رسالة حول حقوق المرأة, أعلن فيها أن للنساء الحقوق الطبيعية ذاتها التي للرجال. كانت النساء خلال الثورة الفرنسية نشيطات جداً في النضال ضد النضام الإقطاعي. فكن على رأس المظاهرات التي اجبرت الملك لويس السادس عشر على الهرب من قصر فرساي ومن باريس. أحد المناضلات في سبيل المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة كانت تدعى”أوليمب دو غوج”. نشرت عام 1791م بعد سنتين من الثورة إعلاناً حول حقوق المرأة. لأن هذه الحقوق لم تجد لها مكاناً في فصل محدد, في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي. تم اعدامها عام 1793م ومنذ ذلك حُظر على المرأة القيام بأي عمل سياسي.
كلما ذُكرت الثورة الفرنسية ذُكر زوال ذلك الرمز الباقي في خيال الأجيال.
“الباستيل”
سقوط ذلك الرمز في أيدي الثورة الفرنسية كان أهم علامة مميزة لـ إنتصار الثورة والبداية الحقيقية لسقوط النظام الإقطاعي في فرنسا.يقول كلود كيتيل رئيس الجمعية التاريخية الدولية في كتابه”الباستيل”بأن الأسطورة في سجن الباستيل أكثر من الحقيقة. هو يهون من دور السجن كمعتقل للسياسيين ويدلل على ذلك بأن الألوف من الجماهير التي استولت على الباستيل لم تجد فيه إلا سبعة أشخاص نصفهم من المجانين!

هناك من يرفض مثل هذه المقولة وإصباغ تلك الروح على رمزية السجن وتاريخه الاسود.ويحدث بين الحين والآخر سجالات تاريخية بين شرائح المثقفين الذين يدين بعضهم الثورة الفرنسية جملة بدعوى غزارة ماسفكت من دماء ويتفق معهم في جزئية بسيطة من الرأي الروائي الروسي ليوتولستوي عبرقوله”لو كانت الغاية هي عظمة فرنسا، فإنها كان يمكن إدراكها بدون الثورة و الملكية. ولو كان الهدف نثر بعض الأفكار، فإن المطبعة كانت قادرة على القيام به أفضل بكثير مما قدر عليه الجنود. و لو كانت الغاية تطور المدينة، فإن بالإمكان التقبل دون أي صعوبة بأن هناك من الوسائل الناجعة لنشر المدنية أفضل بكثيرٍ من إفناء الرجال و ثرواتهم.”تاريخ هذا السجن حافل بالكثير من الإثارة , أُنشئ في فرنسا في عام 1370 كحصن للدفاع عن باريس.ومن ثم كسجن للمعارضين السياسيين , وأصبح على مدار السنين رمزاً للطغيان والظلم , وانطلقت منه الشرارة الأولى للثورة الفرنسية في 14يوليو 1789م. وما تزال فرنسا حتى اليوم تحتفل بمناسبة اقتحام السجن باعتباره اليوم الوطني لفرنسا.
الصورة التقليدية عن الباستيل حتى قبل سقوطه في يد الثوار أنه لم يكن حصناً للدفاع بقدر ماكان قلعة للطغيان وسجناً للتعذيب. ولم يعتبر الباستيل قصراً إلا في عهد لويس الرابع عشر حين أصدر هذا الملك في 1667 أمراً ملكياً لقومندان الباستيل باعتبار الباستيل أحدالقصور الملكية وأمره بموجب هذا أن يطلق المدافع ابتهاجاً بمولد ابنته. من أهم الشخصيات الأدبية والسياسية الذين دخلوا الباستيل.الفيلسوف الفرنسي فولتير , المفكر لاروشفوكو , القائد ديموريين بطل معركة فالمي الكاردينال دي روهان بطل فضيحة جواهر الملكة انطوانيت. الكونت لويس ,الكونت جاك أرميناك , دوق نمور حاكم باريس , الأب بريفو , فونتنيل , والكثير الكثير! كانت المطابع والكتب المصادرة في عهد لويس الرابع عشر تكدس في الباستيل حتى اضطروا أن يبنوا لها جناحاً خاصاً. من أهم الكتب المصادرة في السجن كتاب”رسائل من الريف”للفيلسوف باسكال, و كتاب”رسائل فلسفية”للفيسلوف فولتير , وأُحرق بقرار من البرلمان. وموسوعة”الانسيكلوبييا”التي كتبها أقطاب حركة التنوير. وأحرق كتاب فلسفة الطبيعة في ميدان الجريف.

معركة الباستيل
إختصر المؤرخ الفرنسي ميشليه معركة وسقوط الباستيل في سطرين يحملان دلالة عميقة لرمزية السجن وسمعته التي أصبحت رمزاً للحكم.
“يجب أن يقال أن الباستيل لم يسقط ولكنه سُلم.
سُلم لأن ضميره المفعم بالذنوب أقلقه إلى حد الجنون وجعله يفقد روحه المعنوية”
في 13تموز لم تكن باريس تحلم إلا بالدفاع عن نفسها. كانت سماؤها لاتزال مبلدة بالشكوك. وفي 14 يوليو انتقلت من الدفاع إلى الهجوم , ولم تعد لديها شكوك! في المساء كان هناك اضطراب وهياج , وفي الصباح كان هناك صفاء رهيب. مع الصباح استولت على باريس فكرة , ورأى الجميع نفس الضياء. في كل نفس ضياء وفي كل قلب صوت يقول - قم -. وسوف تستولي على الباستيل!. كان ذلك شيئاً جنونياً - مستحيلاً - غريباً أن يقال ومع ذلك فقد أمن به كل الناس وقد تحقق. كانت الساعة 5.30 , وارتفعت صيحة مدوية من ميدان الجريف
تقول”الباستيل سقط”كل الرجال كانوا مسلحين , بعضهم عار , والبعض الآخر يلبس ثياب من كل لون يحملون أكثر من 32.000 بندقية , وخمسة مدافع أخذوها بالقوة من ثكنات الجيش! ينتمون لضاحية سانت انطوان المتاخمة للسجن , تتبعهم فصيلتان متمردتان تضم الحرس الوطني والميليشيا البرجوازية التي كونها أبناء الطبقة المتوسطة.
مجموعة مسلحة كبيرة تتمنى فناء الباستيل بأكمله.بعضهم حطم بالحجارة عقارب الساعة الحديدية! والبعض صعد إلى قمة الأبراج ليصب جام غضبه على المدافع المنصوبة!والبعض صب جام غضبه على أحجار الحصن. فأدموا إيديهم وهم يحاولون اقتلاعها. لحظة الإلتحام بين الجماهير الثائرة وجنود حامية الباستيل. كان السجن بأمان والحرس السويسري يصوب بنادقه تجاه الجماهير وهم في مأمن من نيران الجماهير الثائرة. فقتلوا 83 رجلاً بينهم عشرون من فقراء الأباء الذين تركوا ورائهم نساءً وأطفال ليموتوا جوعاً!أدى سفك دماء الجماهير بأيدي السويسريين لإستياء من قبل بعض الجنود الفرنسيين فألقوا الأسلحة. وطلبوا واستعطفوا من قائد الباستيل القومندان دي لوني أن يوقف المذبحة.الحالة النفسية للقائد كانت في الحظيظ. فما دام الأمر يعني الموت فقط ,
قرر أن ينسف الحصن بأكمله وبنفسه. وهي فكره جهنمية قد تؤدي لتدمير ثلث باريس وسحق ضاحية سانت انطوان وحي الماريه. أخذ القائد فتيل ليشعل في مخزن يضم أكثر من 135 برميل بارود. فحال دون ارتكاب تلك المذبحة الكبيرة إثنان من الضباط اعترضا طريقه إلى البارود. وهنا ادعى الرغبة بالإنتحار فأخذ سكيناً ولكنهما انتزعاه منه.

إقتحمت الجماهير الباستيل بعد استسلام الحرس السويسري , والمصادفة أو الغريب أن الجنود السويسريين لم يمسهم شيء , فقد كانوا في نظر الجماهير خدم أو مساجين بينما جُرح الجنود الفرنسيون وقتل الكثير منهم. ولم يتوقف المنتصرون عند حدود الباستيل فخاضوا معركة أخرى في ميدان الجريف. واجهوا جماعات لم تشترك في
القتال فرأت أن تشارك بشيء ما ولو بقتل الأسرى. فقتلوا رجلين أحدهم في تورنيل والآخر على رصيف نهر السين. وتبعت الجماهير نسوة شعورهن محلولة عرفن أن أزواجهن من بين من ماتوا فتركوهن باحثات علن القتلة. أما قائد الحصن القومندان دي لوني فقد هرب بحماية اثنان من الرجال الشجعان لكن ذلك لم ينفعه أمام ثورة الجماهير الغاضبة. فرأس القائد وجد بعد فترة قصيرة من سقوط الحصن معلقاً في طرف حربه.
مجلس الطبقات الفرنسي
في عام 1786 م غرقت فرنسا في الديون لتمويل القتال في حرب السنوات السبع والثورة الأمريكية. وبحلول عام 1788م كانت الحكومة قد أفلست تقريبًا. مما أجبر لويس السادس عشر أن يجري إنتخابات برلمانيه من أجل تنفيذ تشريع ضرائبي ينقذ فرنسا من الفوضى المالية والإقتصادية.
كان البرلمان المنتخب طبقياً , بحيث يعبر عن كل طبقة من طبقات المجتمع
1/ طبقة رجال الدين وتضم بعض أنصار الإصلاح وبعض المؤيدين للملك
2/ طبقة النبلاء وتضم نبلاء مؤيدين للأفكار الجديدة , وآخرين متعصبين
3/ الطبقة الثالثة , وهي التي تضم شخصيات ثورية أمثال ميرابو , وروبسبير

كان معظم أعضاء الطبقتين الأوليين يرغبون في أن تناقش كل طبقه الأمور، وأن يكون التصويت عليها منفصلاً. وكان عدد ممثلي الطبقة الثالثة يساوي عدد ممثلي الطبقتين الأخريين مجتمعتين. فأصرت الطبقة الثالثة على دمج الطبقات الثلاث فيمجلس وطني واحد، وأن يكون لكل ممثل صوت واحد. كذلك رأت الطبقة الثالثة أن يكتب للمجلس دستورًا. رفض الملك والطبقتان الأوليان مطالب الطبقة الثالثة. وفي يونيو 1789م، أعلن ممثلو الطبقة الثالثة أنهم هم المجلس الوطني لفرنسا. وتجمعوا بعد محاصرة الملك لهم في المجلس عند ملعب للتنس وأقسموا بألا يتفرقوا إلا بعد أن يفرغوا من كتابة الدستور وأصبح هذا القسم معروفًا بقسم ملعب التنس. وركناً من أركان الثورة الفرنسية!
“نص القسم”
“أقسم أمام الله والوطن أنه أياً كان المكان الذي نضطر إلى الانعقاد فيه , فإن الجمعية
الوطنية هي الجمعية الوطنية , ولاشيء يمكن أن يحول دون استمرار مداولاتها
وأنه حتى قبل وضع الدستور وإقراره , فإنها تأخذ على نفسها عهداً بألا تنفصل أبداً”
بعد ذلك بفترة سمح الملك لويس السادس عشر للطبقات الثلاث بالاجتماع معًا ممثلين للمجلس الوطني. لكنه بدأ في تجميع القوات حول باريس ليفضّ المجلس طُلب من نواب الطبقة الثالثة الخروج من القاعة - خاطبهم بذلك رئيس التشريفات -فبرزت شخصية الكونت دي ميرابو أخطب خطباء الثورة الفرنسية , الذي رد علىرئيس التشريفات بقول فُهم معناه أن الكونت هو الملك الجديد لفرنسا”نحن هنا بإرادة الشعب , ولن نخرج من هنا إلا على أسنة الحراب”
المناقشات والأحداث التي دارت في مجلس الطبقات كانت اللبنة الأولى للثورة.دار الكثير من المناقشات الصاخبة والمواقف الكبيرة التي حصلت في ملعب التنس لاأستطيع ذكرها منعاً لـ إطالة الموضوع كثيراً رغم روعتها وجمالها.ولكن أذكر حديث للمؤرخ الفرنسي ميشليه يتحدث عن منع نواب الطبقة الثالثة من الدخول لقاعة المجلس , وهو حديث مهم , لأنه يختصر ميول النواب السياسية.
“هؤلاء هم ملوكنا الجدد. يُحتجزون ويقفون بالباب وكانهم جماعة من التلامذة
المشاغبين. هاهم هائمون تحت المطر وبين الناس على طريق باريس. الكل
مجمع على الجلسة وعلى التجمع. قال بعضهم إلى سوق السلاح! وقال آخرون
إلى قصر مارلى , وقال آخرون بل إلى باريس! وكان هؤلاء هم أكثرهم تطرفاً لأنهم ارادوا إشعال البارود”

إذا كانت هناك شخصية من شخصيات الثورة الفرنسية جسدت الثورة تجسيداً كاملاً فهي في شخصية المحامي ماكسمليان روبسبير. لم يعش سوي 36 عاما، وتولى حكم فرنسا بعد أن قتل دانتون , بعد أن أعدم الملك لويس السادس عشر. خطيب مفوه ومنحاز للفقراء , ومؤمن بجان جاك روسو إيماناً أعمى.كانت الجماهير مفتونه به لكن كانت تخشاه لأنه كان يعرف نقاط ضعفها التي يمكن استخدامها ضدها. في كتاب الثورة الفرنسية للويس عوض تم ذكر بعض الخطب الرنانة التي كان يستخدما روبيسبير لتهييج الجماهير وإثارة مشاعرهم.
رغم أنه تولي السلطة ثلاث سنوات ثم انفرد بحكم فرنسا كحاكم مطلق لمدة عام واحد إلا أن فرنسا عاشت في ظل حكمه أسوأ عصور الإرهاب والطغيان، وأصبح الإعدام يوميا بالمقصلة من المشاهد المألوفة في باريس.وقال عنه المؤرخون أنه قتل ستة آلاف مواطن فرنسي في ستة أسابيع دون أن يهتز له ضمير! يقول عنه المؤرخ الإنجليزي هربرت.ج. ويلز في كتابه موجز تاريخ العالم أصبحت الثورة تحت سلطان زعيم متسلط شديد التعصب هو روبسبير. ومن العسير علينا أن نفضي في هذا الرجل برأي، فإنه كان ضعيف البنية جبانا بفطرته، لكنه أوتي ألزم الصفات لبلوغ القوة وهي الإيمان، ومن ثم أصبحت عقيدته الراسخة أن بقاءه في الحكم هو السبيل لإنقاذ الجمهورية، وخيل إليه أن الروح الحي للجمهورية قد نشأ عن تذبيح الملكيين وإعدام الملك”.