سيرة حياتي.. عبد الرحمن بدوي

سيرة حياتي.. عبد الرحمن بدوي

د. عقيل مهدي يوسف
يتحدث د. عبد الرحمن بدوي في مذكراته عن الفلسفة والدين والسياسة والمرأة والمسرح، والجامعة، والقادة، والبلدان.. وسواها، بلغة لا تخفى مرارتها لا سيما من زملاء المهنة في الجامعة ويصل به الامر الى تسفيه شهاداتهم الاكاديمية، وتلطيخ الهالة التي هم فيها من شهرة، وألقاب، وبحوث، اما في نظرته لرجال الدين فيقول: كان التدين في الزمن الماضي لله، وللوجاهة في الآخرة، اما اليوم فهو لوجه السلطان، والنفوذ في الدنيا.

انه يرى مصر قد هرمت، فيستذكر قول مصطفى كامل: (اني أريد ان ابعث في مصر الهرمة، مصر الفتاة) مستلهماً افكار"متسيني"الذي اسس ايطاليا الفتاة.
ويفتح بدوي ابواب جهنم على الجامعة، ويأتي في سياق حديثه عن رأي استاذ جامعي"كويريه"الذي اصبح استاذه، الذي حرص على رعايته وهو يشعر بمرارة من تصرف د. احمد امين الذي كان يشغل منصب العميد، اذ راح كويريه، يواسي بدوي، بقوله:"انت أصدرت كتابين حتى الآن، وهذا كتابك الثالث: فلتعلم ان كل كتاب تصدره هو بمثابة خنجر تطعن به الزملاء العاجزين الحاقدين، مهما بلغت مرتبتهم في الوظيفة، ومن ثم يعرج بدوي على الكثير من الاساتذة الذين هم"خشب مسندة"في مجالس الكليات حين لا يتعلق الامر بمصالحهم الشخصية ويقف عند رأي د.طه حسين، الذي يفضله على سواه، هو، انهم لا يعملون ويؤذيهم ان يعمل الناس وحين يصف الجو الجامعي في سنوات (1960-1966) فيجده، جو الجاسوسية الشاملة، والارهاب المتربص، والوشاية المتحفزة.
ويتذكر فردوسه المفقود (المرأة) التي يذكر حالات خاصة، اشبه بذكريات شيخ يستعيد صباه، لا سيما فتاته الالمانية، التي فلتت من شباك هيامه الكاسح وقبض عليها بتوهماته الشعرية ثم يعلق على موقف رجال الدين من"المرأة"ويقول: انها لحماقة كبرى من رجال الدين ان يجعلوا من العلاقة الجنسية مشكلة جادة، ينفقون في الكلام عنها معظم نشاطهم.
وان التيارات الاسلامية، تجعل من المرأة مشكلتها الاولى.. فتريد ان تتدخل في تحديد ملابسها، وعملها، وسيرها، وسعيها للرزق وتعليمها، وسائر امورها ذلك ان بعض اصحابها افلسوا من العلم والاخلاق، التي هي الفضائل في التعامل بين الناس، فلم يجدوا وسيلة للاثارة، وجذب الاهتمام بهم طمعاً في نيل السلطة، غير هذا الهوس حول المرأة، ويقدم معنى كلمة (البارثنون) اليوناني، بانه يعني (غرفة البنات) ومن استطراداته في شأن المرأة، يذكر ما يسمى بالفتيات نصف دنيويات Demi Mondaines وهن، بين بين، بائعات هوى، ويتظاهرن بالعفة ثم ينتهي الى قضية منع الحمل فيرى انها وسائل لا تقتل كائناً حياً، وانما تمنع من ولادة كائن حي، ويعجب المحايد، من تجريحه بعبد الناصر، فيصفه على الوجه الآتي: (..وكما ينهال الزوج الجريح، في عمله المفلس مما كان في يده، على اهل بيته بالتنكيل والركل والتصرفات الحمقاء الطائشة، انهال جمال عبد الناصر على اهل مصر بالحراسات والاعتقالات والعزل السياسي). ولم يكتف بهذا القدر، فيذكر خطاب عبد الناصر، في بور سعيد في (23) ديسمبر عام (1965) الذي قال فيه، اذا لم يعجب هذا امريكا فلتشرب من البحر، وان لم يعجبها الشرب من البحر الابيض، فلتشرب من البحر الاحمر، وهنا، يعلق بدوي"..ويقال ان ليندون جونسون حين قرأ ترجمة عبارة عبد الناصر هذه قال:"..سأضطره انا الى الشرب من المجاري"!! وعن ذكر اليهود، يرجع الى قول"ديجول"ان اليهود شعب من الصفوة واثق من نفسه، ومتسلط ولا يخفي بدوي مشاعره الوطنية في الصراع العربي- الاسرائيلي ويختزل موقفه من الحكام، وان الهوى واللامعقول والاستبداد الاحمق، هي التي تحكم تصرفاتهم.
اما تعريفه للشعب، فيسعفه فيه"كيركجورد"بان الشعب مارد هائل على رجلين من طين.
ويرى ان خصال"المثقفين"الانتلجنسيا، خصال معروفة ركوب الموجة حين الحركة والاضطراب والتغيير، والدس الخبيث ابان استقرار الاوضاع، والوصولية الشائكة بأخس السبل وبأقل مجهود، والملق.
وان كان يرى بدوي الفساد عند السياسيين، حسب وصفه لهم، وهم السادات، شاه ايران، والاشتراكيين في فرنسا.. فان لذلك اسباباً عنده وسبب فساد السياسيين، في سلوكهم الذين يظنون فيه، كسب المزيد من الانصار ان استعاروا من خصومهم بعض شعاراته ذات الاغراء فانهم واهمون.
السياسيون هؤلاء، مثل زملاء مهنته من اساتذة الجامعة الذين: (..لم يكن سلاحهم في التنافس في العلم والانتاج العلمي، بل الدس والوقيعة والوشاية والتزلف الى ذوي النفوذ داخل الجامعة وخارجها، فتحولت هيئة التدريس الى عش للافاعي، ينهش بعضها بعضاً..)
وهنا يشفع له"نيتشه"وهو يعيش في قرار الجحيم انك (لكي تجني من الوجود اسمى ما فيه عش في خطر) فيقرر بدوي استئناف نشاطه خارج الجامعة، ليحل ضيفاً على جامعات اجنبية، وعربية، ويعلي رايته في البحث والتنقيب عن المصادر والمراجع، اليونانية، والرومانية، والاسلامية بقوة بحث اسطورية، وهو يترنم ببيت الشعر:
رب يوم بكيت منه فلما صرتُ في غيره بكيت عليه
وفي وطن يرسمه بهذه القتامة، يصبح من المنطقي ان يغادره عبد الرحمن بدوي وفقاً لوصية (البستي) الشعرية:
وان نبت بك اوطان نشأت بها فارحل: فكل بلاد الله اوطان حتى انه حين حط رحاله في (ليبيا) لم يستقم امره الجامعي هناك، وبعد سنوات أخرج منها، بقول أرسطو: (ليبيا تأتي دائماً بالعجائب) وتتساءل هل هذا وفاء ام جمود ونكران وهنا يقف منافحاً عن سويسرا!! ويقول ان أهل سويسرا يتباهون بقولهم ان الله خلق العالم، والانسان السويسري خلق سويسرا. وليس صحيحاً ما قاله فكتور هيجو:"سويسرا تحلب بقرتها، وتعيش في سلام".
يعجب بدوي بآثار روما، (...الحق ان المشاهد للآثار الرومانية لا يشاهد ببصره، بل بذاكرته، وهذا أشدّ ما يؤلم النفس، وهو يشاهد هذه البقايا المتهدمة).
ومن النصوص اليونانية التي ترجمها بدوي 1-الحجة الاولى من حجج (برقليس) لاثبات قدم العالم (نسخة مفقودة في اليونانية)
2-احدى عشرة رسالة (للاسكندر الافروديسي).
وفيما يخص الادب، يذكر الكثير عن السوربون وعن المتخرجين فيه والذين لا يجد جدارة لديهم (من ابناء جنسه (العرب)) الا في النادر، فرنسا هذه اطلقت لفظة امير الشعراء على شاعرها بول مور (1872-1960)، يقيم فيها عبد الرحمن بدوي، محاضرة تحت عنوان: (تأملات في الحضارة العربية)، وفي السوربون نفسه يصفها بدوي: (.. قمت بتحديد الخصائص العامة للتفكير والابداع العلمي والفلسفي والديني والادبي في الحضارة العربية، واهمها في نظري: الدورية في تصور الزمان، والتكرار في التعبير، وفي ادراك تسلسل الاحداث، والاهابة بالسلطة في الاحتجاج والتفسير، وازدراء الحاضر لصالح الماضي، والانفصال في السرد وفي تصور المكان) ولا تفوت بدوي شاردة ولا واردة، فياتيك باخبار اسماعيل الصفوي، الذي حكم ايران في (1501)، ويدرج لك شعار الكنيسة الكاثوليكية:
(لا حقيقة توجد خارج الكنيسة، ولا نجاة خارجها).
والعجيب ان سارتر، يمتلك رأيا في الفن السريالي، الذي يصفه بالفن المنحل، حيث قال (هل شاهد احد سوي العقل هذه الصور والاشكال في الطبيعة؟! ان كان هؤلاء (الفنانون) يزعمون انهم يرون الناس بهذه الاشكال الممسوخة- فاني أحيل امرهم الى وزير الداخلية ليعالجوا العلاج المناسب!!) ويعلق بدوي- وهو يقصد وضعهم في مسشتفى المجانين.
يا ترى ما موقف بدوي من سارتر الذي ترجم له الى العربية كتابة الشهير (الوجود والعدم)؟. عرف بدوي باهتمامه بمشكلة الوجود التي لا يمكن ايضاحها- كما يقول- الا ابتداءً من واقعة الموت.
واقعة الموت، فلسفة يمكن تقسيمها الى (انطولوجيا الموت) وكانت اطروحة الماجستير (مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة) خاصة لدى (هايدجر) وهناك كذلك (اخلاقية الموت) وهي فلسفة القيم والمعايير (اكسيولوجيا).
يقول: قرأت –لسارتر- كتابه الاول في علم النفس (التخييل) 1936 و(علو الأنا)، ولا صلة لكليهما"بالوجودية"!!
تأثر سارتر بعلم النفس عند (هوسرل) ويقول بدوي عن كتاب (الوجود والعدم) بانه وجود بعيد عن وجودية هايدجر، وخليط من التحليلات النفسية (..فدهشت من زعم سارتر وحوارييه ان هذا الكتاب هو اسهام في المذهب الوجودي، خصوصاً في (الانطولوجيا= علم الوجود)! ومنذ قراءتي لم اشعر نحو سارتر باي تقدير من الناحية الفلسفية، وعددته مجرد اديب، وباحث نفساني، يستند الى منهج الظاهريات، ولم اعتبره فيلسوفاً وجودياً، قد اسهم باي اسهام يذكر في تكوين المذهب الوجودي.