“كاثي” مجموعة أشعار.. لم  يعرف مترجمها لغتها الصينية

“كاثي” مجموعة أشعار.. لم يعرف مترجمها لغتها الصينية

ترجمة / عادل العامل
ربما كان الأكثر أهميةً و ثباتاً، من بين ترجمات الشاعر الاميركي أزرا باوند الكثيرة، تقول الشاعرة والكاتبة الانكليزية سارة مغوايَر، هو المجلد النحيف المنشور عام 1915 وعنوانه (كاثَي Cathay : 14 قصيدة)، كما تقول لنا الملاحظة الإيضاحية”، ومعظمها من صينية الريهاكو Rihaku [ وهو الاسم الياباني للشاعر لي بو Li Po، من سلالة تانغ ]،

من ملاحظات الراحل أيرنست فينولوسا، وتفسيرات البروفيسورين موري وأريغا.”ولم يكن باوند يعرف كلمة واحدة من اللغة الصينية. فالقصائد الصينية الواردة في (كاثَي)، كما يخبرنا هيو كينَر، وصلت”كينسوتون عن طريق طوكيو، من خلال وساطة متحمس من أصل أسباني متعلم في هارفارد”في دفاتر تحتوي على صوت الكلمات الصينية باللغة اليابانية، مع ترجماتها الحرفية، ومرّت إلى الشاعر عن طريق أرملة فينولوسا. ووفقاً لتعليقات كينر،”فإن باوند لم يتهرب أبداً من دَينه العظيم لفينولوسا، ولا أخفى سلسلة انتقالها الملتوية تلك.”ومع أنه كان يعرف اسم الشاعر لي بو فإنه ترك الشكل الياباني للاسم”ريهاكو”يستمر حين مضى الكتاب الصغير إلى المطبعة، مكتفياً بالإشارة في سجلٍ بأن الصينية قد جاءت إليه عن طريق اليابان".
فلماذا يتّسم كتاب (كاثَي Cathay) بالجاذبية كثيراً؟ أولا، هو يوجد، بحكم وضعه هذا، كمجموعة قصائد عظيمة بالانكليزية. وهذه القصائد، المنشورة في عام 1915، كما يبيّن كينَر،”من بين أشد الاستجابات متانةً تجاه الحرب العالمية الأولى. وهي تقول، كما يقول الكثير من نتاج باوند، إن كل هذا قد حدث من قبل ويحدث باستمرار”. لكن ماذا عن القصائد كترجمات؟ كم هي”مخلصة”لأصولها؟ كم هي”صينية”؟ المُقرّ به عموماً هو أن (كاثَي) مملوء بـ”الأخطاء”. ومن الصعب أن يتوقع المرء ما هو خلاف ذلك، بموجب القراءات الخاطئة التي قام بها البروفيسور الياباني المرشد لفينولوسا، الذي غالباً ما وجد باوند ملاحظاته عسيرة على التفسير. وعلى كل حال، فما يمكن أن يؤخذ باعتباره”ترجمات خاطئة”لباوند هي، كما يقول كينَر،”عمليات انحراف متَّخذة بعينين مفتوحتين... وتمثل الانحرافات الرئيسة عن المألوف قراراتٍ متعمَّدة لرجل كان يبتكر نوعاً جديداً من القصيدة الانكليزية ويختار تلميحاتٍ حيثما أمكن أن يجدها.”فكانت ولاءات باوند، كما يبدو، للشعر الانكليزي، وليس لتمثيل الشعر الصيني بصورة دقيقة.
ولقد ظلت المناقشات المتعلقة بالترجمة تحتدم منذ الرومان، و كلها تصل إلى القرار نفسه : سواء كان ذلك جعل الترجمة”محلية domesticate”أم”أجنبتها foreignise”(2). بتعبير آخر، عليك كمترجم أن تتخذ قراراً ــ قراراً أخلاقياً بقدر ما هو جمالي ــ سواء فيما يتعلق بوجوب أن تكون ترجمتك أقرب ما يمكن لقصيدة بالانكليزية، أو أنها ينبغي أن تُبدي بوضوحٍ خصائصها الأجنبية المختلفة. وكما يلخّص فريدريك شلايَرماخَر Schleiermacher ذلك في عام 1813 (في أكثر مقالةٍ تأثيراً كُتبت عن الترجمة في القرن التاسع عشر)،”إما أن يترك المترجمُ الكاتبَ لحاله قدر ما يستطيع وينقل القارئ نحو الكاتب، أو يترك القارئ لحاله قدر ما يستطيع ويحرك الكاتب نحو القارئ”. وكان باوند، كما يمكن أن يستنتج المرء حينئذٍ، منشغلاً بالتحويل إلى المحلية domestication، بـ”تحريك الكاتب نحو القارئ”. مع هذا فإن فحصاً عن قرب للقصائد في كتاب (كاثَي) يبيّن أن هذه القصائد، أجل، قصائد مدهشة تماماً بالانكليزية، لكنها أيضاً تُعلن عن وضعها الأجنبي بشكلٍ واضح جداً في الواقع.
إن إحدى أجمل القصائد بالانكليزية المكتوبة في القرن الماضي هي ترجمة باوند،”زوجة التاجر النهري River-Merchant : رسالة”. وإليكم أبياتها الافتتاحية :
رغم أن شَعري ما يزال مقصوصاً باستقامةٍ عبر جبيني
كنت ألعبُ قريباً من البوابة الأمامية، وأقتلعُ الأزهار.
فجئتَ أنت بطوّالتين من الخيزران، قائماً بدور حصان.
وسرتً حول مقعدي، لاعباً بخوخاتٍ زرق.
و استمرينا نعيش في قرية تشوكان؛
شخصين صغيرين من دون كراهيةٍ أو شك.

فحتى العنوان يشير إلى أنها، ولا بد، ترجمة، ولا يمكن أن تكون قصيدة إنكليزية، لكون”تاجر نهري river-merchant”لفظة جديدة من ابتكار باوند. وهو يُبقي اسم القرية، تشوكان، ويشير إلى النبات غير الانكليزي تماماً، الخيزران bamboo. وقد يبدو هذا ممارسة غير استثنائية الآن، لكن في عام 1915، أبان احتضار الأمبريالية، كانت نزعة المحلّية قوية جداً في الواقع. فليس فقط التفاصيل الصينية بشكل أصيل التي يُبقيها باوند في ترجمته، بل و اختياره المفردات أيضاً”أجنبي”على نحوٍ خاص : فنحن لا”نقتلع”الأزهار بالانكليزية، و إنما نقطفها pick، أو نجمعها. كما أننا لن نصف بسهولةٍ شخصاً ما”سار حول مقعدي”؛ ذلك غريب، وأخرق، و”أجنبي”تماماً. وهل يوصف الخوخ الانكليزي أبداً بأنه”أزرق”؟ وحتى الطريقة التي يلعب بها هذان الطفلان تبدو غير مألوفة. كما أن النحو في اللغة مشذَّب، و يقلبه باوند، في البيت التالي :”في الرابعة عشرة تزوجت يا سيدي منك At fourteen I married My Lord you”، وهكذا يعبّر كلاهما عن الرهبة التي تنشدُّ بها العروس الشابة إلى زوجها الجديد، ويبدوان أيضاً غريبين على الآذان الانكليزية.
وقد رأى باري أهيرن أن”التشوشات اللفظية”لدى باوند في (كاثَي) تعطي”الانطباع بأن هذه الترجمة لم تكن من انتاج أزرا باوند وإنما من انتاج متكلم صينية محلّي يُعد تمكّنه من الانكليزية أقل من فصيح". وأنا لا أوافق على ذلك. فبعد أن خضتً طريقي عبر محيطات ترجمات الشعر العربي الذي كتبه شعراء محليون يُعد تمكنهم من الانكليزية أقل من فصيح إلى حد بعيد، رأيت أن ما تشبهه هذه القصائد هو فكرتنا عما يمكن أن يكون قد بدا عليه الشاعر ريهاكو / لي بو نفسه لو أنه تكلم أقل من انكليزية فصيحة. أقول هذا لأن المفهوم الحديث التداول عن ترجمة”مؤَجنبة foreignised”يُستعمل في الغالب كعذر عن الترجمات السيئة. فحقيقة أن”زوجة التاجر النهري”ترجمة فخمة هو أمرٌ تُثبته سيطرة باوند المتمكنة على موسيقى الأبيات و إيقاعها الملطَّف بشكلٍ جميل؛ فكل كلمة مفردة تبدو موضوعة في مكانها تماماً؛ لا شيء يرتج هناك؛ و غرابة القصيدة مقنعة، و ليست مُنفرة على نحوٍ مثير و كأنها مترجمة ترجمةً بائسة. وأرى أننا، بقراءتنا القصيدة، نشعر بأن لفظة”نقتلع pulling”تكييف دقيق للتعبير المستعمل في اللغة الصينية، وبأن من المألوف أن تشير فتاة صينية إلى شبابها بجعل”شعرها مقصوصاً باستقامة عبر جبينها”، وبأن هذا هو المرادف الدقيق للكيفية التي سيوصف بها ذلك.
وفي عام 1928، زعم ت. س. أليوت أن”الشعر الصيني، كما نعرفه اليوم، شيء ما اخترعه أزرا باوند”. فكيف يمكن أن يكون باستطاعة شاعر أميركي لم يكن يعرف شيئاً من الصينية أن يخترع شعراً”صينياً”؟ وقد أكد جورج ستاينر بأن”باوند يستطيع أن يقلّد و يُقنع بأقصى تدبير، لا لأنه أو قارئه يعرف الكثير جداً، وإنما لأنهما معاً يتفقان في معرفة القليل جداً.”بكلمات أخرى، إن”صين”باوند تلفيق مستشرق، اختراع غريب لحسه قرّاءٌ أغوتهم زخرفة صينية بطيئة. وعلى كل حال، فإن عدداً من الدارسين الصينيين قد اتفقوا على أن”ترجمات باوند تقترب كما تبدو من الخصائص الحقيقية للشعر الصيني”؛ وأن هذا حاصلٌ لأنه”كان يدرك أهمية البعيد وغير المألوف ثقافياً.”ويتضح، في الحقيقة، أن باوند لم يكن”يعرف القليل جداً”بعد كل شيء. و مع أنه بدأ بنشاط حقاً، عام 1915، في الارتباط بالأدب الصيني، فإن ذلك قد أشّر لبداية التزام عميق مدى الحياة كانت له سوابق فاتنة في طفولته في فيلادلفيا. فقد كانت لوالديه كليهما صلات مع المبشرين المسيحيين في الصين؛ وكانا يمتلكان مواد و أعمالاً فنية صينية؛ ومن المدن الأميركية جميعاً، كانت فيلادلفيا في ذلك الوقت”في مركز استجابة أميركا للشرق”. وكان باوند، في الوقت الذي وقعت فيه دفاتر فينولوسا في يديه، متعمقاً في الفن الصيني ومتلهفاً لمعرفة العالم المختلف الذي يمثله. وما يوضحه منغ زي ومعلقون صينيون آخرون أن باوند، حتى في وقت (كاثَي)، كان يفهم”الإطار النموذجي لثقافة كلّية”.
باختصار، إن ما يجعل (كاثَي) أهم ترجمة إلى الانكليزية في المئة سنة الماضية، هو أن باوند يجعل هذه القصائد”محلية”و في الوقت نفسه”يؤَجنبها foreignise”بشكل ناجح. وبتعبير شلايَرماخَر، يأخذ الكاتب إلى القارئ ويأخذ القارئ إلى الكاتب معاً. يضاف إلى هذا، أن خاصيات المباشرة، والبساطة، والحيوية في (كاثَي)، وموسيقى الأبيات المتوارية الرقيقة، قد صار لها تأثير عميق بشكل استثنائي على الطرق التي يمكن بها كتابة قصائد باللغة الانكليزية. وإدراك باوند”أهمية البعيد و غير المألوف ثقافياً”هو الذي جعل هذه الثورة في الشعر الانكليزي أمراً ممكناً.

عن / The Poetry Review Essay

إشارات المترجم :
(1) سارة مغايَر Sarah Maguire كاتبة وشاعرة إنكليزية لها عدة مجموعات شعرية، وهي تعرّف بنفسها أكثر خلال مقالتها هذه.
(2) يؤجنبها : أي يجعلها تبدو أجنبية.