أنا فيلليني  الأحلام.. المرأة الأسطورة هي الحقيقة الوحيدة

أنا فيلليني الأحلام.. المرأة الأسطورة هي الحقيقة الوحيدة

ناجح المعموري
لم تكن الأحلام هي حقائق حياة فيلليني وحده، بل هي فضاء الشخصيات التي انشغل بها فنياً، ومثال ذلك في”جوليت والأشباح”المعمول من اجل جوليتا التي صارت حلمه الذي استمر طويلاً، حتى بعد وفاته. جعل منها أنموذجه الذي أراده لتوصيف المرأة الايطالية التي لم تستطع التعايش مع ما كانت تتوقع أو تنتظر، بمعنى فشلت بعلاقتها الزوجية.

 لكن فيلليني رسم لها صورة ملائكية، لكنها خسرت الكثير وهذا ما توقعته جوليتا التي تزوجها. انسحبت”جوليت”فاشلة ومنحها فضاء يستوعب الانكسارات التي عرفتها في مؤسسة الزواج، أعطاها”الذكرى والأسطورة”ويلاحظ عودة الفنان للحلم مرة جديدة، لأنه لا يكف عنه أبداً، لكنه هذه المرة من خلال الأسطورة والذكرى. لا فرق بين الحلم والأسطورة في التحليل النفسي كلاهما يرشحان عن الرموز والاستعارات، ولابد من ذكاء في التعامل مع الأسطورة والحلم، لترجمة المشاهد فيها والتقرب من رموزهما.
ولأن الذكريات تتحكم بنا، وتعيش فينا ـ كما قال ـ فهي التعويض غير المباشر لخسارات الكائن في حياته. والعلاقة ـ أيضاً ـ كائنة بين الحلم / الأسطورة / الذكرى.
المرأة حلمه وأسطورته”أنني ارفعهن الى مستوى الإلهات اللواتي ينحدرن منها. أنهن يهبطن عن قواعد تماثيلهن. أنني اجل النساء”فعلاً، يضفي على المرأة ضرباً من القداسة. وهي أكثر تعطيلاً من الرجال بما لا يقاس، تماماً مثلما هو الجنس أكثر تعقيداً بالنسبة إليهن”أنا اظهر دائماً مدى بساطة الرجال، ولكن تشخيصي لهم لا يشعرهم بالهوان. أما النساء فهن أكثر حساسية. وأنا يمكنني كمخرج وكاتب أن أتعلم من جوليتا، حتى بعد خمسين سنة من زواجنا. كرجل مع امرأة، اشعر أحياناً كأنني عجينة في يديها. وفي منزلنا تستطيع جوليتا أن توجهني في سهولة، أنها غامضة ومفاجئة، مثلما كانت يوم التقينا... من يحب النساء يظل شاباً، ومن يظل شاباً يحب النساء. الحب يبقيك شاباً. قال كنج فيدور: انه يجسد المخرج”جورج كوكور”على لوطيته التي لا تسمح لبطلات أفلامه أن يجتحنه بالفتنة الجنسية. فهو يستطيع أن يبقى بارداً ومسيطراً على نفسه".
زوجته”جوليتا”هي حلمه اليومي.... والنساء الجميلات جزء من ذاكرته التي تعيش معه كما قال”والمثير في رأيه عن النساء، الدقة والمهارة في التعبير، ليقدم توصيفاً تبليغاً عن المرأة كنوع ويحدد مكانتها الفريدة جنسانياً. ليتحدث وكأنه ينتقي مفرداته، وهي ليست كذلك، لأن سيرته حوار متقطع مع ش شاندلر، دائماً ما يحصل في السيارة، أو المطعم، أو المقهى حديثه مركز، كاشف عن مهارته في تحديد ورسم ما يريد قوله سريعاً. ولأن المرأة حلمه المستمر، فإنه يراها مثلما يحلم بها ويرسمها بصدر أنثوي ضخم، ويعبث بموخراتهن عنهما ويضع حولهن عصافير وحمير”معظم النساء اللواتي ارسمهن في كراسة الرسم الأولى يظهرن كأن ثيابهن تتمزق عنهن، أن كن يرتدين أي ثياب.... تلك الرسوم تعطي كل شيء، ولاسيما الجنس. تستيقظ ذاكرته عندما يعمل ويرى صور أحلامه، لذا يشعر بأن سعادته غامرة جداً، لأنه يرى ويعيش الأحلام عند العمل أكثر مما لو كان في إجازة”عملي حياتي... بل هو سعادتي. والإجازة عقاب... أن الإبداع الفني هو نشاط الإنسانية الحالم... أن خيال الإنسان أقدس من واقعه، وبرهان ذلك، هو انك أن ضحكت على واقع احدهم سامحك، إلا انه لن يسامحك أبــــــــــــــــــــدا إذا ضحكت على ما يتخيل".

بعد انتهاء القسم الثالث / الأخير، تضمنت سيرته”تعقيباً”سجلت فيه شاندلر تصوراتها وما تكون لديها وبعض فما سمعته ولم تزرعه في احد الفصول وفصلته بعضاً من سردية مثيرة جداً، فاضت بالشعرية والتفاصيل التي أضاءت حيويات فيلليني التي أثار لها، وظل الكثير منها عالقاً في شجرته الساحرة. تعقيب ش. شاندلر، حيوي، مثير، والمدهش فيه، أنها استطاعت أن توصف الحلم الفلليني بالية جديدة، مغايرة تماماً. لكن الحلم ظل هو الحلم، والاختلاف في الفضاء المساهم بتكوينه.
“أنا لست سميناً في أحلامي أبداً، ضائع، ضحية شهوتي الجنسية، ولكني سأموت سعيداً”... والنساء يتنازعن عليّ ولكن في الأحلام. الذاكرة تمنح سرديات جميلة جداً واستعادت جوليتا في الفترة الأخيرة من حياة فيلليني، بعضاً من أحلام لحظة التعارف السريع والتشابك بينهما”كان حبي الأول والوحيد، ولا يزال”كان قلقاً، لأن علاقته مع جسده تغيرت وهذا ما أثار في نفسه الخوف والفزع : أنا لا أترقب النوم الآن، لأني لم اعد تلك الأحلام الرائعة، التي يبعث فيها خيالي، وإذا رأيتها فأني لا أتذكرها”و”لا استطيع أن أتخيل الحياة من غير جيوليتا”كان يخاف التعطل بسبب مرضه”يؤثر الموت في العيش ذليلاً نصف مشلول".