قراءة في صورة من

قراءة في صورة من

عادل العامل
لم تكن صورة استثنائية من ناحية الشكل بالتأكيد. فهناك آلاف الصور التي تجمع السيدة أم كلثوم بالجمهور، ضباطاً، ومدنيين من مختلف فئات الشعب، خلال مسيرتها الفنية. لكن الذي شدّني إلى الصورة، وهو الاستثنائي الذي فيها، كونها مشبعةً بالجماليات العفوية، إن صحّ التعبير، وما توحي به معالمها من معانٍ وإشارات ذات مدلولات بعيدة المدى.

فالصورة ملتقطة في أوائل الخمسينات أيام العهد الملكي في مصر، أو بتعبير أصح في أواخره، أي قبل انقلاب 23 تموز 1952 بعام تقريباً، وبالتحديد يوم 11 شباط 1951 عيد ميلاد الملك فاروق، ونجد كوكب الشرق وسط ثلّة من الضباط في النادي العسكري في إطار إحيائها حفلةً من حفلاتها الغنائية، كما يبدو. وقد انطلق الجميع في ضحكٍ من أعماق القلب، إن صح التعبير مرةً أخرى، لنكتةٍ أطلقتها أم كلثوم المعروفة بـ”قفشاتها”أو تعليقاتها المازحة. وكان الحضور بالطبع مهيَّئين نفسياً للضحك المنطلق من القلب بفعل حبهم للفنانة الكبيرة وجو الزمالة الودية الذي يجمعهم، والارتياح النفسي الذي يعيشونه عموماً آنذاك، أي قبل أن تتكدر النفوس ويتصدع الصف بفعل الصراعات والتطلعات النفعية والتآمرات التي أعقبت الانقلاب. فكانوا هنا أخوة عسكريين خالي البال، في الأقل، من الحقد، والكيد، والتطلع إلى الزعامات وما هو أكثر من استحقاقاتهم المادية والمعنوية المشروعة.. ومَن عاشر هذه الفئة من الناس يوماً ما وسط حياتهم العسكرية اليومية في الظروف العادية يتفهم ما أعني على وجه الدقة.
وهكذا تجد الود الطبيعي الذي يبدو على الجميع في الصورة قد تجاوز التحفظات المراتبية العسكرية فيما بين الضباط وبينهم وبين أم كلثوم، التي لم تجد حرجاً في الإمساك أو الشد على ذراع أحدهم بفعل الانطلاقة المرحة الغامرة التي أعقبت النكتة. وهي ربما لم تكن تعرف هذا أو غيره من الحاضرين من قبل، إلا أن روح الانشراح والتآلف العام التي سادت الجو تجاوزت التحفظات والتحرجات الشخصية وجعلت الجميع ينسون كل شيء عدا ما هم فيه، في تلك اللحظة النادرة المفعمة بالغبطة، والتعاطف الإنساني. وهي لحظة لن تتكرر بعد عام من ذلك، وما تلته من أعوام، حين عصف الانقلاب بذلك الجو العفوي اللطيف، حتى وإن كان الحضور أنفسهم، وكان المكان ذاته، وأم كلثوم نفسها في واحدة أخرى من مزحاتها الضاحكة!