كيف عرف العراق مشاريع الاعمار الكبرى؟ نهضة عمرانية قبل تأسيس مجلس الاعمار

كيف عرف العراق مشاريع الاعمار الكبرى؟ نهضة عمرانية قبل تأسيس مجلس الاعمار

اعداد : رفعة عبد الرزاق محمد
بعد انقضاء العهد العثماني ودخول القوات البريطانية العراق في الحرب العالمية الاولى، ومن ثم تاسيس الدولة العراقية الجديدة عام 1921، لم يعرف العراق مهندسين عراقيين ممارسين بالعرف الهندسي الصحيح. وكل ما نعرفه من الابنية التي شيدت في العهد العثماني وبقيت فيما بعد، انها شيدت او عمرت في عهد هذا الوالي او ذاك، او بأمر منه، او من الاعمال الخيرية لاشخاص معروفين.

ولعل من اهم تلك المعالم، بناية القشلة المشيدة في عهد الوالي الشهير مدحت باشا، وتشتهر بساعتها السامقة التي شيدت سنة 1854. وابنية المحاكم المدنية التي اسست كمدرسة رشدية عسكرية.وابنية الجوامع المعروفة ببغداد، مثل جامع الحيدرخانة الذي شيد من قبل الوالي داود باشا سنة 1824، او جوامع المرادية والاحمدية والاصفية والسراي والوزير وسواها. وابنية تعود الى عهود اقدم كجامع وخان مرجان والمدرسة المستنصرية وبعض المساجد. مع الاشارة الى ان معلمين دينيين هما مرقد الكاظمين ومرقد الشيخ الكيلاني، هما من ابنية السلطان سليمان القانوني، ومن آثار مهندسه المعماري الكبير سنان.
لم يكن في نسيج بغداد الحضري قبل الاحتلال البريطاني عام 1917 اي شارع رئيس بمفهوم شوارع المدن يومئذ، سوى شارع النهر، وهو اشبه بزقاق عريض مواز لنهر دجلة، على خلاف ما معروف عن اغلب ازقة بغداد، من انها عمودية على النهر، وتنتهي عنده بمرسى صغير يدعى (الشريعة). ويذكر بعض المؤرخين ان شارع النهر من شوارع دار الخلافة العباسية المطلة على دجلة، وتمتد من شارع البنوك الحالي الى محلة المربعة جنوبا. اما شارع الرشيد الذي بوشر بشقه سنة 1915، وافتتح في عهد الوالي خليل باشا في تموز 1916، فاعتقد انه فتح لاغراض عسكرية، وان المساعدين العسكريين للوالي هم الذين وضعوا تخطيطه.
وبعد ان استقر الموقف العسكري لصالح بريطانيا بعد احتلال بغداد، شرعت السلطات المحتلة بوضع الخطط لتوسيع مدينة بغداد باتجاه الكاظمية والاعظمية والكرادة الشرقية. ففي اتجاه الاعظمية، تم تثبيت محور الطريق الذي يربط باب سور بغداد المعروف بالباب المعظم مع قصبة الاعظمية.وكانت التخطيطات التي وضعها ونفذها المهندس العسكري الانكليزي (ميسن)مدير الاشغال العامة فيما بعد، تتمحور حول الساحة التي اطلق عليها بعد سنوات اسم ساحة (عنتر)، حيث يمتد شارع من الساحة المذكورة الى نهر دجلة وهو شارع عمر بن عبد العزيز الحالي. والشارع الذي يمتد من الساحة الى جامع الامام الاعظم، ويتفرع منه الشارع المؤدي الى المقبرة الملكية، وتقع عليه مباني جامعة ال البيت، التي شيد منها بناية واحدة، هي من تصميم المهندس (ميسن) نفسه.
اما القسم الجنوبي من مدينة بغداد، فقد قامت السلطات المحتلة مع المهندس (ميسن) بوضع محور الطرق التي اطلق عليها فيما بعد اسماء السعدون والنضال. المخطط الرئيس لشارع السعدون الذي يربط الباب الشرقي مع ناحية الكرادة، ويستمر الشارع بمحاوره الرئيسة، المؤدية غربا الى منطقة الزوية حيث شيدت عليها ابنية جامعة بغداد فيما بعد، او جنوبا باتجاه معسكر الهنيدي للقوات البريطانية حتى خمسينات القرن الماضي، ثم انتقل الى الجيش العراقي وسمي معسكر الرشيد. اما محور شارع النضال، فقد تم تخطيط محلة السعدون وبارك السعدون في عهد امين العاصمة ارشد العمري، كما تم في سنة 1924 وضع التخطيط لنادي العلوية، وهو نادٍ خاص بالبريطانيين، والضباط منهم على وجه الخصوص يومئذ على غرار Jamkaha club)) في الهند. وعلى شرق هذا المحور لهذا الطريق والمقابل لنادي العلوية وعلى المنطقة التي يقع عليها حاليا عدد من المستشفيات والدوائر، وعلى مساحة عشر دونمات تقريبا، شُيد حيٌ سكني لكبار الضباط البريطانيين، وضعت تصاميمه من قبل المهندسين العسكريين الانكليز، على غرار ما نفذ في الهند على ما اعتقد. شيدت دور هذا المجمع السكني بالطابوق الطيني غير المفخور (اللبن) بسمك خمسين سنتمترا، ومملوج بالجص من الجهتين. يحيط بهذه الدور التي شيدت بمنطقة مشجرة بشكل كثيف،طارمات مسقفة لحمايتها من الشمس ولتوفير العزل الحراري المناسب لجو العراق الحار في الصيف.
وفي اوائل الحكم الوطني، تم تشييد عدد من الابنية المهمة مثل مستشفى الرشيد العسكري والادارة العامة لمصلحة الموانئ العراقية في البصرة وغيرها. ويتضح من طرازها المعماري انها صممت ونفذت من قبل المهندس البريطاني القدير (ميسن) كذلك الذي كان مسؤولاً عن قطاع المباني في حينه.
احاول هنا ان اقدم صورة تقريبية للمشهد الهندسي المعماري في العراق منذ انتهاء العهد العثماني عام 1917، حتى انبثاق مجلس الاعمار، واجد ان تقديم هذه الصورة مفيد، لتفهم التطور الجسيم الذي نشأ مع تنفيذ مشاريع المجلس والتحديات المختلفة التي واجهته، وما ادى الى النجاح الكبير لاعمال المجلس المذكور.
لنعد الى الحديث عن الفترة السابقة لتاليف مجلس الاعمار، ونذكر الاعمال الرئيسة التي صممت وبوشر بتنفيذها من قبل ما كان يعرف بـ (PWD) اي دائرة الاشغال العامة، ونفذت في السنين الاولى للحكم الوطني، ومنها طريق (اربيل ــ راوندوز ــ رايات). وهو طريق حيوي مهم، استخدم اولا للاغراض العسكرية لربط شمال العراق بشمال ايران، لتسهيل الوصول الى منطقة القفقاس على بحر قزوين. بوشر بالعمل على هذا الطريق سنة 1927، وانتهى العمل بعد خمس سنوات. وقد اشرف على تنفيذهذا الطريق الذي يبلغ طوله نحو 224 كم، عدد من المهندسين البريطانيين. ومنهم من كتب عنه المهندس البريطاني (اي. ام. هاملتون) في كتابه الموسوم (طريق خلال كردستان Road through Kurdistan)، وقد ساعده مهندس عراقي هو السيد احمد شوقي الحسيني. ويخترق هذا الطريق الممتد من اربيل الى راوندوز والى ضاحية رايات، مناطق جبلية وعرة، ذات طبيعة طبوغرافية صعبة، في تلك الفترة المبكرة لتنفيذ طريق جبلي، يخترق مضيق طوله زهاء كيلومترين هو كلي علي بيك، وقد حفر الطريق بجانب الجبل في منطقة صخرية على شكل نصف نفق.
كتب هاملتون في يومياته تفاصيل تنفيذ هذا العمل الهندسي الكبير والاسلوب الذي استخدمه، مع مشاهداته اليومية والاحداث التي مر بها. كما وصف المناطق التي يمر بها الطريق وطبيعتها وجماليتها، واهم معالمها، واحوال سكانها وعاداتهم وطبائعهم، وانواع الكائنات الحية من نباتات وحيوانات الموجودة في تلك المناطق. ان كتاب هاملتون وثيقة انثربولوجية وهندسية فائقة الاهمية.
لابد لمن يعرض المشاريع الهندسية الكبيرة في العراق،ان يتحدث عن مشاريع الري الكبرى، التي لعبت دورا واضحا في تطور البلد، فقد كانت المشكلة المائية من حدوث لفيضانات مدمرة او انحسار المياه عن مناطق زراعية كبيرة، من اخطر التحديات التي واجهت ادارة الدولة العراقية منذ تأسيسها. وقد استعانت الدولة العثمانية في اوائل القرن العشرين بخبير بريطاني شهير، هو المهندس وليم ويلكوكس، لدراسة الموضوع وتقديم الحلول الحقيقية له. لقد درس ويلكوكس بعد جولات ميدانية في انحاء العراق، المشكلة من جميع جوانبها وابعادها، ووجد ان الحلول الناجعة متعددة المحاور، الا ان اهمها تكمن في استغلال منخفضي الثرثار والحبانية للسيطرة على زيادة مناسيب المياه في موسم الفيضان، واقامة سد على نهر الفرات في منطقة الهندية لاحياء نهر الحلة، وآخر على نهر دجلة في منطقة الكوت لاحياء نهر الغراف، لإنقاذ الاراضي الزراعية من الجفاف والاندثار. ومن حسن حظ العراق ان السلطات في العهدين العثماني والعهد الوطني، اخذت مقترحات ويلكوكس مأخذ الجد، وشرعت بتنفيذها بجدية فائقة.
افتتحت سدة الهندية القديمة في 12 كانون الاول 1914، وقد وضع ويلكوكس فكرة تصميمها واشرف على عملية التنفيذ، وكانت من الاعمال الاصلاحية القليلة التي قامت بها الدولة العثمانية قبل افول عهدها في العراق في الحرب العالمية الاولى.
اما سدة الكوت فقد كانت المباشرة بتنفيذها في كانون اول 1926 من قبل شركة بلفور بيتي وتم افتتاحها في شباط 1939 من قبل الملك غازي قبل ايام قليلة من مصرعه بحادث سيارة، فقد قامت شركة بلفور بيتي الانكليزية بتصميمها وتنفيذها. وكلا السدتين شيدتا بالكونكريت المسلح الذي بدأ استعماله بنطاق واسع في العراق منذ اوائل الثلاثينيات في القرن الماضي.ان شركة بلفور بيتي هي ايضا قد نفذت مشروع انشاء الناظم والقناة الواصلة بين نهر الفرات وبحيرة الحبانية لخزن المياه الفائضة في هذا المنخفض.
اما مشروع ناظم سامراءالذي يحول مياه دجلة الفائضة الى منخفض الثرثار الذي تبلغ طاقة الخزن فيه نحو60 مليار متر مكعب، فقد باشرت شركة زبلن الالمانية بأعمال هذا المشروع المهم في شباط 1953 وانجزت الاعمال في مايس 1956 حيث تم تحويل جزء من مياه دجلة الى منخفض الثرثار لتتخلص بغداد من مخاطر الفياضانات.
عهد بتصاميم مشروع الثرثار الى المستشارين السادة كود وشركاه. تضمن قسمين، الاول حفر قناة تصل دجلة بمنخفض الثرثار طولها 62 كم، نفذته شركة بلفور بيتي بمبلغ 5.6 مليون دينار. والثاني اقامة سد من الكونكريت على دجلة مقابل سامراء، وناظم على قناة الثرثار وآخر على نهر الاسحاقي. نفذته شركة زبلن الالمانية بمبلغ 10 ملايين دينار. ومشروع الحبانية (افتتحه الملك فيصل الثاني يوم 5 نيسان 1956).
لقد توسعت مدينة بغداد توسعا كبيرا في جانبيها الغربي (الكرخ) والشرقي (الرصافة)، بعد قيام الحكم الوطني، وكان لابد من انشاء جسور حديثة تربط الجانبين، لتكون بديلة للجسرين القديمين القائمين على جنائب عائمة على النهر، الاول يعود الى العهد العثماني(الجسر العتيق)، والثاني (جسر مود) شيدته القوات البريطانية اثناء فترة الاحتلال. وفي منتصف الثلاثينات اتفقت الحكومة العراقية مع شركة هولواي اخوان الانكليزية على انشاء جسرين حديثين في موقعي الجسرين القديمين. افتتح الجسر الاول في تموز 1939، وهو جسر الشهداء الحالي، والثاني افتتح في العام التالي،وهوجسرالاحرارالحالي.
وكانت مشاريع السكك الحديد من انشاء ومد وتشغيل وتنظيم وادارة هيئة بريطانية، منذ تاسيسها في عهد الاحتلال، حتى خمسينات القرن المنصرم. كان خط الموصل بغداد جزءا من مشروع خط برلين بغداد البصرة الذي بدأ العمل به في السنين الاخيرة من العهد العثماني لربط اوربا بالدولة العثمانية وتوقف العمل فيه عند سامراء.
وبعد تكوين الدولة العراقية بوشر بانشاء خط بغداد البصرة. كما كانت الموانيء العراقية تدار بشكل كامل من قبل هيئة بريطانية وبمجلس ادارة تمثل فيه ايران كدولة متشاطئه على النهر، وهي التي تدير اعمال الملاحة في شط العرب من الخليج حتى ميناء البصرة، اضافة الى اعمال النقل للبضائع المستوردة او المصدرة في هذا الميناء، وكان هناك موظف عراقي يمثل الحكومة العراقية في هذه الهيئة المهمة، وآخر ايراني. وارى ان هذه الهيئة شكلت للسيطرة على اعمال الملاحة والتجارة،ولتكون احد الحلول لمشكلة الحدود العراقية الايرانية في منطقة شط العرب.
عرف العراقيون اول مدرسة لتعليم مبادئ الهندسة بعد الاحتلال البريطاني للعراق، اذ دفعت الحاجة الى موظفين لدوائر الري والمساحة الى فتح هذه المدرسة سنة 1918. ويبدو ان هذه المدرسة استمرت الى ما بعد تاسيس الحكم الوطني، فارتبطت بوزارة الاشغال والمواصلات اولا ثم بوزارة المعارف عام 1926. غير ان المدرسة لم تحقق الهدف المنشود منها، وهو تخريج مهندسين عراقيين اكفاء. لذلك تألفت لجنة من المستر سميث مفتش المعارف العام والاستاذ ساطع الحصري مدير المعارف العام والمستر كرفث مدير المدرسة، لدراسة سبل تطويرها والارتقاء بها. ووجدت اللجنة ان دوائر السكك والاشغال والري والمساحة وغيرها بحاجة كبيرة الى خريجين، وقضية ارسالهم الى الخارج للدراسة صعبة، حيث يمكنهم ان يحصلوا على ما يريدون من الدروس في مدرسة الهندسة العراقية. ولأجل تدريب المهندسين ومساعديهم، يقتضي تقسيم مدرسة الهندسة الى فرعين اولهما عالي يقبل فيه خريجو الدراسة الثانوية. اعلن مجلس الوزراء في عام 1927 انه يرغب في ان تكون مدرسة الهندسة من المعاهد العالية، وتتمكن من تهيئة مهندسين عراقيين لمختلف الدوائر. وبالرغم من الصعوبات التي واجهتها مدرسة الهندسة، فانها استطاعت خلال ثلاث سنوات اعداد نحو ستين موظفا فنيا في مجالي الهندسة والمساحة، كما يذكر الكتاب السنوي لكلية الهندسة لسنة 1946. غير ان الازمة الاقتصادية العالمية سنة 1930، عصفت بتلك المدرسة، اذ تقرر اغلاقها مع مدرسة الزراعة، بحجة الاقتصاد في النفقات. الا ان متطلبات التطور والحاجه الى المهندسين، اقر مجلس الوزراء تكوين كلية الهندسة سنة 1945 واقر توفير الكادر التعليمي وباشرت الدورة الاولى سنة 1945.