الحياة الاجتماعية في الجيل الماضي..جمعيات ونواد مختلفة

الحياة الاجتماعية في الجيل الماضي..جمعيات ونواد مختلفة

اياد يونس عريبي
عرف قانونتأليف الجمعيات لعام 1922 الجمعية في مادته الثالثة”هي الهيئة المؤلفة من عدة اشخاص موحدين معلوماتهم او مساعيهم بغير قصد الربح وهي تشمل النوادي أيضا”, واستنادا لذلك اصبح لزاما علينا التطرق للنوادي لان القانون اعلاه عدها من الجمعيات, كما واسهمت النوادي بأنشطة ثقافية واجتماعية لا يمكن اغفالها.

 ادت النوادي الاجتماعية في بغداد دورا مهما في حياة بغداد الثقافية , واسهمت في دفع عجلة الثقافة الى الأمام اثناء مدة الدراسة عن طريق احتضانها , لمختلف النشاطات الثقافية.و للتعرف على بعض هذه النوادي وتسليط الضوء على تاريخها ونشاطاتها، اقدم مايلي :

- جمعية الثقافة العربية:
بادرت عدد من الشخصيات العراقية في مطلع نيسان عام 1931 وهم كل من (متي عقراوي وسامي شوكت مدير صحة العاصمة , ويوسف زينل من كلية الامام الاعظم وداود جلبي مدير الامور الطبية في الجيش العراقي , ومحمد درويش المقدادي مدرس التاريخ في دار المعلمين العالية) فضلا عن ذلك قام هؤلاء الاعضاء المؤسسون للجمعية بإصدار مجلة تنطق بلسان الجمعية اسمها”الثقافة العربية”.
وافقت وزارة الداخلية على تأسيس جمعية الثقافة العربية بكتابها المرقم (6135) في 24 ايار1931 , وذلك بموجب (المادة السابعة) من قانون تأليف الجمعيات لعام 1922   وبعد الحصول على الموافقات الاصولية  اجرى اعضاء الجمعية انتخابات للهيئة الادارية في 10 كانون الثاني 1932 كانت نتيجتها انتخاب داود الجلبي رئيسا ومحمد درويش المقدادي نائب الرئيس ومتي عقراوي سكرتيرا وابراهيم الشابندر امين الصندوق, وعدد من الاعضاء.
     اشار نظام الجمعية الاساسي في (مادته الاولى) الى انها جمعية علمية ادبية , اما مادته الثانية فأنها اوردت عدة امور تسعى الجمعية لتحقيقها :
1- ترقية الثقافة العربية وفقا لمقتضيات العصر الحاضر.
2- تقوية الروابط الاخوية وتوثيق الصلات الفكرية بين البلاد العربية.
3- الاتصال بالجمعيات المماثلة في البلدان العربية.
فيما اشارت المواد الاخرى الى ان الجمعية لا تتعرض للأمور السياسية والدينية والطائفية , والقيام بأبحاث علمية وادبية واجتماعية ونشر الكتب وعقد المؤتمرات, وفي اوقات لاحقة قرر اعضاء جمعية الثقافة العربية بأكثرية الاصوات حل الجمعية بتاريخ 18 ايلول 1935, وتحويل ماليتها الى نادي المثنى وذلك لاتفاق غاياتها الثقافية مع هذا النادي.

- جمعية خريجي الجامعة الامريكية :

سعى المتخرجون العراقيون من الجامعة الامريكية ببيروت بعد عودتهم الى العراق وعلى رأسهم متي عقراوي ومحمد فاضل الجمالي وحسن جواد ويوسف زينل وداود قصير وابراهيم الدباس وموسى ابراهيم الشابندر الى تأسيس جمعية خريجي الجامعة الامريكية عام (1934-1935) تضم وتوحد نشاطهم الساعي الى النهوض بالمجتمع العراقي , واقامت الجمعية عدة حفلات خطابية وتكريمية للمتخرجين الجدد, وقد القى في احد هذه الحفلات كل من محمد حديد وعلي حيدر سليمان محاضرتين عن”الجمعيات التعاونية”من الوجهة العملية التطبيقية ومن الوجهة التاريخية الامر الذي يؤكد على تركيز الجمعية على اصلاح الاوضاع الاقتصادية المتردية بعد الازمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم. التف هؤلاء الخريجون حول سامي شوكت الذي كان مديراً عاماً للمعارف, حاولوا تغليب اتجاههم على اتجاه من سبقهم وعلى راسهم ساطع الحصري الذي كان من رواد القومية في العراق.

- نادي بغداد :
اجيز هذا النادي في 25 تشرين الثاني 1933 , بعد ان قدم مجموعة من الشباب طلباً الى وزارة الداخلية , وفي اول اجتماع لأكثرية اعضاء النادي , تم في صباح يوم 9 اذار 1934 , انتخب لهيئته الادارية عبد الفتاح ابراهيم معتمداً للنادي , ويوسف الكيلاني سكرتيرا وعوني الخالدي محاسبا.
انظم للنادي سيل من الشباب المتعطش للثقافة,ولهؤلاء الشباب نزعات متباينة لم تجمعهم قاعة النادي , الا لانعدام وسائل التسلية في بغداد , ولاسيما بعد بث الرقابة الاخلاقية على دور الملاهي والمحال العامة , فانزوى اعضاء النادي في ناديهم المجهز بشتى انواع الملاهي وضروب التسلية , وكانوا متفقين جميعاً على هذه النواحي المبهجة,وقد زاول النادي انشطة اجتماعية وثقافية مثل عقد اللقاءات والندوات والقاء بعض المحاضرات المختلفة , واعلن عن حاجته الى مدرسين للغات الاجنبية كالفرنسية والتركية,وكان طابع النادي طابع الشباب المثقف الذي له صلة بجماعة الاهالي, ولكن النادي لم يحقق أغراضه لان الحكومة أوعزت الى اعوانها , فأثاروا المشاكل في النادي , فاتخذت ذلك ذريعة لإغلاقه.

- نادي القلم:
ترجع فكرة تأسيس هذا النادي الى عام 1933, اذ اجتمع عدد من المثقفين في دار الدكتور محمد فاضل الجمالي , وتذاكروا في انشائه , كفرع لنادي القلم العالمي المسمى P.E.N.CLUB)) وقد اختير لرئاسته الشاعر جميل صدقي الزهاوي والدكتور محمد فاضل الجمالي نائبا له, وقد اجيز هذا النادي من وزارة الداخلية في 14 تشرين الاول 1934اما غايته فكان يدعو الى تعارف المؤلفين وحملة الاقلام في العراق وبقية البلاد العربية , والعالم ومساعدة الباحثين وتقديم العون لهم , اما شروط القبول فيه فيقبل كل من له شخصية ادبية او علمية , وذلك بأن يقدم طلباً الى رئيس النادي على ان يزكيه اثنان من الاعضاء ويجري قبوله بعد تصويت مجلس النادي , اما مالية النادي فتتحصل من رسوم الاشتراكات الشهرية والتبرعات والاعانات كما اشار النظام الاساسي للنادي بانه لا دخل له بالسياسة.
    لما لم يكن للنادي مقراً دائما له , كانت اجتماعاته تعقد في دار احد اعضائه , حيث كانت تلقى المحاضرات من قبل احد اعضائه , او احد المدعوين من الشخصيات العربية او الاجنبية ساهم يوسف غنيمة في نشاط النادي سواء بحضوره اجتماعات النادي او باستضافة اعضاء النادي او بألقاء محاضرة.
     يعد تأسيس”نادي القلم”العراقي حدثا ثقافيا بارزا في النصف الاول من القرن العشرينلأنه أول منظمة ثقافية تمثل الادب الذي ظهرت مؤسساته فيما بعد باسم (اتحاد الكتاب او الادباء) وهو اقدم نادي قلم في منطقة الشرق الاوسط, وقد انشأ النادي صلات مع نوادي القلم الاخرى في العالم اذ ارسل النادي مجيد خدوري لحضور مؤتمر القلم العالمي في الارجنتين عام 1937 , كما حضر السيد عطا امين اجتماع نادي القلم في لندن بدعوة من المستر ه.ج ويلز (Mr. HG Wells) الكاتب الذائع الصيت.
    وقد اصدر النادي مجموعة نفيسة ضمنها المحاضرات التي القيت في اجتماعاته الدورية  وتقع هذه المجموعة في اكثر من ثلاثمائة صفحة , كما تنوعت موضوعاتها على سبيل المثال كتبت عن المجريطي امام فلاسفة الاندلس في الرياضيات والطبيعيات , كما تناولت المجموعة بحث بعنوان قصة فتح بغداد , وفي هذه المجموعة خلاصة وافية لأعمال المؤتمر الرابع عشر لأندية القلم , وقد عقد في بوينس ايرسبالأرجنتين (5-15 ايلول 1936).
    انضم عدد كبير من النخبة العراقية الى هذا النادي , وممن انضم اليه هو انتخاب مير بصري عضواً فيه عام 1942 , وقد القى في احدى الجلسات ملحمته الشعرية (نهاية الابطال) وقد كان حاضراً مع الضيوف الاديب البريطاني اليك وو (WuAlaak) الذي كان يزور بغداد وقتذاك , فلخصها له باللغة الانكليزية اذ اثنى عليها الاخير كثيرا.
توقف نشاط هذا النادي بصدور مرسوم الجمعيات رقم 19 لعام 1954 , استأنف النادي نشاطهُ مجدداً بعد تجديد اجازته في الخامس من اذار عام 1956, وتولى الدكتور محمد فاضل الجمالي رئاسته وعضوية كل من توفيق وهبي وعبد الكريم الازري ورفائيل بطي وعبد المجيد محمود والدكتور احمد سوسة والدكتور جواد علي والدكتور عبد المجيد عباس, وقد استمر على النهج ذاته.

- جمعية مكافحة العلل الاجتماعية :
عانى المجتمع العراقي من أمراض أجتماعية كانت تنخر في كيان العائلة العراقية لحقب طويلة، والتي كانت تهدد كيان ابنائه ومن هذه الامراض الأدمان على الخمر، وما له من اثر على طبيعة الاسرة , ولهذا تحفزت قسم من السيدات اللاتي وضعن اسس هذه الجمعية وهن سارة الجمالي عقيلة فاضل الجمالي ومرضية الباجة جي وحسيبة الباجة جي ورشدية الجلبي وفتوح الدبونيوشهبال فاضل واسيا توفيق وهبي وعائشة خوندة.
عزمت هذه النساء على تأسيس جمعية يكون هدفها الاساسي محاربة المسكراتوانقاذ مدمني الخمر ومكافحة تجار الخمور وكان تأسيسها في عام 1937 باسم”جمعية مكافحة المسكرات", وذلك ادراكاً منهن بالأثار السلبية لهذا المرض، ولاسيما بين المراهقين من طلاب المدارس المتوسطة والثانوية وحتى طلاب الكليات، فقد كانت باكورة اعمال الجمعية هي الدعاية ضد مضار الخمور وبث روح البغض والكراهية للكحول لتجنبها، كما دأبت ادارة الجمعية على اقامة المسابقات الخطابية بين طلاب وطالبات المدارس , والتي تخصص للتحدث عن مساوئ الكحول، فخصصت جوائز للفائزين متمثلة بشارة الجمعية البيضاء التي ترمز لأهداف الجمعية النبيلة، وكان للجمعية تعاون خارجي مع الجمعية العالمية في الولايات المتحدة الامريكية لمكافحة المسكرات , والتي تضافرت معها في تنظيم المباريات بين طلاب المدارس، ونشر سلسلة من المقالات التي عرفت باسم (الكحول والامة)حررتبأقلام طلاب المدارس والكليات.
وأدراكاً من الجمعية بخطورة هذا المرض الاجتماعي، فقد نقلت نشاطها خارج العراق، فكان للجمعية مساهمة في العديد من المؤتمرات وابرزها المؤتمر الشرقي المنعقد في القاهرة في عام 1938، وكذلك مؤتمر الولايات المتحدة في عام 1939، والمؤتمر النسائي العربي في عام 1944.
استهدفت الجمعية في بدايات نشأتها الى مكافحة المسكرات وانقاذ مدمني الخمر، ألا انها ايقنت فيما بعد ان هذا المرض لم يكن المشكلة الوحيدة التي يكابد منها المجتمع العراقي، فقررت توسيع اهدافها لتشمل , محاربة الفقر والجهل وتضمن منهاجها العام القيام بزيارة لسجن النساء وتعليم السجينات القراءة والكتابة، فضلا عن تقديم الارشادات الصحية لهن.
كان من بين اهم انشطتها في الحقل الاجتماعي والصحي هو انشاؤها في عام 1951”مدرسة رمزي للمتخلفين”عقليا (الصم والبكم بعمر 7-10 اعوام) في محلة السفينة في منطقة الاعظمية ببغداد، وسميت المدرسة بهذا الاسم تيمنا بأول طالب دخلها وكانت غايتها هي مكافحة التأخر العقلي لدى بعض الاطفال عن طريق الطعام الصحي والادوية والعلاج، وقد طلبت الجمعية من منظمة الصحة العالمية ايفاد اختصاصية بتربية الاطفال المتخلفين عقليا على نفقتها الخاصة للعمل في هذه المؤسسة, وقد تولت ادارة هذه المدرسة السيدة فتوح الدبوني الحاصلة على شهادة متخصصة من جامعة مانشستر في بريطانيا في مجال الصم والبكم.
شاركت سيدات العائلة المالكة مشاركة فاعلة في هذه الجمعية، فقد قامت الملكة عالية وافراد اسرتها بالإسهام في الاسواق الخيرية التي اقامتها الجمعية والاشراف عليها وتبرعت بالأموال لغرض انفاقها في الاغراض التي تأسست الجمعية من اجلها، وقامت الجمعية بأعمال اخرى منها افتتاح سوق خيري في السادس من شباط عام 1946 عرضت فيه الاعمال اليدوية التي صنعتها الملكة عالية وشقيقاتها ووالدتها مع عضوات الجمعية وكان ريع هذه الاسواق الخيرية لمنفعة الفقراء والمحتاجين، وفي السابع من نيسان عام 1947 تبرعت الملكة عالية بمبلغ خمسة وعشرين دينارا في اثناء الحفل التعليمي الذي اقامته، وتبرعت الاميرة راجحة بمبلغ عشرة دنانير لتشجيع مثل هذه الحفلات التعليمية.
اخذت الجمعية توسع من نشاطها بتشجيع من الملكة عالية التي اخذت اتجاهاً اخر في دعمها الجمعية , فشجعت ما يعرف (بكفالة اليتيم) فأخذت الملكة تسع يتيمات وخصصت لهن جانبا من القصر الملكي، واشرفت على تعليمهن بمساعدة شقيقاتها الاميرة عابديه, ولم يقتصر تعليمهن على القراءة والكتابة بل شمل تعليمهن فن الخياطة والتطريز والحياكة وادخلت خمساً من هؤلاء اليتيمات الى دار المعلمات الاولية للبنات، ووفرت لهن كل المستلزمات التي تؤهلهن لكي يتخرجن معلمات نافعات للمجتمع.

- نادي المعارف :
اسس هذا النادي في 24 حزيران 1956 , وكان من مؤسسيه الدكتور محمود الامين والدكتور مهدي المخزومي بجهود مجموعة من المثقفين الذين يعدون الهيئة المؤسسة للنادي واعضاء النادي كانوا على نوعين الاعضاء العاملون , وهم موظفو الخدمة التعليمية وموظفو وزارة المعارف , والاعضاء المؤازرين, وهم من ينتسب الى النادي ولم يكن من اسرة المعارف اما أهداف النادي فهي العمل على نشر الثقافة ورفع المستوى الاجتماعي وتقوية الروابط بين افراد اسرة المعارف.

عن رسالة (الجمعيات الاجتماعية والدينية والفنية في بغداد)