حياة شرارة في روايتها (إذا الأيام أغسقت)

حياة شرارة في روايتها (إذا الأيام أغسقت)

 شكيب كاظم
أثناء استقرائنا لحيوات عديد المشتغلين في عوالم البحث والكتابة،  وجدت من وجهوا جهودهم،  نحو مجال معين،  فإذ اختص الأديب اللبناني جميل جبر بدراسة حياة الأديبة مي زيادة ونتاجاتها،  فان الباحث التونسي أبو القاسم محمد كرو(1924- (2015 قد أوقف جهده لدراسة الشاعر أبو القاسم الشابي (توفي/9/10/(1934 فضلاً عن اهتمام الباحث المصري عامر العقاد(1936- (1985  بإرث عمه عباس محمود العقاد (توفي/1964)

 ويجب ان لا ننسى شغف الباحث العراقي يعقوب إفرام منصور واهتمامه بإبداعات جبران خليل جبران (توفي/ 10/4/1931)وكذلك أختص المترجم السوري الضليع الدكتور سامي الدروبي (1921-1976) بنقل روايات ثيودور ديستويفسكي (توفي /9/2/1881) إلى العربية،  بعد أن بدأ جهده الترجمي بثلاثية الدار الكبيرة للجزائري الكاتب بالفرنسية محمد ديب (1920- 2003)،  وإذ أنجز الدروبي ترجمة إرث ديستويفسكي  كاملاً،  فإن الردى لم يمهله كي ينجز ترجمة إرث تولستوي كله،  فما ان بدأ بذلك  حتى غادر الدنيا،  فإن الأديبة والأستاذة الجامعية الدكتورة حياة (محمد) شرارة قد وجهت إهتمامها نحو إبداعات الأديب الروسي الشهير إيفان تورجنيف (توفي  (1883 فنقلت للعربية رواياته: (مذكرات صياد) و(رودين) و(عش النبلاء) قبل ان يطويها حِمام الموت في الأول من آب / 1998 في حادث تعددت الروايات فيه.

فضلاً عن الترجمة،  اهتمت الأديبة حياة شرارة،  بالبحث والكتابة،  فنشرت عديد الدراسات في مجلات: الأقلام،  والآداب،  والعربي،  والثقافة الأجنبية،  وآفاق عربية،  والثقافة التي تولى إصدارها بجهد شخصي مضنٍ أستاذي الدكتور صلاح خالص تعاونه عقيلته الدكتورة سعاد محمد خضر،  وكذلك مجلة كلية آداب جامعة بغداد،  فضلاً عن إهتمامها بجمع إرث أبيها الكاتب المُقِل محمد شرارة،  ونشره.

بحث عن كتابات الأب الراحل

إذ أمضت الساعات الطويلة في أروقة المكتبات العامة،  بحثاً وتنقيباً وتنقيراً في الجرائد والمجلات القديمة،  عن كتابات الأب الراحل،  الذي ما جمع كتاباته الرصينة،  بل تركها ثاوية في بطون الجرائد،  فكان الجهد. جهد البحث عنها وتهيئتها للنشر مضنياً وعسيراً،  ومن نتائج هذا الاعتكاف المعذب والممتع في آن معاً،  أن تمتعنا بقراءة كتابه القيّم (نظرات في تراثنا القومي) الذي أصدرته الدكتورة حياة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت سنة 1982،  وفي الكتاب هذا مقالات ودراسات تراثية قيمة،  أفصحت عن إمكانات قلم أديب متمكن،  كان سيكون له أثرٌ متميز لولا العصف السياسي الذي عاشه العراق،  كما نشرت (حياة) كتابه الثاني عن الدار عينها سنة 1981،  والموسوم بـ (المتنبي بين البطولة والاغتراب) الذي لم أحظْ بالعثور عليه،  واضعين في الحُسبان،  شغف (حياة) بأبيها وتأثرها بسلوكه الحياتي وأخلاقياته،  ولقد زاد هذا الشغف،  حين عاد أبوها من لبنان عام 1976،  وسكن معها لمدة تقرب من الثلاثة أعوام،  حتى وفاته المفاجئة في 11/ تموز/ 1979،  مما ترك في نفسها أسوأ الآثار،  وهو”الحدث الذي لم يكن أحدٌ منا يتوقعه [ كما تقول شقيقتها بلقيس شرارة في مقدمتها الضافية لرواية (إذا الأيام أغسقت) والتي امتدت إلى ثمان وثمانين صفحة،  التي هي جزء من السيرة الذاتية لأسرة محمد شرارة،  وستزيدها إضاءةً في كتابها الذي نال إهتمام القراء،  وكان اكثر الكتب مبيعاً عام 2015 والموسوم بـ (هكذا مرت الأيام)] فقد أحدث فراغاً كبيراً في حياتنا،  كانت أحاديثه المتنوعة الحلوة،  الشائقة وقراءته للشعر،  تنسينا المتاعب التي كنا نمر بها،  أنا وحياة،  وبفقدانه،  لم نفقد أباً حنوناً وإنما فقدنا صديقاً عزيزاً ورفيق فكر”ص45.

أديبة وباحثة،  ومترجمة أمضت وقتاً طويلاً مع أجواء الروايات التي قرأتها أو التي ترجمتها،  شاءت أن تجرب حظها في كتابة الرواية،  لأنها وجدتها الأجدى والأقرب إلى نفسها،  كي تبوح بمكنونات الصدر،  وعذابات الأيام،  التي تصب شواظ قسوتها على النفوس المرهفة الحساسة،  فتحيل حياتها إلى جحيم لا يطاق،  قد يدفعها إلى إنهائها قسراً،  فكتبت (حياة) رواية،  صبت في عنوانها،  فضلاً عن متنها،  كل عذابات الروح وخيباتها،  فكانت (إذا الأيام أغسقت) فالحياة العراقية،  تحيا غسقها وتلاشيها،  منذ عقود،  وتولت نشر روايتها هذه (دار المدى) بطبعة أشارت إلى أنها الأولى سنة 2011 في حين أن شقيقتها (بلقيس) في مقدمتها للرواية،  تؤكد أن لها رواية لم تنشر أسمتها (وميض برق بعيد) والعنوان هذا،  الذي هو ثريا النص وشعاره وعلاقته يفصح عن أجوائها.

حياة غدافية قاتمة

رواية (إذا الأيام أغسقت) والغسق كما تفسره معاجم اللغة هو: ظلمة أول الليل،  إذن فأيام العراق مظلمة غَسِقَةٌ،  الرواية التي جاءت على لسان الراوي المركزي،  الدكتور نعمان،  لتنقل للقارئ أجواء الحياة الجامعية في بغداد،  وقد عصف بها الحصار،  وما قبله الحرب الطويلة جداً،  فأحالها ركاماً،  وانحداراً في المستوى العلمي،  فالأساتذة يشعرون بالسأم وضغط الحياة وجدبها،  ووقوفهم صفوفاً وفي النسق،  كي يحصلوا من الجمعية على بعض المواد الغذائية،  والأكثر جلباً للأسى خضوعهم لما عرف بالوزن،  ويعاقب إدارياً من يزيد وزنه عن الحد المقرر،  وعمليات التجويع القاسية،  التي يمارسها الفرد ضد ذاته رغم جوع الحصار،  كي ينجو من العقاب،  وينقل لنا الدكتور نعمان،  صورة مؤسفة لضعف الإنسان،  فترى الأستاذ الجامعي،  وقد أعياه الحر،  والجو الرطب الخانق إنتظاراً لدوره في فحص وزنه،  يلجأ لدخول غرفة الفحص عن طريق الشباك،  متنازلاً عن منزلته العلمية والاجتماعية وكأنه صبي صغير.

وإذ تشهد الأسعار تصاعداً مريعاً بسبب تحطم قوة العملة العراقية فإن الكثير من الطلبة،  ما عادوا يستطيعون تلبية متطلبات الحياة،  من غير البحث عن عمل،  أي عمل كان قد يلبي بعض حاجاتهم،  فضلاً عن زجهم في معسكرات التدريب على السلاح في العطلة الصيفية،  وإرسالهم الى جبهات الحرب،  بعد أن زجوا في سنوات سبقت الحرب،  بمعسكرات العمل القسري،  الذي يسمى تجاوزاً بـ (العمل الشعبي) مستعيرين التجربة الستالينية والماوية في أعمال السخرة،  وما إرتكبت في هذه المعسكرات من موبقات بسبب الاختلاط بل الاندماج مع الطالبات ولمدة أسبوع،  الاختلاط والعزلة في تلك المعسكرات أنتجت جيلاً منفلتاً أخلاقياً ما زلنا نئن من إنفلاته.

من روايات الحيز الضيق

رواية (إذا الأيام أغسقت) من روايات ما يطلق عليه نقدياً،  روايات الحيز الضيق،  إذ أن أجواءها تدور في محيط الكلية،  لا تكاد تغادرها،  عدا انتقالات قليلة،  لزيارة الدكتور أكرم،  الذي أحيل إلى التقاعد،  ونسيه زملاؤه وبالحري خوفهم من زيارته،  فهو يعد أحد الوجوه الشاخصة علماً وبحثاً،  وإعتزازاً بالذات وبالدرجة العلمية،  ونأياً بآرائه السياسية عن إتجاهات القطيع،  فنسوه،  أو بالحري أنسوه وخافوا زيارته،  عدا قلة منهم الدكتور نعمان،  الذي يزوره بين آن وآخر خائفاً يترقب.

هذا السلوك المؤسف يترك ظلاله الكابية على حياة الدكتور أكرم وأحاسيسه،  حتى انه يبوح بخلجات ذاته لصديقه وزميله،  والذي كان أحد طلابه،  الدكتور نعمان قائلاً:

– منذ أن فصلت من الكلية قبل شهر لم يزرني أحد،  حتى أولادي لم يسألوا عني! لقد إفتقدت أشياء كثيرة كنت أتصورها عادية لا أهمية لها: تحيات الصباح العابرة (…) وجوه الطلاب المصغية لمحاضراتي (…) كل تلك المظاهر التي كنت أرى من خلالها حياتي في الكلية بدت لي بحلوها ومرها،  جميلة وعزيزة عليَّ”حتى أصبح تغيير ملابسه البيتية عندما يهم بمغادرة منزله حدثاً يجلب السرور لنفسه! تراجع ص156. الرواية (إذا الأيام أغسقت) تتحدث – كذلك – عن سطوة عميد الكلية وغطرسته وعينه الرقابية التي تحصي الحركات والسكنات،  وياليتها كانت خالصة لوجه العلم والدرس،  لأرتقى العلم والمستوى الدراسي،  لكنها كانت عيناً رقابية سياسية،  فضلاً عن تلصص فزّاع عليوي،  مسؤول أمن الكلية على خصوصيات الأساتذة والطلاب ولاسيما الذين لا يسايرون ثقافة القطيع وتوجهاته،  هذا الفزاع،  وقد أحسنت الروائية حياة شرارة،  إذ إختارت له هذا الأسم،  ينفس عن عقده الناتجة عن صَغار شأنه،  من خلال محاولته تخويف الأساتذة والتقليل من شأنهم وهو أمر تناوله باستفاضة الدكتور إبراهيم السامرائي في سيرته الذاتية التي وسمها بـ (حديث السنين). تروي الروائية الدكتورة حياة شرارة،  على لسان الرواي المركزي الدكتور نعمان،  الكثير من مفارقات الحياة،  وطباقاتها،  أو تضادها،  ففي حين يأسف الدكتور أكرم،  وقد ابعدوه عن أجواء الدرس والبحث في الكلية وأحالوه إلى التقاعد،  يعاني فراغاً روحياً،  يأسف لأن كتبه بقيت على رفوف مكتبته من غير ان تنشر،  والكتابة من غير نشر،  تشبه صراخاً في علبة،  وإذ يسأله الدكتور نعمان في إحدى زياراته القليلة له،  وقد لمس أساه وعذابه جراء إبعاده عن الكلية.

– ألا تواصل الكتابة؟

يجيبه:

– ستدهش إذا قلت لك إنها أصبحت تشبه مياه المستنقع الراكد! ماذا تعني الكتابة إذا أصبحت بلاغاية إذا لم تستطع أن تنشر ما تكتبه وتوصله إلى الناس! ما قيمتها إذا ظلت محفوظة في أدراج مكتبك او على الرف؟ (…) إنني لم أنشر شيئاً منذ سنوات بعيدة،  وكتبي القديمة تقرأ كجزء من التأريخ،  وليس من الحاضر بينما ما أزال أنا حياً،  تنبض دمائي بالنشاط،  إن كل ما يمكن أن آمله هو أن تنشر نتاجاتي بعد موتي،  إذا حالفها الحظ. تراجع ص258.

في حين ينعم الجهال،  بالترقيات والنشر،  هم الذين لا يستطيعون كتابة مقال بسيط بشكل سليم،  لسبب بسيط ومهم في آن معاً،  أنهم عديمو الموهبة،  فالكتابة موهبة،  ولاشأن لها بكثرة المعلومات،  وأعرف أناساً يزخرون بالمعارف،  ولباقة الحديث لكنهم لا يستطيعون كتابة سطر واحد،  وفي بعض رواد المجالس الثقافية،  الكثير من الشواهد،  لذا فأن هؤلاء قليلي المواهب،  انغمسوا في السياسة للتعويض،  وتمشية أمورهم الحياتية. الروائية حياة شرارة تطلق سؤالها المعذب هذا على لسان الدكتور نعمان الراوي المركزي متسائلاً:

– هناك من لديهم معارف جيدة،  ويقرأون كثيراً ولديهم همةٌ وجد ومثابرة ولكنهم لا يستطيعون كتابة مقال على نحو سليم،  لا أدري كيف كتبوا أطروحاتهم وحصلوا على ترقية علمية؟

ويأتي الجواب على لسان محاوره الدكتور بدري،  ناصاً على ضرورة توفر الموهبة،  وموهبة البحث والكتابة قائلاً:

– (…) إن أي نوع من الكتابة،  يحتاج إلى موهبة معينة،  ولا يقتصر ذلك على الشعر والقصة كما تظن،  فالرغبة وحدها لا تكفي للكتابة الجيدة ما دامت الموهبة مفقودة. تراجع ص 127.

مواجهة قساوة الحياة بالسخرية

وإذ تتراجع منظومة القيم الأخلاقية وتتهاوى إلى قرار سحيق،  بسبب إرتباك الحال الناتج عن الحروب المستديمة،  والحصار المفجع،  فيلجأ بعضهم إلى مداواة الحال بالسخرية. السخرية من كل شيء والدعوة إلى العبث واللا إنتماء،  واللاجدوى،  فكل شيء إلى هباء وخراب وتلاشٍ،  ولأن رواية (إذا الأيام أغسقت) رواية واقعية،  تصور وقائع الحياة القاتمة المتراجعة،  ليس تصويراً فوتغرافياً بل وفني،  فأنها مازجت بين الوقائع الحياتية وفن السرد لتتحدث عن الحال الذي أمسى فيه الحسُ المرهف،  كابوساً يحول حياة الفرد إلى جحيم،  يحاول الدكتور أنور مداواته بالعبث والسخرية،  ليجيب زميله الدكتور ياسين الذي يشكو إليه أن:

– كل شيء يسبح أمام عيني في ضباب رمادي،  لم أعد أفهم نفسي ولا الناس،  يجيبه بسخرية لاذعة.

– البلادة نعمة في زماننا وميزة،  علينا أن نرعاها ونطورها في داخلنا،  كي نواصل الحياة ونرى جوانبها الحلوة،  كما يفعل كثير من الناس،  رهافة الحس عندك تضرك،  وعليك ان تخلعها.

قاطعه بتوتر قائلاً:

– أهي حذاء أخلعه من قدمي والقيه أرضاً؟ ليس الأمر بهذه البساطة التي تتكلم عنها!

قال أنور:

– الحذاء أفضل منها،  إنه يقي قدميك من الحر والبرد (…) أما إحساسك فإنه يأتي اليك بالعذاب والقلق،  ويكدرك. تصرف بشكل عملي،  بلا مبالاة،  ببلادة،  إذا لم تجرحك هذه الكلمة،  وعندها تصاب مشاعرك بالشلل،  تحيا وفق نظام الأشياء الجاري راضياً بنصيبك منها. تراجع ص320.

رواية الحياة الجامعية سنوات الحصار

قلت في بداية حديثي هذا،  إن رواية (إذا الأيام أغسقت) للأستاذة الجامعية حياة شرارة،  من روايات الحيز الضيق زماناً ومكاناً وشخوصاً فهي تكاد تسرد علينا صورة الحياة الجامعية في بغداد،  أيام الحصار (1990-2003) وعلى مدى سنة واحدة،  هي السنة الأخيرة لحياة الدكتور نعمان في الحرم الجامعي الذي كان يروم إحالة نفسه إلى التقاعد تخلصاً من الضغوط،  وظلت في أجواء الكلية لا تكاد تغادرها،  فضلاً عن شخوصها وهم: أساتذة الكلية وموظفوها وطلابها،  تبدأ الرواية وهي تنقل لنا أجواء بداية العام الدراسي وطقوس الدكتور نعمان الحياتية،  وهو يتهيأ للذهاب إلى الكلية،  وتنتهي مع أداء الطلبة لامتحاناتهم النهائية،  مصورة خلجات الدكتور نعمان،  وهو يغادر قاعة الامتحان في آخر يوم امتحاني،  بعد أن جمع دفاتر الطلبة،  الذين ظلوا متشبثين بها،  على الرغم من الساعات الثلاث التي أمضوها في قاعة الامتحان،  ولما يكملوا الأجوبة،  لعدم جديتهم في الدرس،  فضلاً عن توقهم المؤسف للغش،  وسلَّم الدفاتر إلى اللجنة الامتحانية،  وغادر مبنى الكلية لتلفح وجهه أشعة شمس حزيران والعرق يتصبب من وجهه”وكانت جموع الطلبة تسير(…) مسرعة للحصول على مكان في سيارة النقل العام (…) عذذت الخطى مثلهم وأنا أستحث قواي التي أخذت تخونني (…) هكذا ستكرر بداية وخاتمة كل يوم: إطاعة الأوامر،  ومخالفة رغبات النفس  إجبارها على الصمت،  والسير تحت لهيب الشمس والانتظار في مواقف السيارات والتدافع لدخولها والحصول على مكان فيها”ص366.