الراهبة في في صومعة الأدب..الراحلة حياة شرارة

الراهبة في في صومعة الأدب..الراحلة حياة شرارة

نبيل عبد الأمير الربيعي
هي اقرب لناسكة وراهبة في صوامع متباعدة , تشتعل في اعماقها نار هادئة متواصلة تستقي فكرها وعلمها من الكتب القديمة المقروءه منها وغير المقروءه , تتحمل ان يكون عمرها مخاض ميلاد أمل الدنيا ومن اجل الناس كلهم.

ولدت الراحلة حياة شرارة في مدينة النجف عام 1935 وكان والدها محمد شرارة وهو من اصل لبناني ترك النجف بعد ولادة حياة بعام، حيث التحق بثانوية الناصرية كمدرس للغة العربية بعدها سافرت العائلة الى لبنان وقضوا عاما كاملا مع والدتهم ,ثم عادوا الى العراق حيث اصيبت بمرض التيفوئيد. نشأت حياة في مدينة النجف المقدسة في بيت والدها محمد شرارة الاديب والشاعر الذي كان يرتاده الشعراء والكتاب والمثقفون وتدور فيه النقاشات حول قضايا الادب. وكتبت شقيقتها الكاتبة بلقيس شرارة حول هذه المدينة تقول :”بالرغم من الجو الديني المرادف لمدينة النجف، هنالك جو آخر ازدهرت فيه نهضة ثقافية واسعة، اذ صدرت عدة صحف ومجلات كان لها دور مهم في الدعوة للأصلاح الاجتماعي، ك”الهاتف”و”الحضارة”و»الغري”و”البيان»، وبرز فيها كتاب وشعراء اغنوا تراث العراق الادبي مثل محمد الجواهري وعلي الشرقي وجعفر الخليلي وسعد صالح، ومن الجالية اللبنانية ظهر حسين مروة ومحمد شرارة». وكان لابد ان يؤثر هذا الجو في حياة منذ صباها فقد احبت الشعر وحفظته عن ظهر قلب وكانت تشارك في المساجلات.
وفي عام 1961 سافرت إلى موسكو.وقد ذكرت جريدة طريق الشعب في احد اعدادها انها(كانت في سلوكها الاجتماعي, وتوجهها الثقافي, وانتاجها العلمي, ورؤيتها الحياتية ضد النزعة الظلامية مؤمنة بالانسان)وحتمية انتصاره, كما كانت مفعمه بالاحساس بالمستقبل الزاهر. لأنها نشأ ت في بيئة ثقافية وفكرية وأدبية, فوالدها محمد شرارة , شاعر معروف وله صالون ثقافي وادبي يرتاده الكثير من المفكرين والشعراء, امثال الجواهري والسياب والبياتي.
وقد اختارت حياة موضوعا لأطروحتها لنيل الدكتوراة في الادب في موضوع”تولستوي انسانا”كما كانت تهتم بموضوع شخصية المرأة في اعمال الكاتب الروسي ايفان تورجينيف. وقد واصلت دراسة اعمال هذا الكاتب وترجمة بعضها الى العربية لاحقا لدى عودتها الى العراق حيث عملت استاذة في قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد. وفي العام الاخير من وجودها في موسكو عملت في القسم العربي بوكالة انباء تاس السوفيتية. كانت حياة شرارة قد حضرت في شبابها مؤتمر أنصار السلام في براغ عام 1952. نشرت ذكرياتها على حلقات في مجلة (الأقلام) البغدادية بين عامي 1987 ــ 1989 تحت عنوان (تلك الأيام خلت). كتبت القصة والمقالة، كما كتبت الشعر... ولها ديوانان لم يُنشرا: (قصائد قديمة) و (شفق البحر). وفي الأدب الروسي كان لها ترجمات ومؤلفات كثيرة منها: (ديوان الشعر الروسي) و (تولستوي فناناً) كما شاركت بتأليف كتاب (تشيخوف بين القصة والمسرح)، وترجمت كذلك (مسرحيات بوشكين) و (عش النبلاء) و (رودين) لتورغينيف.

وبعد عودتها الى العراق عملت في جامعة بغداد فترة من الزمن حتى بدأت السلطات ملاحقتها بالرغم من محاولتها عدم الاعراب عن مواقفها من سياسة الحكومات آنذاك. وانصرفت الى التأليف والترجمة. فنشرت مقالات مثل”تأملات في الشعر الروسي”(1981) و”غريب في المدينة”ومسرحية”المفتش العام”لجوجول و»يسينين في الربوع العربية»(1989) و»ديوان الشعر الروسي»(1983) و»مذكرات صياد»(1984) و”رودين”و»عش النبلاء”لأيفان تورجينيف و”مسرحيات بوشكين”(1986) و»تولستوي فنانا». وتعتبر دراستها”صفحات من سيرة نازك الملائكة”الشاعرة المجددة التي عرفتها منذ الطفولة من البحوث المميزة عن نشأة حركة الشعر الحر في العراق. كما نشرت بعد وفاتها رواية”اذا الايام اغسقت”عن مصاعب الحياة الجامعية في بغداد. ولديها رواية لم تنشر بعنوان”وميض برق بعيد”ومجموعات قصصية. ونشرت في الصحف العراقية والعربية مقالات كثيرة حول الادب والشعر.
ومن اثارها البارزة والمهمة، انها حققت كتابين لوالدها هما»“المتنبي بين البطولة والاغتراب”و»نظرات في تراثنا القومي»، ومن إصداراتها في الترجمة، كتاب فن الترجمة وكتاب تشيخوف بين القصة والمسرحية، ولها في الشعر ديونانا مخطوطان هما: قصائد قديمة، وشفق الفجر، غير ان كتابها الاهم هو صفحات من حياة نازك الملائكة،  وهو كتاب سيري عن حياة الرائدة نازك الملائكة وقد بذلت الكاتبة جهدا كبيرا في تقصي ادق التفاصيل المتعلقة بنشأة الملائكة من الجانب الاجتماعي والثقافي، وذلك من خلال المصادر الموثقة واللقاءات الشخصية مع ذوي ومقربي واصدقاء الشاعرة، فهي بهذا المنجز لم تعتمد فقط على ما وقع بين يديها من مدونات او وثائق نقلتها بما عرف عنها من اناة علمية، تقول الراحلة شرارة في مقدمة كتابها: منذ ان سجلت ذكرياتي عن نازك الملائكة في مقال بعنوان تلك ايام خلت”ظلت تخامر ذهني فكرة الكتابة عن سيرة حياتها بشكل تفصيلي بحيث استطيع ان اعطي صورة شخصية حية لها تنبض بالحركة، غير ان المشاغل الادبية اليومية وغير الادبية جرفتني في تيارها ولم تفسح لي المجال لعمل فكري في هذه الدراسة واشرع في البحث عن السبيل المؤدية الى الحصول على مئات التفاصيل الصغيرة اليومية التي لابد منها ان يكتب عن سيرةحياة شاعر. ولها رواية لم تنشر هي(وميض برق بعيد).
لذا قاست «حياة”كثيراً في حياتها الجامعية، عندما رفضت الانتماء إلى حزب البعث، مؤكدة بحزم موقفها المستقل و التفرد الذي لا يتحمله الفكر التوحيدي و الأنظمة الشمولية، مما أدى إلى تعرضها إلى صعوبات، و خلق مشاكل كثيرة لها، أثناء وجودها في الجامعة. و عندما تضاعف العنف و اضطهاد الناس الذين لا يخضعون إلى فلسفة حزب البعث في تلك الفترة، أتخذ قرار بالتخلص من جميع الأساتذة الذين لا ينتمون للحزب. كانت «حياة”على رأس القائمة، عندما نقلت إلى مشروع صناعي في مدينة الديوانية. و لكن أعيدت إلى الجامعة بعد فترة قصيرة، حيث لم يجدوا أستاذا يشغل منصبها، و لكنها تعرضت في الوقت نفسه إلى المراقبة الدائمة من قبل مكتب ضابط أمن الجامعة، و أصبحت من المشكوك في ولائهم، بما في ذلك فتح الرسائل التي كانت ُتبعث لها من قبل عائلتها. و كانت تُقرأ من قبل ضابط أمن الجامعة، قبل أن تقرأها «حياة»، بالرغم من أنها بدرجة أستاذ.
وكتب محمود الأحمد عن”حياة شرارة.. الموت من أجل الحياة تناول رواياتها الشهيرة اذا الأيام اغسقت ذكر فيها : ما بين متن الرواية ومقدمتها مدّ من العبير، وجسر من التوثيق، ونهج من التواصل. حيث ما فات أن ُيذكر في الرواية المكتوبة في العراق عن سوء حال الإنسان العراقي، قد ذكرتهُ المقدمة التي كتبت خارج أسوار العراق.
تلك الرواية الوثيقة بطبعتها الأولى صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2000، فكتبت للرواية مقدمة (بلقيس شرارة) الشقيقة المغتربة في مدينة(كنكستن) الولايات المتحدة، و ألحقتها بملحق تعريفي ادرج فيه قائمة الكتب المؤلفة، والمقالات والكتب المترجمة المنشورة.
كم هي بديعة سيرة الأديبة الأستاذة (د. حياة شرارة)، ولكن سيرة موتها هو الذي كان اكثر نبلا، ورقياً، واحتجاجا. وعن فن الترجمة التي عملت فيه شاراة كتب عبد الهادي فنجان الساعدي”حياة شرارة وفن الترجمة”ذكر فيه : لقد اختارت الدكتورة حياة شرارة هذا العنوان لترجمة كتاب”فن الترجمة”اما المضمون فكان ثلاث مقالات لثلاثة كتاب ومترجمين افذاذ هم: الارمني ك. سورينيان والكاتب البلغاري فلورين والكاتب السوفيتي روسيلس. وقد اضفنا للعنوان كلمة الفرسان الثلاثة لما لهؤلاء الكتاب الثلاثة من قوة تأثير ولما تركوه من اثار متميزة في مقالاتهم واثارهم الثقافية.
وقد ذكر الستاذ خالد حسين سلطان عن الراحلة هو:
(لم التقي بالفقيدة وأنا من جيل طلابها بل كانت هي وزوجها المرحوم محمد صالح سميسم أصدقاء ورفاق لوالدي المرحوم حسين سلطان، وكان الطبيب محمد سميسم طبيب العائلة وأصدقاءها وأقاربها يقدم لهم المشورة والمساعدة في الحالات المرضية سواء في اختصاصه او غير ذلك وخصوصاً خلال فترة عمله في مستشفى الطوارئ في بغداد حيث كنت احد مراجعيه، وفاءاً لتلك الصـــــــداقة والنبل الإنساني الذي تحمله الفقيدة وزوجها والإهمال المقصود من المؤسسات الأكاديمية التي عملت فيها وكذلك رفاقها في فترة عملها الحزبي، عملت على جمع ما احصل عليه من كتابات ومقالات عن الفقيدة ودورها الأدبي والسياسي على أمل نشره كملحق في احدي المجلات الأدبية او على شكل كتاب مستقل ليكون مرجعاً متواضعاً للمهتمين، وعسى ان يكون واخزاً ودافعاً للجهات المختصة والمؤسسات الأكاديمية التي عملت فيها الفقيدة لتكريمها بالشكل المناسب ونشر إبداعها ونتاجها الأدبي غير المنشور لحد الآن، وما أكثره، ويذلك يساهموا في إنصاف إنسانة ومناضلة ومبدعة
المجد والخلود للفقيدة حياة شرارة).
وكتب د. صباح نوري المرزوك”حياة شرارة الثائرة الصامتة”: كان للنعي الذي رفعته كلية اللغات بجامعة بغداد على جدران مجمع الكليات في الوزيرية سنة 1997م أثره البالغ في نفوس من قرأ هذا النعي وعرف عنوانه، لاسيما انه يتعلق بأستاذة فاضلة ومترجمة متمكنة في ميدانها وهي الدكتورة حياة شرارة، أستاذة الأدب الروسي.

وكان الحديث يومئذ همسا يدور حول انتحار الدكتورة مع ابنتها مها، هل هو انتحار فعلي ام ان يدا خفية من وراء ذلك، ولكن ما جاء في رواية (اذا الأيام أغسقت) التي كتبتها الراحلة وقامت بنشرها وكتابة المقدمة لها شقيقتها بلقيس شرارة يؤكد ان الحدث هو انتحار بسبب فقدان الأمل والإحساس بانها أمام منعطف الهاوية عندما فقدت الحياة مغزاها وهدفها، لان زوجها الطبيب محمد صالح سميسم الذي كان ضمن قائمة الشهداء الذين أعدمهم النظام السابق.
في آب 1997 توقف قلب الاكاديمية والمترجمة والباحثة والشاعرة حياة شرارة، في ظروف غامضة زمن النظام الدكتاتوري المباد، كشف عن موتها بعد سقوط النظام بانه عملية تصفية للراحلة الكبيرة وعائلتها، بعد اعدام زوجها الدكتور محمد صالح سميسم
تذكر الكاتبة بلقيس شرارة عن رواية :”إذا الأيام أغسقت» رواية واقعية، أحداثها من صلب الحياة اليومية، و ليس هنالك تصعيد روائي لأثاره مشاعر القارئ، و إنما يعرف القارئ نهاية الرواية منذ الصفحات الأولى. و ليس هنالك مفاجآت مذهلة أو أحداث عنيفة متطرفة أو عقدة متأزمة، كما هي الحال في القصص البوليسية مثلاً، و لكن هنالك سرد للأحداث من خلال شخصيات الرواية التي يصل بعض أبطالها إلى لحظات التمزق و الانهيار، و ذلك عندما تتمزق المفاهيم و تضيع القيم بعنف غير معقول، من خلال حادثة أو عمل يكون السبب في تقويضها. استطاعت الكاتبة من خلال ملاحظتها الدقيقة، أن تصور الإذلال و الإهانات اليومية التي كان يتعرض لها أساتذة و موظفو الجامعة، بإصغائها و مشاركتها أحاديثهم، التي تدور عن كيفية الحصول على المواد الغذائية، و القلق الذي كان يساورهم عندما يعجزون عن سد رمق عائلاتهم، و اضطرارهم لبيع سياراتهم، أو العمل كسواق تكسي في ساعات فراغهم. و أضافت إليها من تجربتها عندما شعرت بحصار السلطة لها و أغلقت أبواب النشر أمامها. و هو أقسى أنواع الحصار على الكاتب و المؤلف. و لذا عندما سُِئل الأستاذ «أكرم”أحد أبطال الرواية، إن كان يواصل الكتابة؟ «ستدهش إذا قلت لك إنها أصبحت تشبه مياه المستنقع الراكد! ماذا تعني الكتابة إذا أصبحت بلا غاية! أعني إذا لم تستطع أن تنشر ما تكتبه و توصله إلى الناس! ما قيمتها إذا ظلت محفوظة في أدراج مكتبك أو على الرف؟.. إن كل ما يمكن أن آمله هو أن تنشر نتاجي بعد موتي، إذا حالفها الحظ! » (ص 322). تسجل هذه الرواية الأجواء المعتمة، الخانقة، نفسياً و فكرياً و سياسياً و اقتصادياً، أجواء غير طبيعية مّر بها العراق، ولا زال يعاني منها في المرحلة الراهنة، خاصة الفئة المثقفة منها، من المبدعين و المفكرين، التي أول ما تطالها السلطة، أن يكون هدفها الرئيس هو إسكات المثقف في جميع المجالات، و يشمل البلدان التي تحت حكومات دكتاتورية الحرية المفقودة.

فصورت الصراع النفسي الذي يعانيه، عندما يشعر أن لا كيان له، من خلال أحداث الرواية التي يتعرض لها الأساتذة من الإهانة والإذلال، في انتظار فتح باب الكلية لهم، و إجبارهم على الاشتراك بالمسيرات، و التصفيق عند ذكر أسم رئيس الجمهورية في اجتماع العميد، و سوق الأساتذة و الطلبة في الاشتراك في الحرب العراقية الإيرانية، و التدخل في رفع درجات طلاب القبول الخاص. فيشعر الأستاذ بصغر شأنه، أمام السلطة و ضعفه و عدم قدرته على أن يقف أمام هذا التيار من الإرهاب. وكتبت الدكتور نادية غازي العزاوي”: حياة شرارة في: نصوص مزدوجة في السيرة و السيرة الذاتية”جاءت فيه : على مدى حلقات متفرقة ومقالات متباعدة زمنيا نشرت د. حياة شرارة نصوصاَ من نمط خاص يمكن نعتها بالنصوص (السيَريّة المزدوجة)، تداخلت فيها على نحو حميم وقائع مجتزأة من حياتها ومن عاشت معهم وواكبتهم وعرفتهم عن كثب، وقد شكل اهتمامها بهذا النمط من الكتابة ومثابرتها عليه حالة خاصة وملحوظة جداً ضمن توجّهات الأدب النسويّ العراقيّ الحديث، وان توزع جهدها في هذا الجانب على أكثر من كتاب ومقالة.