يانيس ريتسوس وثقافة الماضي المتجلية في الحاضر

يانيس ريتسوس وثقافة الماضي المتجلية في الحاضر

ترجمة/هاشم شفيق
شعر ريتسوس مشبع بأشياء الحياة وتفاصيلها، شعره اليومي الأليف والمرهف هو خزين للظلال والضوء والحركة، للنور الساقط على الأرض، شعر يبدو في ظاهره بسيطاً، بيد أنه شديد العمق حين يستغرقنا داخلين في شبكته الخيطية ونسيجه الباهر، متين البنيان، ضاربة جذوره في تراب الأسطورة الإغريقية، كان ريتسوس أهم شاعر في القرن العشرين باعتراف كبار شعراء عصره كالفرنسي أراغون وشاعر تشيلي نيرودا وشاعر اليونان بالماس وغيرهم، قصائده قرأها الملايين، حتى أن الملاعب ومدرّجاتها كانت لا تتسع لمحبي شعره،

 كيف لا وهو سليل أسخيلوس وهوميروس، وأيضا كفافي وبالماس وسيفيرس، وريث لغة الأساطير والملاحم، وريث الثقافة الإغريقية المتنوعة، وريث فلسفتها وجدلها وتحولاتها عبر التاريخ، منذ أرسطو وسقراط وأفلاطون، هو نتاج هذا التراث الفلسسفي المترع بثقافة دينية – أرثوذوكسية وميثولوجيا ممتدة الى بدايات الخلق والتكوين ونشأة المنطق والسؤال الوجودي الذي كان يطرحه المناطقة والفلاسفة وحكماء اللوغوس في الأكروبول.
إذاً شاعرية ريتسوس وثقافته ومعرفته هي مزيج من كل هذا، مزيج متداخل ومتواشج مع حيوات كبرى وتفاصيل موغلة في عمق الحاضر اليوناني. إنها ثقافة الحاضر المتجلي في الماضي، الوثنية الى جوار المسيحية، المتافيزيقية بمحاذاة الماركسية، المادية حذاء المثالية، الفاشية مقابل الانسانية، والأخيرة هي التي دفعته الى مقارعة الظلم والعسف، حيث النضال ضد الديكتاتورية ونظام العقداء السود، الأمر الذي يكلفه الكثير من اعوام حياته التي توزعت بين المعتقلات وجزر النفي البعيدة.. كلّ هذا نجده يتنفس ويحيا ككائنات لها روح ودم في شعر ومسرحيات وروايات ونثر ريتسوس.

طاعة
فتحت النافذة،
ضربات الريح
كانت قوية
تكاد تنفجر،
كان شعرها
يشبه طائرين كبيرينِ
على كتفيها،
حين أغلقتْ النافذة
أبصرتْ طائرين على الطاولة
ينظران إليها،
أحنتْ رأسها بينهما
وبكتْ بهدوء.
تدرّجات الحدث
الشمسُ تغطسُ
ورديّة
برتقاليّة
في البحرِ،
والبحرُ معتمٌ لازورديٌ أخضر،
ثمة في البعيد
صخرة ٌ سوداء
بدتْ مثل باخرة،
أحدهم وقف
وشرع يصوّت
باخرة ً…
باخرة ً…
الآخرون تركوا كراسيّهم
في المقهى
وراحوا ينظرون
انْ كانت حقاً
هناك باخرة،
لكن الذي صوّتَ
أحسّ كما لو انه ارتكب حماقة
حين رأى الآخرينَ
ينظرون اليه بصرامة
حينها خفّض صوته
وحشرجَ:
كنتُ أكذبُ عليكم.
ظهيرة
ذات ظهيرة
في الساعة الثالثة ظهراً
قفزوا الى البحر
برودة المياه
لم تعقهمْ عن ملامسته
الساحل مومضاً كان
أحدهم رأى غريقاً
عارياً ومتروكاً هناك
في الحال أغلقت المسافة
بين المنازل،
العالم كان يتبخر منه الشعاع
ويتصاعدُ،
عربة الموتى تحرّكتْ
وصارت خارج الرؤية،
وفي نهاية الشارع
فوق مبنى البريد
كان العلمُ يرفرفُ
لكأنّه كان يعانق
جسد الغريق.
المسموع واللامسموع
كانت حركته
مفاجئة غير متوقّعة
يداه تشبثتان بالجرح
لتوقف نزف الدم
لم نسمعه يصرخُ
ولم نسمع صوت الرصاصة،
بعد برهة خفض يده وابتسمَ
لكنه مرة ثانية
حرك راحته ببطء
الى مكمن الجرح نفسه
حيث تمكث محفظة النقود،
دفع للنادل ومضى
خارجا من المقهى،
هنا تصدّع فنجان القهوة
وأخيرا
سمعنا ذلك بشكل واضح.
عطلة أخرى
الكلّ كان رائقاً
الغيماتُ في السماء،
النافذة ُ المغسولة الزجاج
الشجرة ُ في الغرفة
مئزرُ المرأة ِ على الكرسي
الكلماتُ في القصيدة
الورقة ُ التي انتصبتْ مشرقة
في الخارج،
وثمة السماء التي بدتْ
خلل سلسلة من الريش.
دكان الحلاق
لفقوا غرفة
بين الخرائب
بما تبقى من الآجر
ورق المقوّى للشبابيك،
ثمّ يافطة خطوا عليها بالأحمر
«حلاق»
في ما بعد
في السبت ذات غسق
ينثّ ضوءاً رطباً
آتياً من الباب الموارب،
غواية البحر
تلوّن المرآة
بالأزرق الفاتح…
الصيادون الشباب
وقائدو الزوارق
أتوا للحلاقة…
وحين يخيّم الظلام الساكن،
يمضون بهدوءٍ
عبر الباب المظلل
بذقون حليقة.
حول البئر
ثلاث نساء
جلسن حول البئر
وهنّ يحملن الجرار الفخارية،
أوراق كبيرة سقطتْ
على شعورهنّ وصدورهنّ…
أحدهم اختفى خلف الأشجار
ورمى حجراً
انكسرتْ الجرّة
لكنّ الماء لم يندلقْ
ظلّ واقفاً ولامعاً
ينظر تجاهنا
حيث كنا نختفي.
النزل ذو القبو
في الطابق الثالث
يعيش ثمانية طلاب فقراء،
في الطابق الثاني
خمسُ خياطات
مع كلبيهنّ،
في الطابق الأول
صاحب النزل
مع ابنته المتبنّاة،
في القبو
سلال
أباريق
وجرذان،
الطوابق الثلاثة تستخدم ذات السلم،
أثناء الليل مرّ القطار
فانطلقت الفأرة الى أعلى الحائط
الجرذان اتجهتْ الى السقف
عبر مدخنة الموقد،
ونظرت الى السماء…
ثمة غيوم
وحديقة
وسكك حديد
وأضواء مطاعم،
في تلك اللحظة
الخياطة العجوز
أغلقت المصاريع
وفمها مليء بالدبابيس.
أثينا 1970
في هذه الشوارع
الناسُ يهرولون
الناسُ يسرعون
يذهبون بعيداً
ثم ينصرفون
ينصرفون من (ماذا؟)
يصلون الى (أين؟)
لا أعرف
إنهم بلا وجوه
فقط مكانس كهربائية
أحذية وصناديق
إنهم يسرعون
في هذه الشوارع
كان ثمة زمن آخر
حبن مرّوا بأعلام كبيرة
كان لديهم صوت
أنا أتذكر
لقد سمعتُ ذلك
كان صوتاً مسموعاً
الآن
إنهم يهرولون ـ يركضون
ثمة سكون في سرعتهم
القطارُ يجيء
إنهم يأكلونَ
يصطدمون بالمناكب
الضوء أخضر
ثم أحمر
ومراقب القطارات
يقف وراء الحاجز
ثمة البغيّ والجنديّ والقصابُ…
بيد أنّ الجدار طويلٌ
أعلى من الزمن
حيثُ حتى التماثيل
لا تستطيع أنْ ترى.
صباح
ها هي ذي
فتحتْ كلّ المصاريع
وعانقت الستائر التي ترفرف
على عتبة النافذة
إنها قد رأت النهار
وحين حدق الطائرُ تجاه عينيها
همسته: اني وحيدة
لكنني ما زلتُ أحيا
ثم دخلتْ غرفتها
باتجاه المرآة التي هي أيضا نافذة
قالت: إذا قفزتُ منها فسأسقط على ذراعيّ.
استيطان
جاءوا
وراحوا ينظرون الى الخرائب
وهي تطوّق قطعة الأرض
ثمّ بدأوا يقيسون بأعينهم
شيئاً ما
بعدها تذوّقوا الهواء
والضوءَ بألسنتهم
فأعجبهم ذلك
بالتأكيد إنهم كانوا يريدون
أنْ يأخذوا شيئاً منا
كنا قد زرّرنا قمصاننا
حتى الأعناق
بالرغم من الحر الشديد
لكنهم حدّقوا في أحذيتنا
أحدنا أشار بإصبعه
الى بضعة أشياء هناك
الآخرون التفتوا
حيث كانوا متواجدين
شخصٌ منهم انحنى بحذر
وأخذ حفنة تراب
وأخفاها في جيبه
وخطا بعيداً على نحو مبهم
وحين كان يبحث الغرباء
هنا وهناك
اكتشفوا ثقباً عميقاً بمحاذاة أقدامهم
تحرّكوا…
نظروا الى ساعاتهم
وعادوا الى الحفرة
كان في العمق
سيفٌ
ومزهرية
وعظمٌ أبيضْ.

عن/ السفير الثقافي