تيد هيوز .. آخر حاملي أختام لغة شكسبير

تيد هيوز .. آخر حاملي أختام لغة شكسبير

  فاطمة المحسن
تيد هيوز الذي وصفه النقاد والأكاديميون بأنه الأكثر أهمية بين شعراء القرن العشرين، خليفة أودن وتلك الأسماء اللامعة لشعراء الانكليزية العظام.
رسم تيد هيوز ملامح اتجاه شعري في حركة احياء اللغة والفولكلور والتراث، فكان في اسلوبيته الخاصة وبناء جملته وغنائية صوره وثرائها بمثابة الراعي وآخر حاملي أختام لغة شكسبير.

أصدر صيف هذه السنة كتابه الأخير"رسائل عيد الميلاد"وهو يصارع السرطان سراً، فكان حدثاً ثقافياً غربياً نفذت منه مئة ألف نسخة في بريطانيا وحدها، في سابقة جعلت الناشرين يستعيدون ثقتهم بالشعر في زمن غير شعري كما يسمى هذه الأيام. وفي العام المنصرم صدر كتابه"حكايات من أوفيد"، وهو إعادة لشغل شاعر اللاتين في العشق، اعتبره ناقد صحيفة"تايمز"مايكل هوفمان أعظم أعمال هذا القرن.
وجاء كتابه الأخير ليضمن له خاتمة ضاعفت مجده الأدبي ومجد قصة حبه المجروح مع الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث التي ماتت منتحرة في العام 1963 أثر هجره لها مع طفليها منه فريدا ونيكلاس. الكتاب قصائد حب موجهة إليها بعد خمسة وثلاثين عاماً من الصمت، تعرض خلالها لهجوم منظم شنته عليه داعيات حقوق المرأة، وكاتبات الأدب النسوي في بريطانيا وأميركا، اللواتي أصدرن سيرة بلاث في مجموعة من الكتب تتفاوت في أهميتها بين الحكايات الرثائية والأعمال الأدبية الناضجة... وكلها تتعرض لحياة وشاعرية سيلفيا بلاث التي تعتبر من صناع القصيدة الجديدة في أميركا الستينات. وبدا الأمر مع انتحار زوجته الثانية أسيا ويفل وكأن القدر يعده لدور الشيطان الذي تلبسه هو بإرادته أو من دونها في تورية شعرية سجلت له صوتاً متميزاً مطلع السبعينات في ديوان"الغراب"الذي عرفناه نحن العرب قبل كل أعماله.
يهدي تيد هيوز كتابه الأخير إليها، إلى سيلفيا بلاث"انها حكاية وحسب، قصتك... قصتي". فكان أن أكمل ما تبقى من هذه الحكاية - السر في رقدته الأخيرة.

صياد اللغة والأفكار
ولد ادوارد جيمس هيوز في 17 آب اغسطس 1930 في مدينة صغيرة تتوارى خلف تسمية موحية"ميثولرويد"في غرب يوركشاير شمال انكلترا. وعلى امتداد تلك الوديان والتلال التي جابها هيوز صياداً وشاعراً، كتب ايقاعاته الأولى منذ السابعة. فكان أخوه الذي يكبره بعشر سنوات يقوده في رحلات صيد يومية تشبع فيها بثقافة الطبيعة وعشقها، فأصبح موسوعة لا تتعب من الحديث عن الحيوانات والطيور، كما كتبت سيلفيا بلاث إلى أمها مرة."كان حلم أخي يسكنني"، وحلم أخيه أن يصبح أمهر صياد في كل وهاد يوركشاير، أو يذهب إلى افريقيا في مغامرة صيد خطيرة. سيطرت صخور يوركشاير على خياله ليكتب مرة:"انني انظر إليها من هنا لتبدو كبوابة إلى الحرية، خلفها جنوب انكلترا ثم العالم بأكمله".
درس هيوز في كامبردج الأدب ثم تحول عنه إلى الانثربولوجيا، مستجيباً إلى نزعة معرفية عميقة وسمت شعره وسيرته الشخصية، وجعلته من دارسي الديانات البدائية والقديمة. فكان مسحوراً بمبدأ الارواحية، ويتجسد عنده في حلولية الارواح في الأشياء والصخور والأنهار والأشجار، تلك الارواحية التي شعر بأن لها القدرة على ترميم الخراب الذي دمر مشهد طفولته، بل مشهد الحياة الغربية بأكمله. واعتبر من بين الكتّاب المعاصرين أكثرهم انتقاداً للحضارة الغربية والنزعة العقلانية النفعية، وهو من بين من توجه في حسه اللاذع وفكاهته السوداء بالنقد إلى كل مظاهرها. وكان في اتجاهه إلى التصوف وميله إلى الميتافيزيقيا أكثر انتساباً إلى وليم بليك وإلى د. هـ. لورانس وو. ب. ييتس.
كتب الكثير عن تيد هيوز باعتباره آخر من حافظ على اللغة الكلاسيكية، وعُد من بين أفضل من تمثل التراث في عمله. ولعل فهمه التراث في مفصل حساس من عمله يصل إلى مستوى من التمثل الذي جعله منه النقيض والوارث لأفضل تقاليده. بل هو من أكثر الشعراء الانكليز نقداً له. ويتساءل في معرض حديثه عن:"هل لدينا حقاً ذلك التراث الشعري العريق الذي يتحدثون عنه وعن أربابه العظام المقدسين؟ يقصد هنا وردزورث وكولردج، في ظني ان بعضهم لا يرقى إلى ما أضفوه على اسمه من عظمة، ولكنهم فرضوا رقابتهم على سلوك الشعراء الشباب وعلى أذواق القراء قبل كل شيء... إلى أن جاء اليوت وباوند لتحدي هذا التراث، ولكنهما عجزا عن تحطيم اسطورته، ولست على يقين أصلاً إن كانا حوراه بعض الشيء! روبرت كريفز هو الذي فتح وعينا على انغلاق هذا التراث ومحدوديته في سلسلة من المحاضرات التي ألقاها في كامبردج مطلع الخمسينات، والتي حاولت تطهير التراث من هراطقته، من وردزورث السيئ ومن الأغراب!: اليوت وباوند، وأظن بأنه اثر كثيراً حتى على أودن الذي أبدى اعجاباً به. ولكن جاءت الستينات لتبدأ مرحلة شعرية جديدة غالباً ما تربطه بموجة الخنافس الغنائية التي هزت المملكة. ولكن الواقع ان طلائع تلك الموجة بدأت قبلهم، وكانت سيلفيا بلاث تجاوبت مع تلك النذر الأولى في ديوانها"اريل"قبل أن تسمع بالخنافس. شهد عالم الشعر حدثين متزامنين في ذلك الحين: يقظة الوعي بين شعراء العالم الشيوعي المغلق، وظهور شعراء البيتنكس الذي تربع ألان غنسبرغ على قمة موجتهم. ولعل انفجار باسترناك في نهاية الخمسينات وموجة الترجمات التي كانت برعاية بيل مروين من أهم ما رفد اللغة والشعر الانكليزي بالحياة، فظفرنا بأولى الترجمات لهولاب وزبيغنيو هربرت. وتسابقت دور النشر، وفي المقدمة منها"دار بنغوين"، في طبع الترجمات الشعرية التي انتشرت بين الشباب البريطاني لتخلق ذائقة جديدة تعزف عن اعتبار التراث البريطاني مكتملاً بذاته وبمجده".
إن قول هيوز هذا يعزز التصور بالثقة التي أولاها النقاد لعمله مع التراث اللغوي والموسيقى في الشعر الانكليزي، تلك التي حاول فيها ان يجعل من شغله مادة تحمل وجهيها المشرقين الاحياء والحداثة معاً. وكان شعر هيوز خلال الخمسينات، بما يحفل به من سخرية مرة من التراث المسيحي الذي يستلهمه والحضارة الغربية التي يطمح إلى تجاوز عيوبها، يمثل النزعة المضادة لشعراء ما بعد الحرب الثانية البريطانيين الذين أظهروا اعجاباً بالذات الوطنية الانكليزية الخالصة وبالزعيم الخطيب الذي يقود الجماهير، وموجة القادة الذين زادتهم انتصاراتهم على النازية غروراً وايماناً فارغاً بقدراتهم الخارقة من تشرشل حتى ستالين وترومان وغيرهم.
كان نشاطه في كتابة الشعر والمسرحيات والتمثيليات الاذاعية ومحاضراته حول أدب الأطفال، إضافة إلى كتابته مجموعات شعرية لهم وغيرها من النتاجات، جعلت مواضيعه من السعة والتنوع ما لا يمكن حصرها في مسار واحد. ويؤكد النقاد أن أعماله تركت أثراً في مجموعة من شعراء مرحلته من شيموس هيني الحائز على نوبل، حتى آر. س. توماس الذي يعتبر من شعراء بريطانيا المعاصرين الكبار. ومنذ أول ديوان له"العقاب في المطر"1957 الذي طبعته سيلفيا بلاث بيدها ووضعت عليه اسمه الذي اختارته تيد وأرسلته إلى أشهر دارين للنشر في انكلترا وأميركا، وأعماله تلقى الاعجاب في كل مكان. فكان من حسن حظه ان يصبح محرر أو فاحص ديوانه الأول ت. س. إليوت الذي توقع له مستقبلاً طيباً. كما حاز على جائزة الشعر من لجنة كان يقودها أودن. ومع تأثر هذا الديوان بعدد من الشعراء المعروفين، هوبكنز وأودن وكريفز، فقد كان بداية واثقة وأصيلة مكنته كشاب من أن يلقى الرعاية في فترة مبكرة من عمره الأدبي.
في العام 1960 أصدر مجموعته الثانية "مهرجان الخصب" Lupercal وفيه يقترب من عالم الحيوانات ومنطقها أكثر. وأصبح بعد هذا الاصدار يعرف كشاعر متميز من بين جيل ما بعد الحرب الثانية، ونال جائزة سومرست موم في العام نفسه. وبين اصداراته الجديرة بالذكر"ودوو"1967 بعد وفاة سيلفيا بلاث، وأظهر فيه نزعة إلى فتنة الغرابة الشاذة مع التوحد والعزلة والخيال المتشائم، مستعيناً بالفولكلور الذي أصبح أحد أهم معالم شعره. وفي 1970 أصدر كتابه"حياة الغراب وأغانيه"في 66 أغنية جعل منها ما يشبه الملحمة عن هذا الطائر مستعيناً بالتراث المسيحي ولغة الأناجيل في صياغة فكرة الخير والشر، الظلام والنور، الأمر الذي دفع بعض نقاده إلى الحديث عن نزعاته المانوية في تبني تلك الثنائية في استبطان النفس.
وتدلنا سيرة هيوز إلى ولعه بالفولكلور والميثولوجيا الشرقية، وكان في رحلة نظمها المركز العالمي للمسرح إلى إيران، وله صلة مع المخرج والمؤلف المسرحي بيتر بروك الذي قدم"منطق الطير"للعطار، وحظي المثنوي لجلال الدين الرومي باهتمامه إلى اليوم. وفي حديث لهيوز يتابع فيه تكون الفكرة لدى الفنان منذ لحظة تشكلها كنطفه في الوجدان وإلى ان تكتمل، يؤكد على مبدأ الحوار في نصه وتقسيم الخيال بين مجموعة من الشخصيات المفترضة، شخصيات الذات المنشطرة على بعضها، وفي وصفه للبحث في المنطويات العميقة للنفس يقول:"وصف المعلم الصوفي العظيم ابن عربي الطريقة الأسياسة للتقدم الروحي كما لو أنه حوار جواني مع الشخصيات الكائنة وراء ما تعتبره حدودك الذاتية، لتحمل هذه الشخصيات على أن تقول لك ما لا تعرف أو أن تخبرك عما لا تستطيع بيسر وسهولة أن تدركه". والحال ان تمثل منطق الحيوان واستخدام الطير كقناع في شغل هيوز يلتقيان مع تلك النزعة الشرقية في استنطاق الحيوان كتورية ينوب فيها عن الصوت الإنساني ويمنح الكاتب حرية أوسع في تورياته. وما كان لتيد هيوز وهو يماهي صوته مع صوت الغراب، إلا أن ينقب عن حدود العنف والقسوة في الذات الإنسانية، وهي موضوعته الأثيرة في أعماله الأولى.
تابع هيوز نشر الكثير من أعماله التي تتفاوت في مستوياتها إلى أن أصدر كتاب"النهر"1983 الذي رشحه ليصبح شاعر البلاط، وهي مهمة اعتبرها هيوز استكمالاً لدور الشاعر في سلطة القبيلة التي تتحول إلى شرف وطني بعد تطور المجتمعات. وقصائده في هذا الصدد لا تشير إلى قيمة يؤمن بها حقاً كشاعر، بل تدلل على منصب رسمي في تقليد أقرب لشعائر فولكلورية جميلة. وفي العام 1987 أصدر"أزهار وحشرات"ثم"مراقبة الذائب"1991 في عودة إلى عالم الطبيعة... إلى أن قدم نفسه في"حكايات أوفيد"ثم قصائد الحب التي أخفاها أكثر من ثلاثين عاماً، وليس بين أيدينا ما يشير إلى تاريخ كتابتها ولكن نضج تلك القصائد وقوتها يدللان على أن صبره على قول كلمته في انتحار سيلفيا بلاث وحبهما العاصف كان يختزن تلك المشاعر التي لم يدركها إلا عندما داهمه العمر وأنذره الموت بالانتهاء. وفي حديثه الغاضب مع ناقدة ارادت ان تكتب سيرة بلاث، قال:"إن عليك أن تكتبيها بعد أن تموتي". وقد حقق هذا الأمر عندما نشر عمله بعد أن تأكد أنه على حافة الموت.
تحدث هيوز عن قصيدة سيلفيا بلاث باعتبارها من مؤسسات موجة ما يسمى شعر الاعتراف والبوح في الغرب، مؤكداً على أنه ليس هناك من شعر عميق في العالم لا يخلو من هذه السمة"الحاجة إلى اخفاء السر والاعتراف به تجعل الشعر شاعرياً"، وإن كان نصها هو نص الحياة اليومية وانشغالاتها الروحية. في حين توصل هو إلى قصيدة الاعتراف عبر موروثات الميتولوجيا والفولكلور، واستخدم الغراب قناعاً خلال أكثر مراحل عمره مأسوية، لكي يتقصى قوى الشر الكامنة في الكون وفي الذات البشرية بشكل قدري كما في الملاحم الاغريقية. بيد أنه صنع من اللغة، في كتابه الأخير، ما يوازي الطقـس الاســطوري في غموض تخومه وانغلاق أفكاره على ألغاز لا تدركها الكلمات إلا بعد أن ترتقي إلى المعرفة الأشد وعورة. وفي تلك المواجهة التي أعادت التاريخ من أوله، بينه وبين بلاث، كان الاعتراف المتبادل يفلت خارجهما إلى حدود الخلود الابداعي.

عن جريدة الرياض