تيد هيوز شاعر من القرن العشرين

تيد هيوز شاعر من القرن العشرين

أنتوني ثويت
ترجمة/عبد العزيز لازم
درج النقاد على اعتبار هيوز الأكثر تأثيراً والأعظم ثقلاً في الشعر الإنجليزي منذ عقد الستينيات من القرن العشرين، فخلال العقد الذي شهد ظهور كتابة (الصقر في عاصفة المطر) - 1957 اعتبر هيوز أحد كلاسيكيي زماننا، وأصبحت بعض كتبه تدرس في المدارس - وهذا أعظم أشكال الاستحسان العملي الذي يمكن أن يحلم بها شاعر وهو على قيد الحياة.

 كما إن دعاوى نقدية عريضة جداً قد أطلقت بحق تيد هيوز، فهذا،أ. الفاريز على سبيل المثلا قد دعاه بـ(الشاعر صاحب المكانة الأولى).

تركز قصائده في الكتابين الأولين (الصقر في عاصفة المطر) و (مهرجان الخصب) - 1960 بشكل أساسي على الحيوية الجسدية لنوع الكائن الذي لا يمكن تجاهله. إن عالم هيوز مفعم وبشكل هائج بالحيوانات الضارية والعنف البدائي مع لحظات الجلد الإنساني الخارق، عالم دموي تحكمه الغريزة والنزوة، حيث:
لا مماطلات متراخية، أو حماقات ضجرة،
لا تحسرات أو هرش على الرأس. لا شيء سوى الحماسة وضربات الطعن
في لحظة ضارية.
تعيش في أعمال هيوز وفرة من الكائنات البهيمية العصرية: الصقور، النمور الاستوائية، الببغاوات، الخيول، الذئاب، الأسماك الوحشية، البعوض، الذباب، القرود، القبرات، الفئران، الدببة، العناكب، السرطانات، الخنازير، الثيران، ثعالب الماء، الغربان - إن هذه الحيوانات تعيش في عالم هيوز ليس باعتبارها محض صور زخرفية أو عبارات جمالية، بل باعتبارها رموزاً مركزية.
نشأ هيوز وتربى في تلك الأنحاء من (يوركشاير بينيز) التي شكلت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن قبل الماضي (القرن التاسع عشر - المترجم) نوعاً من الأصقاع الخلفية الفاصلة بين منطقة (ويست رايدنغ) البرية الريفية ومنطقة مناجم الفحم - إنها بر طبيعي يماثل في بعض سماته تخوم (توتينغهام مشاير - دير بيشاير) حيث أمضى د. ه. لورنس طفولته. إن التماثل الحيوي في مجال الحياة الريفية بينه وبين لورنس ليس هو الشيء الوحيد الذي يثير به هيوز ذكرياتنا حول لورنس.
كتب (ادوين موير) في دراسته حول كتاب (الصقر في عاصفة المطر): (إن الصور التي يخلقها تمتلك ذلك النوع من العنف المثير للإعجاب) وهو نفس العنف الذي يظهر في بيت شعر كتبه (تينسون) في قصيدته (من الذكرى) يقول فيه: (هي طبيعة حمراء في السن والمخلب). وتظهر الحياة البشرية أيضاً في أوصاف النشاط الجسماني الوحشي، وهناك استحواذ خاص لقتال الخنادق الحيواني، الذي جرى في الحرب العالمية الأولى قد غطى الكتابين الأولين، تلك الحرب التي قاتل فيها والد هيوز وأعمامه.
ويمكن النظر للعديد من قصائده على أنها رموز للحياة البشرية، غير أنها على العموم قد عبرت عن نفسها في ذلك الضرب من تدفقات القوة التي فيها يتضبب الفرق بين المدجن وغير المدجن. والمثال المعروف جيداً على ذلك هو إحدى أكثر قصائده ظهوراً في المجموعات الشعرية، وهي (الثعلب الخاضع للتأمل): إنها توفر صورة خصبة للأصل الجسماني والتأثير الجسماني. فالثعلب يتحول إلى قصيدة، والقصيدة تصير الثعلب، إنه حضور يتقارب تدريجياً:
على نحو متألق، وبصورة مركزة،
تسير نحو وظيفتها
لحين، وبجلبة الثعلب الحادة الساخنة المفاجئة
تدخل ذلك الثقب المظلم من الدماغ.
النافذة تصير هادئة وبلا نجوم؛ والساعة تدق
والصفحة تطبع
في القصائد الأولى تتحول الطاقة الجسدية في بعض الأحيان إلى طاقة هائجة ومتنافرة؛ فهناك ثمة تنافر لفظي (على سبيل المثال: يا له من صاخب وعلى أي شيء / الفضاءات الصاخبة للنار تضع الشياطين المضللة / اورجي وهو سانا...) وهناك بيان متمرد (البنادق في مهادها، دمشق، مزرقة، متوهج) لكنه في أماكن أخرى ينجح في تقديم شيء أكثر اقتصاداً بالإجمال، (خشناً) بشكل متساو، ولكن من دون الإفراط في الكتابة المنمقة المتخثرة. وتعتبر قصيدتا (مأوى الصقر) و (مرأى خنزير) مثالين جيدين لذلك، فالأولى هي منولوج داخلي للصقر نفسه تمتلك حساً صريحاً لخطاب غير مزخرف وهي ملائمة جداً للبساطة المتغطرسة للمتكلم:
الحال الملائم للأشجار الباسقة؛
قدرة الهواء على الحمل وأشعة الشمس
هي في صالحي؛
وجه الأرض متجهاً إلى الأعلى يخدم تحرياتي.
قدماي تشبكان بقوة على لحم الشجر القاسي
إنهما تستحوذان على الخلق الكلي
ذلك الخلق الذي يولد قدمي وكل ريشة لدي:
الآن أقبض عليه بين قدمي
أو أحلق به إلى الأعالي وأدور به على مهل..
الشمس تقبع خلفي.
لم يتبدل شيء منذ بدأت.
لم تأذن عيناي بأي تغير.
سأواصل الاحتفاظ بكل شيء هكذا.
أما بالنسبة للبحر فهناك الكثير منه باعتباره مادة الهيولى الأولى الجبارة وباعتباره آكل اليابسة المدمر. ففي قصيدة (البيبراخ)* (من كتاب هيوز Window 1967) يبدو البحر والحجر والريح والشجر جميعها واقعة في قبضة دوامة من التغير والخراب:
*
لحظة إثر لحظة، طوراً بعد طور
لم ينقص أي شيء أو يتطور
وليس هذا تنوع رديء أو اختبار
ما هو إلا ما تقوم به الملائكة المحدقة
وفيه تنحني جميع النجوم
إن هذه الحرب بين الزوال والبقاء، بين النشوء وبين المعركة الفاصلة بين الخير والشر قد تم التعبير عنها بشكل متزايد في صيغ قد تأثرت بالشعر الشفاهي البدائي لعالم ما قبل الكتابة. - الهنود الحمر والأسكيمو - التي تبدو مثل الرقى والتعاويذ الصوفية. وتظهر مثل هذه الملامح واضحة بشكل خاص في قصيدة (الغراب) التي نشرها عام 1970. فهذه الترنيمة التي وصفت من قبل الشاعر في مطلع ظهورها على إنها (ممرات لأبيات الشعر من ما يتعين تسميته بالأسطورة الشعبية الملحمية في الثلثين الأول منها تقريباً) كانت منذ البداية مثيرة للجدل. فبالنسبة للبعض كانت هي قصيدة رفيعة وعملاً من أعمال الموهبة، بل إن الشخصية المركزية فيها، الغرب نفسه قد وصف بأنه (بطل جديد) برغم أن هذا التعبير قد يتضمن معنى ساخراً، وقد كتب آخرون عن (لجوء هيوز الواضح المتعمد إلى صفات القبضة الخنزيرية البدائية والعبارات أحادية المقطع المجهدة) وعن (تكراراته المخدرة الميكانيكية) ومهما كان الإجماع في الرأي فقد دخلت (الغراب) بشكل مؤكد الوعي الخاص بقراءة الشعر، وجرى على نطاق واسع تقليد إسلوبها أو أساليبها بل حتى محاكاتها بشكل ساخر وهذه إشارة صرامة إلى أن ثمة أثر أدبي قد (وصل).
في الغراب شخصيتان أساسيتان - الغراب والآلة. الغراب مرن وداهية ومراوغ، وهو موجود من أجل إنعاش كل أنواع الكوارث، أما الآلة فهو شريكه أحياناً، وأحياناً أخرى يكون خصمه أو منافسه، وغالباً ما يعبر عن حضور إيجابي، يواصل الرقاد بينما ينهض الغراب ليمارس أحابيله المخيفة:

ضحك الغراب
\مزق الدودة ـ ابنة الله الوحيدة
نصفان يتلويان
****
ازدرد نصف الذيل بشكل رجل
مع الطرف الجريح المتأرجح
****
ازدرد نصف الرأس، الرأس أولاً بشكل امرأة
وراحت تدب إلى الداخل، إلى العمق وإلى الأعلى
لتحدق عبر عينيه
داعية نصف الذيل إلى الالتحاق العاجل بسرعة
فياله من وجع ممض.

إن النهج في الغراب هو في الغالب هكذا - سلسلة من الأوصاف الحكائية غير المقيدة لحوادث هزلية بشكل وحشي (أو هي محض وحشية بشكل قاس). وهي بعض الأحيان تتنوع مع تنوع فهرس التعاويذ أو قائمة الأسئلة - الوسائل الشائعة في الشعر الشفاهي الذي أشرت إليه - وهناك بضع مفردات رئيسة مثل - أسود، دم، محطم، مطعون، صرخ. من الصعب تفادي الانطباع بأن المرء يواجه أسطورة عجيبة مثقلة بالخلق والخراب في رزمة واحدة.
ويبدو أن تيد هيوز قد اتبع منذ نشر الغراب طريقين يتواصلان حتى الآن (توفي الشاعر عام 1998 - المترجم). أحدهما في اتجاه التشظي الأكثر شدة ممثلاً في سلسلتي القصائد المسماة (بروميثيوس فوق صخرته) و (البقايا). أما الاتجاه الثاني فرغم إنه قدم على إنه شعر للأطفال، إلا إنه يمتلك كل التوقد الذهني الحاد الذي اتسمت به أعماله الأولى، ولا تقدم حلولاً وسطى برغم أن هناك تمسك أشد في الشكل؛ ويمكن العثور على قصائد من هذا النوع في كتابه المعنون (أغاني الموسم).

------------------
البيبراخ: قطعة موسيقية عسكرية أو مأتمية تعزف على مزمار القرية في اسكتلندة - المترجم.
*يلاحظ إن المقتبس الذي أورده الكاتب في مقالته لا يعبر تماماً برأيي عن مضمون عبارة (دوامة من التغير والخراب) التي ذكرها على أساس الاستشهاد به - المترجم.