كيـف أَلْهَمَ العِلْمُ روايـةَ «موبي- ديك»

كيـف أَلْهَمَ العِلْمُ روايـةَ «موبي- ديك»

فيليب هوير
بالرغم من مرور أكثر من قرن ونصف القرن على نشرها، تبقى رواية «موبي- ديك"لهيرمان ميلفيل بمثابة جسر ثقافي مهم بين التاريخ البشري والتاريخ الطبيعي، متجسدًا في حجم الحوت الضخم وشكله الشرير. وهذه الرواية الملحمية تعتبر معملًا للأدب، فقد تم تأليفها قبل أن تتحدد الملامح الرئيسة للفن والعلم.

ألَّف ميلفيل كتابه ـ الذي استغل فيه خبراته البدائية التي اكتسبها عندما كان على ظهر سفينة لصيد الحيتان ـ تقديرًا للفترة الأولى لصيد الحيتان في العصر الحديث، التي امتدت من القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، والتي زعم أنها كانت تدر على الولايات المتحدة الأمريكية ـ حديثة العهد آنذاك ـ 7 ملايين دولار سنويًّا. وفي الوقت ذاته، كان هناك تحول علمي كبير، حيث بدأ علماء ومثقفو القرن في إفساح الطريق لجيل جديد أكثر مهارة وتخصصًا.
كان موقف ميلفيل تجاه العلم واستخدامه له في «موبي- ديك"منسجمًا مع المزاج الانتقائي لتلك الفترة، حيث وظّف المعرفة المعاصرة بالتاريخ الطبيعي - أو حتى الجهل به - إلى أقصى حد، من خلال الاستفادة بأعمال نجوم الأدب، أمثال: وليم سكوريسبي، وتوماس بيل، وجورج كوفييه، ولويس أجاسيز.

يركز 17 فصلًا من فصول الكتاب الـ135 على تشريح الحيتان أو سلوكها. ومن عناوين تلك الفصول «رأس حوت العنبر - شكل توضيحي»، و«رأس الحوت الصائب - شكل توضيحي»، وتُظِهر تلك القطاعات البِنْيَة الجسدية للحوت، من خلال مزيج ساخر من الحقائق المعروفة والتشابهات الرئيسة. ويفترض هارولد مورويتز ـ أخصائي الأحياء البحرية ـ في مقالة طريفة نُشرت في عام 2011 (أن ميلفيل يعمل طبيب جهاز هضمي، أو طبيب مستقيم وشرج للحيتان). ويُعدّ كتاب ميلفيل أول ـ وربما آخر ـ عمل أدبي يفرد فيه فصلاً كاملاً للعوالق الحيوانية.
ويحاول ميلفيل في الفصل الشهير رقم 32 ـ الذي أسماه «علم دراسة الثدييات المائية"Cetology ـ تصنيف فصائل الحيتان، كما لو كان يصنف مكتبته الخاصة في شكل «ملفات»، كإشارة مازحة للتصنيف غير المحدد للحيتان آنذاك.
يشير توماس بيل في كتابه «التاريخ الطبيعي لحوت العنبر"الصادر في عام 1839 إلى أن عالِم التاريخ الطبيعي الفرنسي «بيرنارد جيرماين دو لاسيبيد"زعم وجود ثمانية أنواع من هذا الحوت؛ ولكن في الواقع لا يوجد سوى ثلاث فصائل، هي: حوت العنبر Physeter macrocephalus؛ وحوت العنبر القزم Kogia sima؛ وحوت العنبر (الصغير) بيجمي K. breviceps. وقد أعلن ميلفيل أن المحاولات السابقة لوصف الحيتان «جميعها خاطئة»، واستعان بخبيرين، هما: سكوريسبي، وبيل كمراجع لتأييد زعمه.
كان كتاب «التاريخ الطبيعي لحوت العنبر"هو أول محاولة للكتابة بشكل علمي حول هذا الحوت الذي يغوص في أعماق مياه المحيط المفتوح. ونتيجة لخبرة بيل ـ التي اكتسبها من خلال عمله كجراح في سفينة بريطانية لصيد الحيتان ـ فقد امتلأ الكتاب بملاحظات حول تشريح هذا الحيوان وسلوكه. وكان كوفييه قد زعم أن حوت العنبر «أصاب جميع سكان الأعماق بالذعر»، ولكن بيل كان يعلم أن هذا الحوت من «أجبن الحيوانات وأكثرهم مسالَمَةً».

كما أعطى الكتاب الرائع، الذي يحمل عنوان «بيان حول المناطق القطبية»، الصادر في عام 1820، لميلفيل معلومات عن أحد أنواع الحيتان التي قلت أعدادها بسبب الصيد، وهو الحوت مقوَّس الرأس Balaena mysticetus، الذي عُرِفَ بعد ذلك بالحوت العادي. كان سكوريسبي ابنًا لصائد حيتان، والنموذج المثالي للشخص المثقف آنذاك، فقد كان صيادًا، وعالِمًا، وقِسِّيسًا، ومنومًا مغناطيسيًّا. وكان قد تلقى تشجيعًا في بداية عمله من جوزيف بانكس، وكان عمله بمثابة معيار للدراسات القطبية الشمالية.
كان ميلفيل مأسورًا بشكل خاص بملاحظات سكوريسبي بشأن اكتشاف حَرْبَة قديمة، كان يستخدمها سكان الإسكيمو، مغروسة في النسيج الدهني تحت جلد أحد حيتان الرأس المقوس. ويتساءل راوي رواية ميلفيل، إيشمايل: «من الذي رمى بتلك الحَرْبَة؟» ويتخيل ـ بشيء من المبالغة ـ أن الحوت قُذِفَ بها (قبل أن يتم اكتشاف أمريكا بوقت طويل). وقد كشف العلم أن ميلفيل لم يكن مخطئًا إلى حد كبير. ففي عام 1999، أظهرت الاختبارات أن حيتان الرأس المقوس تستطيع أن تعيش مئتي عام على الأقل.
لذلك.. من الطبيعي أن يحوم لقب أعظم شخصية علمية في العصر حول ميلفيل. نشر داروين كتابه «أصل الأنواع"في عام 1859 بعد صدور «موبي- ديك"بثمانية أعوام. وجدير بالذكر أن ميلفيل ذكر داروين مرة واحدة فقط في رواية «موبي- ديك»، وبالتحديد في بداية الرواية، حيث استعان باقتباس له من كتابه «رحلة عالِم طبيعة حول العالم». كان ميلفيل قد قرأ رواية داروين «رحلة السفينة بيجل» الصادرة في عام 1839 عندما كان يحضّر لروايته «الإنكانتاداس»، أو «الجزر المسحورة"في عام 1854 حول جزر الجالاباجوس التي تم اكتشافها آنذاك. زار ميلفيل الجزر في عام 1841، بعد مرور ستة أعوام على نزول داروين بها. وقد أسهمت ملاحظات داروين التي سجلها على بعض سحالي الإجوانا البحرية «عفاريت الظلام"في تهيئة الأجواء لنظرة ميلفيل المَجازِيّة للجالاباجوس، فهو يراها كـأنها «خمس وعشرون كومة من الرماد.. ولا يمكن أن توجد أراضٍ كتلك، إلا في عالَم منهار».
تتماشى هذه التشبيهات التي تبعث على الكآبة مع رجل أعلن أن العِلْم البشري كله «مجرد خرافات زائلة». ومع ذلك.. فقد كتب هو نفسه قصة خرافية. ففي «موبي- ديك»، نرى إيشمايل شخصًا كثير الشك والتساؤل، فهو رجل محب للعِلْم. وتتناقض شخصيته بشكل كبير مع شخصية أهاب الانتقامية، المنشغل بمطاردة الحوت الذي دمَّر حياته. ذكر الناقد إيريك ويلسون في مقال له بعنوان «ميلفيل وداروين، والسلسلة الكبيرة للوجود» أن مضمون رواية ميلفيل في الأساس يدور حول «زوال الأفكار بشرية التمركز، التي كانت سائدة قبل داروين، والتي تبنّاها أهاب، وبَدْء عهد جديد لرؤى داروين حول التطور البيئي، التي يطرحها إيشمايل». وقد عاصر ميلفيل تلك العملية.
مع إقرار الفيلسوف الأمريكي رالف والدو إيميرسون - المؤمن بالفلسفة المتعالية – في مقال له بعنوان «الطبيعة» في عام 1836 بأن قانون الأخلاق يوجد في قلب نظام كامل متوافق، صارت هذه النظرية هي الفلسفة الجديدة لميلفيل في شبابه. أما الكاتب أندرو ديلبانكو، فقد أشار- في سرده لسيرة ميلفيل- إلى أن ميلفيل قرأ رواية دين هويلز «خطورة الثروات الجديدة» الصادرة في عام 1890، التي توضح رؤية داروين الملتوية للمجتمع. كان يُنظَر إلى «موبي- ديك"نفسها على أنها محاكاة ساخرة لغلوّ الفلاسفة المتعالين في فكرة «العودة إلى الطبيعة»، ولكن ميلفيل يقدم ما هو أكبر من مجرد فلسفةٍ ذات نهج انتقادي، أو حتى استخدام العلم كديكور داخلي، فقد صنع توليفة رائعة بين نبضه الشعري والفلسفي، وبين المزاج العلمي المتصاعد في زمنه. صنع ذلك بحِسّ من الفكاهة السوداء التي تفوقت على الفلسفة المتعالية؛ لإثبات أن الطبيعة وعلومها أجمل وأغرب مما كانوا يتصورون.
فشلت «موبي- ديك"في إحداث أي تأثير خلال فترة حياة ميلفيل، وتوفي في عام 1891، دون أن يلتفت أحد إلى موته، إلا أن روحه المُحِبّة للبحث والتجربة جعلته مفيدًا وباقيًا ببقاء الأدب.
كان أسلوبه غير المباشر منسجمًا مع قرن جديد من الاكتشافات، ومع أدباء القرن العشرين التجريبيين، مثل: دي. إتش. لورانس، وفيرجينيا وولف اللذين أعادا تقييمه كأديب عصري قبل وجود الحداثة.
تتجاوب رائعة ميلفيل بشكل قوي مع الاهتمامات العلمية في أيامنا هذه. وتُظهـِر «موبي- ديك"شموخ الحوت أمام تهديدات البشر. ويبدو أن ميلفيل توقع التأثيرات التي يمكن أن تحدث في حالة التغير البيئي، حيث تساءل ميلفيل عن المستقبل المجهول في ذلك الفصل الذي يحرك المشاعر، بعنوان «هل يتقلص حجم الحوت؟ هل هو مُعَرَّض للانقراض؟»، ولكنه يرى الحوت منتصرًا، (نافثًا الماء، متحديًا السماء). ومع مرور الوقت، ومع انتهاء الرواية، تحولت رؤية ميلفيل إلى كابوس للحوت.
في عام 1961 فقط ماتت أعداد كبيرة من الحيتان ـ حوالي 75000 حوت ـ بما يفوق الأعداد التي ماتت في عهد صائدي الحيتان الأمريكيين (اليانكي).. فمع ظهور السفن الأسرع، والرماح المقذوفة آليًّا، صارت أنواع جديدة من الحيتان قريبة من مرمى الصيادين، مثل الحوت الأزرق، والحوت الزعنفي في جنوب المحيط الأطلسي، والمحيط المتجمد الجنوبي.
ومثل سكوريسبي، فإن علماء الحيتان - الذين يلبسون أحذية الصيادين العالية، التي تصل إلى الخصر (كما يصفهم د. جراهام بورنيت في كتابه «سبر أغوار الحوت: العلم والثدييات البحرية في القرن العشرين»، الصادر عن مطبعة جامعة شيكاغو في عام 2012 ـ أبرموا اتفاقًا مع الصناعات الحديثة القائمة على الحيتان بأنْ يخبروهم باستنتاجاتهم بخصوص تشريحها، وتناسلها، وهجرتها؛ مما يدل على أنه ربما لم يقم أحد بكتابة ملحق لرواية «موبي- ديك"من أجل إحياء ذكرى تلك المغامرة.
عن الغارديان